فاروق الدباغ

السويد
لم يعد الحديث عن النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط يقتصر على العلاقات الدبلوماسية أو التحالفات السياسية، بل أصبح يتعلق بعقيدة أمنية وعسكرية متكاملة تتجاوز الحدود الجغرافية. فمن مضيق هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، ومع عودة العلاقات العسكرية مع السودان، تبدو طهران وكأنها تسعى إلى بناء طوق نفوذ يمتد على أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا المشروع لا يعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل على منظومة يقودها الحرس الثوري الإيراني، الذي أصبح خلال العقود الماضية اللاعب الأكثر تأثيرًا في رسم السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية. فالعقيدة التي تحكم هذا الجهاز لا تقوم على الدفاع عن الحدود الإيرانية فحسب، وإنما على توسيع النفوذ عبر الحلفاء المحليين، والميليشيات المسلحة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، وخلق بؤر توتر تمنح طهران أوراق ضغط في أي مواجهة إقليمية أو دولية.
في العراق، لم يعد النفوذ الإيراني محل نقاش بين الباحثين، بل أصبح أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في المشهدين السياسي والأمني. فقد نجحت طهران، عبر سنوات طويلة، في بناء شبكة من العلاقات مع فصائل مسلحة وأحزاب سياسية، الأمر الذي جعل القرار العراقي في كثير من الملفات يتأثر بحسابات إقليمية تتجاوز حدود المصلحة الوطنية العراقية.

أما في اليمن، فقد تحول الحوثيون إلى أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجي الإيراني، بعدما أصبحت الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب تهدد حركة التجارة والطاقة العالمية. ومع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز من جهة، وامتلاك نفوذ مؤثر في باب المندب من جهة أخرى، أصبحت طهران تمتلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
واليوم، يبدو أن السودان يدخل تدريجيًا ضمن هذه المعادلة. فالتقارير التي تحدثت عن عودة التعاون العسكري بين الخرطوم وطهران لا يمكن فصلها عن الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر، وهو موقع يمنح أي قوة إقليمية فرصة لتعزيز نفوذها بالقرب من باب المندب.
لكن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط التوسع الجغرافي، بل تشابه العقيدة العسكرية التي تظهر في أكثر من ساحة.
ففي سوريا، وثقت منظمات حقوقية دولية استخدام البراميل المتفجرة ضد مناطق مدنية واسعة، وأصبحت تلك البراميل رمزًا لسياسة تقوم على إنهاك المجتمع المدني وإجباره على الخضوع عبر القصف العشوائي والتدمير واسع النطاق.

واليوم، تعود هذه الصورة إلى الواجهة في السودان. فقد اتهمت جهات حقوقية ومحلية الجيش السوداني باستخدام طائرات نقل من طراز أنتونوف لإلقاء ذخائر متفجرة على مناطق مأهولة في شمال كردفان. وإذا أثبتت التحقيقات المستقلة صحة هذه الاتهامات، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان النموذج السوري، ليس من حيث تفاصيل الحرب فقط، وإنما من حيث العقيدة العسكرية التي تتعامل مع المدنيين باعتبارهم جزءًا من معادلة الضغط العسكري.
إن أخطر ما يميز هذه العقيدة هو أنها لا تنظر إلى الخسائر المدنية بوصفها قيدًا أخلاقيًا أو قانونيًا، بل باعتبارها ثمنًا مقبولًا لتحقيق أهداف استراتيجية. لذلك، كثيرًا ما تتحول المدن والقرى إلى ساحات لإرسال الرسائل السياسية والعسكرية، بينما يصبح السكان المدنيون هم أول من يدفع الثمن.
ولعل اللافت أن هذا النهج لم يقتصر على الخصوم التقليديين لإيران. فحتى سلطنة عُمان، التي لعبت لعقود دور الوسيط الإقليمي، وحافظت على علاقات متوازنة مع طهران، لم تكن بمنأى عن تداعيات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية خلال فترات التصعيد في المنطقة. وهو ما يعكس أن منطق القوة في العقيدة العسكرية الإيرانية قد يتجاوز أحيانًا الاعتبارات السياسية التقليدية.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يتعامل هذا النوع من الأنظمة مع الضغوط الدولية؟
تشير تجارب العقود الماضية إلى أن النظام الإيراني أظهر قدرة كبيرة على امتصاص العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية، لكنه أبدى مرونة أكبر عندما واجه تهديدًا عسكريًا مباشرًا يرفع كلفة استمرار سياساته. ولهذا يرى عدد من الباحثين أن أدوات الردع العسكرية كانت، في بعض المحطات، أكثر تأثيرًا في تعديل السلوك الإيراني من الضغوط الدبلوماسية وحدها، وإن كان مستقبل النظام يبقى مرتبطًا أيضًا بعوامل داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية.
إن الصراع الدائر اليوم لم يعد مجرد تنافس على النفوذ، بل هو صراع بين رؤيتين مختلفتين لإدارة المنطقة: رؤية تقوم على الدولة ومؤسساتها والقانون الدولي، وأخرى تعتمد على الوكلاء المسلحين، والردع بالقوة، وتوسيع النفوذ عبر الأزمات.
ولهذا، فإن ما يحدث في العراق، وسوريا، واليمن، والسودان، لا ينبغي النظر إليه كملفات منفصلة، بل كأجزاء من استراتيجية إقليمية واحدة، تتغير فيها الأدوات، بينما تبقى العقيدة ذاتها.
المصادر :
Reuters – تقارير عن التعاون العسكري بين إيران والسودان، والتطورات الأمنية في البحر الأحمر.
BBC News – تغطية للحرب في السودان واستخدام الطيران ضد المناطق المدنية.
Human Rights Watch – تقارير عن استخدام البراميل المتفجرة في سوريا والانتهاكات ضد المدنيين.
Syrian Network for Human Rights (SNHR) – توثيق استخدام البراميل المتفجرة في سوريا.
United Nations (OHCHR) – بيانات وتقارير حول حماية المدنيين في السودان وسوريا.
International Crisis Group – تحليلات حول النفوذ الإيراني في العراق واليمن والبحر الأحمر.
Chatham House – دراسات عن استراتيجية الحرس الثوري الإيراني والنفوذ الإقليمي.
Carnegie Middle East Center – أبحاث حول السياسة الإقليمية الإيرانية وشبكة الوكلاء.
The Washington Institute for Near East Policy – دراسات عن الحرس الثوري الإيراني والعقيدة العسكرية الإيرانية.
AEI – American Enterprise Institute – تقارير عن “محور المقاومة” والاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط.
Sent from my iPhone


















































