من التحديث المؤسس إلى تحصين التحول: مدونة الأسرة واختبار امتصاص التحول
قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (7)
بقلم: د. إيمان غانمي
باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي
لا يمكن في تقديري، تناول موضوع مدونة الأسرة، ضمن هذا المسار النظري، بوصفها مجرد نص قانوني خضع للتحيين في محطة سابقة أو ينتظر صياغة جديدة، ولا بوصفها موضوعاً جزئيا يخص علاقة الرجل بالمرأة داخل المجال الخاص فحسب؛ إن مدونة الأسرة، في عمقها السوسيولوجي، لا تنتمي إلى مجال القانون وحده، بل تقع في نقطة التقاء كثيفة بين القانون والسلطة الرمزية، وبين النص والمخيال، وبين العدالة والقرابة، وبين الحق والمصلحة، وبين الدولة والمجتمع، وبين الإرادة السياسية العليا التي تفتح أفق التحول، والإرادة المعيارية التي تسعى إلى منحه صيغة قانونية ومؤسساتية، والاقتصاد العميق للنسق الذي يعيد توزيع أثر هذا التحول عبر وساطات التأويل والتطبيق والاستثناء والولوج إلى العدالة.

لذلك فهي تمثل، أكثر من غيرها، مجالًا كاشفًا لاختبار مفهوم امتصاص التحول كما عرفته في هذه السلسلة: أي قدرة النسق على استقبال التغيير واستدخال بعض منطقه، لا من أجل إلغائه بالضرورة، بل من أجل إعادة تشغيله داخل قواعده العميقة، بحيث يبدو أن النص قد تقدم، بينما يظل جزء من المضمون القديم قادرًا على الاستمرار داخل المسافة الفاصلة بين الحق وإثباته، وبين الإنصاف وكلفته، وبين المبدأ القانوني وقابليته الفعلية للتحقق.
ففي حالة مدونة الأسرة، لا يظهر امتصاص التحول في صورة مقاومة مباشرة للنص، بل في صورة اشتغال هادئ داخل التفاصيل التي تحدد مصير الحق بعد الاعتراف به. فالمدونة، بوصفها تعبيرًا عن إرادة معيارية منبثقة عن إرادة سياسية عليا فتحت أفق التحول، لا تُختبر فقط في صياغتها العامة، بل في الطريقة التي ينتقل بها المبدأ من النص إلى المسطرة، ومن المسطرة إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى الأثر المعيش. هنا بالضبط يتحدد الفرق بين حق معلن وحق قابل للاستعمال؛ بين مساواة منصوص عليها ومساواة قادرة على تفكيك اختلالات العلاقة الأسرية؛ بين حماية قانونية قائمة على مستوى اللغة وحماية لا تتحقق إلا لمن تملك الوقت والمعرفة والقدرة النفسية والمادية والسند العائلي وو… على سلك مسارها.
لذلك لا ينبغي قراءة المدونة باعتبارها مجرد نص متقدم أو غير ذلك، بل باعتبارها مختبرًا لكيفية عبور التحول داخل مجال شديد التعقيد، حيث لا تُلغى القاعدة الجديدة بالضرورة، ولكن يُعاد تطويع مفعولها عبر الاستثناء، والتأويل، وتفاوت الولوج إلى العدالة، وكلفة استعمال الحق، بما يجعل جزءًا من المضمون القديم قادرًا على الاستمرار، بشكل معاكس دائمًا للنص، بل أحيانًا من داخل هذا النص…
ولأجل ذلك ينبغي في تقديري، ابتداءً، تثبيت تمييز منهجي أساسي: مساءلة محدودية النص الحالي لا تعني، بأي وجه، تبخيس اللحظة التاريخية التي جاءت فيها مدونة الأسرة في صيغتها الأولى. فقد مثلت تلك الصيغة، في سياقها، تحولا معيارياً مهماً، لأنها نقلت جزءاً كبيراً من علاقة القانون بالأسرة من منطق تقليدي مغلق إلى أفق أكثر انفتاحاً على الإنصاف، وأدخلت لغة جديدة إلى مجال ظل طويلاً محكوماً بتوازنات رمزية واجتماعية دقيقة.
لقد أسست تلك اللحظة لاعتراف أوسع بالمرأة داخل الأسرة، وفتحت أفقاً جديداً في مساءلة بعض القواعد التي كانت تبدو، قبل ذلك، أقرب إلى البداهة الاجتماعية منها إلى موضوع النقاش القانوني. بهذا المعنى، لا يمكن إنكار أن المدونة الأولى قد شكلت في وقتها وسياقها، خطوة نوعية ذات حمولة سياسية وقانونية ورمزية معتبرة، وأنها عبرت عن إرادة عليا في اتجاه تحيين البنية القانونية للأسرة بما يسمح بمساحة أوسع من الاعتراف والإنصاف.
غير أن قيمة هذه اللحظة المؤسسة لا تجعلها خارج التاريخ. فالنصوص الكبرى لا تظل قوية فقط بما أحدثته عند صدورها، بل بقدرتها على مواصلة إنتاج الأثر داخل مجتمع يتطورو يتغير، وبقدرتها على مقاومة آليات الالتفاف التي تكشفها الممارسة مع مرور الزمن.
لذلك فإن القول إن النص الحالي كشف محدوديته ليس نفياً لما حققه، بل قراءة لما ظهر بعد احتكاكه بالواقع. فقد لا تظهر حدود النص في لحظة ولادته، بل في مسار تطبيقه؛ ولا تظهر دائماً في فصوله، بل في مناطقه الهامشية ظاهرياً: الاستثناء، السلطة التقديرية، التأويل، قابلية الإثبات، كلفة التقاضي، الضغط العائلي، والخوف من الوصم ونظرة المجتمع إلى المرأة والطفل والأسرة. وفي هذه المناطق تحديداً يشتغل امتصاص التحول، لا بوصفه رفضاً صريحاً للتغيير، بل بوصفه قدرة على جعل التغيير محدود المدى، أو متفاوت الأثر، أو قابلاً لإعادة التكييف.
إن مفهوم امتصاص التحول، كما يشتغل هنا، لا يحيل إلى مجرد تعثر في التطبيق، ولا إلى بطء إداري أو قصور تقني. فهذه مظاهر قد تكون موجودة، لكنها لا تستنفد الظاهرة. الامتصاص، في معناه الأعمق هنا بالتحديد، أقصد به قدرة البنية على استقبال المبدأ الجديد، ثم إعادة إدخاله في اقتصادها الرمزي والاجتماعي: يقبل مبدأ حماية الطفولة، لكنه يترك منفذاً لتزويج الطفلة عبر الاستثناء. يقبل الحديث عن كرامة الزوجة، لكنه يبقي إمكان التعدد قائماً داخل مسطرة تقديرية. يقبل لغة الإنصاف، لكنه يجعل أثرها مشروطاً بقدرة المرأة على الوصول إلى القضاء وتحمل كلفة المطالبة بحقها. هنا لا يكون التغيير غائباً، بل يكون حاضراً في صيغة تسمح باستمرار جزء مما كان يفترض به أن يتجاوزه.
من هذه الزاوية، يمكن فهم العلاقة بين الإرادة العليا لرئيس الدولة، وهي إرادة واضحة وثابتة، دفعت في اتجاه إنصاف المرأة وتحصين الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، وبين آليات الامتصاص، لا كعلاقة تناقض مباشر، بل كعلاقة تفاعل داخل مسار التغيير نفسه. فالإرادة المعيارية العليا تفتح الأفق، وتمنح الشرعية السياسية والمؤسساتية للتحديث، وتدفع المجتمع إلى مراجعة ما اعتاد اعتباره طبيعياً أو خارج المساءلة.
غير أن هذه الإرادة، حين تنتقل إلى النص، ثم من النص إلى القضاء، ثم من القضاء إلى الحياة اليومية، تمر عبر وسائط لا تعمل كلها بالمنطق نفسه. هناك وساطة القاضي، ووساطة الأسرة، ووساطة العرف، ووساطة التأويل، ووساطة الهشاشة الاقتصادية، ووساطة الخوف من الوصم، ووساطة القدرة أو العجز عن تحريك المسطرة… وفي كل وساطة من هذه الوسائط يمكن أن يتسع أثر التحول أو يضيق. لذلك فإن ورش التعديل الحالي لا ينبغي أن يُقرأ كاستدراك على المدونة الأولى بمعنى سلبي، بل كمرحلة جديدة في تحصين مقصدها الإنصافي من الآليات التي حدّت من أثره.
وتأسيسا على كل ما ذكر، يصبح التمييز بين تحديث النص وتحصين التحول ضرورياً. فتحديث النص يعني تحيينه عبر مقتضيات أكثر انسجاماً مع الإنصاف والكرامة والحماية.
أما تحصين التحول فيعني جعل هذه المقتضيات أقل قابلية للالتفاف، وأقوى أثراً في الواقع، وأقل خضوعاً للاستثناءات التي تعيد إنتاج القديم داخل الجديد. فالقانون لا يكتمل فقط حين يعلن القاعدة، بل حين يمنع القاعدة من أن تُفرغ عبر منافذها. ولا يكتمل حين يمنح حقاً، بل حين يجعل الحق قابلاً للتحقق. ولا يكتمل حين يحمي الطفولة في العبارة، بل حين يمنع تحويل الطفولة إلى موضوع تقدير اجتماعي أو عائلي أو قضائي قابل للتفاوض. ولا يكتمل حين يقيد التعدد، بل حين يسائل الأثر الرمزي والعملي لبقاء إمكانه داخل علاقة زوجية لا تكون شروطها دائماً متكافئة.
ولعل أحد أوضح تمظهرات لامتصاص التحول في هذا السياق، مسألة تزويج الطفلات. فالنص، حين يحدد سن الزواج، يعلن مبدأ حمائياً حديثاً، ويقر بأن الطفولة ليست مجرد عمر بيولوجي، بل وضعا قانونيا ونفسيا واجتماعيا يستدعي الحماية من أعباء لا تناسب هشاشته.
غير أن فتح باب الاستثناء يجعل هذه الحماية قابلة للتعليق. وهنا لا يكون الإشكال في غياب القاعدة، بل في قابلية القاعدة نفسها لأن تُستثنى. فالقديم لا يحتاج إلى إسقاط النص الحديث؛ بل يكفيه أن يستثمر منافذه. ولا يحتاج إلى إنكار حماية الطفلة ومصلحتها العليا، بل إلى إعادة تعريف مصلحتها من داخل منطق الأسرة أو الفقر أو الخوف من الوصم أو الرغبة في الستر أو ضغط المحيط. وبذلك يتحول الاستثناء إلى جهاز سوسيولوجي كامل: يترك للنص مظهره التحديثي، وفي الوقت نفسه يسمح للمضمون القديم بأن يواصل الاشتغال من داخله.
إن الاستثناء، في هذا السياق، ليس هامشاً تقنياً يمكن النظر إليه بوصفه مجرد مرونة قانونية. إنه منطقة التوتر بين القاعدة المعلنة والبنية الاجتماعية التي تستقبلها. فالقاعدة تقول إن الطفولة محمية، لكن الاستثناء يجعل هذه الحماية قابلة للتفاوض. والقاعدة تفترض أن الزواج علاقة تقتضي النضج والقدرة والاختيار، لكن الاستثناء يسمح بأن تُقرأ الطفلة ككائن قابل للمرور المبكر إلى مؤسسة لا تملك غالباً شروط التفاوض داخلها. هنا لا يكون القانون في مواجهة العرف فقط، بل يصبح العرف قادراً على مخاطبة القانون بلغته: المصلحة، الضرورة، الظروف، البحث، التقدير… ومن ثم، فإن امتصاص التحول لا يقع خارج النص، بل في داخله، داخل المنطقة التي تسمح بإعادة ترجمة المبدأ الحديث إلى ممارسة قديمة ذات غطاء قانوني.
من جهة ثانية، فمسألة تزويج الطفلات تفضح بجلاء محدودية المقاربة التي تختزل الإشكال في “حداثة ضد تقليد”. فبعض المدافعين عن استمرار هذا المنفذ لا يرفضون الحداثة حين تتعلق بدوائرهم الخاصة. فقد يحرصون على تعليم فتياتهم في أفضل المؤسسات، وعلى تمكينهن من اللغات والشهادات والرأسمال الثقافي والمهني، وعلى تأجيل زواجهن إلى حين اكتمال شروط النضج والاستقلال والاختيار. وحين يتعلق الأمر ببناتهم أو قريباتهم، يصبح التعليم حقاً لا يناقش، والطموح مشروعاً، والاستقلال قيمة مطلوبة. أما حين يتعلق الأمر ببنات الفئات الهشة، فقد يعاد استدعاء التقليد بوصفه حلاً أو ضرورة أو مخرجاً اجتماعياً. وهنا لا نكون أمام تقليد خالص في مواجهة حداثة خالصة، بل أمام حداثة انتقائية: حداثة تُستهلك كامتياز داخل دوائر معينة، وتُعلَّق حين يتعلق الأمر بفتيات أقل قدرة على حماية طفولتهن ومستقبلهن.
كما تكشف التقاطعية هنا أن تزويج الطفلات لا يمس جميع الطفلات بالمعنى نفسه، ولا ينتج الأثر ذاته في كل المواقع الاجتماعية والمجالية. فالطفلة المعنية لا تكون طفلة فقط، بل تكون أنثى داخل تراتبية قرابية، وفقيرة داخل اقتصاد أسري ضاغط، ومنتمية غالبًا إلى مجال مهمش تقل فيه فرص التعليم والنقل والخدمات والحماية والقرب من مؤسسات الإنصاف. ولذلك فإن هشاشتها لا تُستقبل دائمًا باعتبارها موجبًا للحماية، بل قد تتحول، داخل منطق الضرورة، إلى أحد مبررات نقلها من مسؤولية الأسرة إلى مسؤولية الزواج. وهنا تكمن خطورة الامتصاص: أن تتحول شروط الضعف نفسها إلى مبررات لتقليص الحماية، بدل أن تكون سببًا لتوسيعها.
ومن هذه الزاوية، تكشف هذه الحداثة الانتقائية أن الطفولة نفسها لا توزَّع اجتماعيًا بالمعنى نفسه. فهناك طفلة يُنظر إليها بوصفها مشروع تكوين وتعليم واستقلال ومهنة ومستقبل مفتوح، وهناك طفلة أخرى تُختزل في كونها عبئًا عائليًا، أو موضوع ستر، أو كلفة اجتماعية، أو جسدًا ينبغي نقله من مسؤولية الأسرة إلى مسؤولية الزواج.
إن هذا التفاوت يظهر التوزيع غير العادل للحق في المستقبل. فالزمن ليس واحدًا لكل الطفلات: هناك من يُمنحن زمنًا طويلًا للنضج والتعلم وبناء الذات، وهناك من يُختصر زمنهن باسم الضرورة.
وهذا الاختصار لا يمكن فهمه كقرار عائلي معزول، بل كتعبير عن اقتصاد اجتماعي أعمق ينقل كلفة الفقر والهشاشة والوصم إلى جسد طفلة ومستقبلها. فالزواج، في هذه الحالة، لا يظهر فقط كاختيار أسري، بل كطريقة لإعادة توزيع العبء داخل علاقات غير متكافئة: عبء الفقر، وعبء الخوف من الوصم، وعبء غياب المدرسة القريبة، وعبء العزلة، وعبء المجال المهمش، وعبء ضعف الحماية الاجتماعية الفعلية. لذلك يصبح تزويج الطفلة، في بعض السياقات، جوابًا اجتماعيًا خاطئًا عن أسئلة كان ينبغي أن تجيب عنها السياسات العمومية: التعليم، والحماية، والعدالة المجالية، والدعم الاجتماعي، والولوج إلى الخدمات، وتمكين الأسر من بدائل حقيقية.
بهذا المعنى، لا يكشف تزويج الطفلات فقط عن بقاء مضمون قديم داخل نص جديد، بل يكشف عن قدرة النسق على إعادة تشغيل التحول داخل مناطق الهشاشة. فالنص يعلن حماية الطفولة، غير أن الاستثناء حين يمر عبر الفقر والنوع والمجال وضعف الولوج إلى العدالة، قد يسمح بإعادة إنتاج المنطق نفسه الذي يفترض أن الحماية جاءت لتجاوزه. وهنا لا يُمتص التحول بإلغائه صراحة، بل بتوزيع أثره توزيعًا غير عادل: طفولة تُحمى لأنها محاطة بشروط التعليم والمدينة والمعرفة والدعم، وطفولة تُفاوض حمايتها لأنها توجد في الهامش، حيث تتحول الضرورة إلى لغة، والفقر إلى حجة، والستر إلى مبرر، والزواج إلى حل بديل عن العدالة الاجتماعية.
لذلك فإن معالجة تزويج الطفلات لا يمكن أن تختزل في تحسين الصياغة القانونية وحدها، رغم أهمية الحسم المعياري، بل تقتضي مساءلة الشروط التي تجعل الاستثناء قابلًا للاستعمال ضد أكثر الفئات حاجة إلى الحماية. فحين تغيب العدالة المجالية، وحين تتفاوت شروط التعليم والنقل والخدمات والقرب من مؤسسات الإنصاف، لا يكون مبدأ حماية الطفولة واحدًا في أثره على الجميع. قد تبدو الحماية عامة في النص، لكنها تصبح انتقائية في الواقع، لأن من تملك الأسرة الداعمة، والمدرسة القريبة، والمعرفة، والقدرة على الاعتراض، تكون أقدر على الاستفادة من هذه الحماية، بينما تجد الطفلة الفقيرة والمهمشة نفسها أمام مسار تضيق فيه البدائل، فيغدو الاستثناء قدرًا اجتماعيًا مقننًا. وهنا بالضبط يظهر امتصاص التحول في أكثر صوره قسوة: حين يبقى المبدأ متقدمًا في الواجهة، بينما يستمر الاختلال في الهوامش، لا باعتباره خروجًا عن النص، بل كنتيجة لضعف شروط تحققه الفعلي.
والمنطق نفسه يظهر، وإن بصيغة مختلفة، في مسألة التعدد. فالتعدد لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية عدد الزوجات أو شروط الترخيص، بل من زاوية مبدأ المساواة وتوزيع السلطة داخل العلاقة الزوجية. إنه يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت العلاقة الزوجية شراكة متكافئة أم علاقة يحتفظ فيها أحد الطرفين بإمكان إعادة ترتيب الحياة الأسرية وفق شروط لا يملك الطرف الآخر القدرة نفسها على التحكم فيها. حتى حين يُقيَّد التعدد بمسطرة وشروط، فإن بقاء إمكانه ينتج أثراً رمزياً يتجاوز عدد الحالات التي يقع فيها فعلاً. فالمرأة لا تعيش فقط ما يحدث، بل تعيش أيضاً قابلية حدوثه. والإمكان ذاته، حين يكون قانونياً، يصبح جزءاً من ميزان القوة داخل العلاقة.
ومرة أخرى تظهر الحداثة الانتقائية. فكثير ممن يدافعون عن بقاء التعدد كإمكان لا يقبلونه، غالباً، كأفق مرغوب للنساء داخل دائرتهم العائلية المحمية. حين يتعلق الأمر بالابنة أو الأخت أو القريبة أو المرأة التي تنتمي إلى طبقة ذات رأسمال تعليمي واجتماعي، تصبح الكرامة والاختيار والاستقلال والحماية من الإهانة الرمزية عناصر مركزية. أما حين يتعلق الأمر بنساء أقل حماية، فقد يعاد تقديم التعدد بوصفه ضرورة أو تسوية أو حلاً. وهنا لا يكون التقليد عاماً بالقدر نفسه؛ إنه يُحمَّل غالباً لمن لا يملكن الموارد الكافية لرفضه. وهذه هي اللامساواة في تحمل كلفة التقليد: فالتقليد لا يضغط على جميع النساء بالدرجة نفسها، بل يثقل على الهشات أكثر، بينما تستطيع غالبا المحميات بالرأسمال العائلي والاقتصادي والثقافي أن يخرجن منه عملياً على الأقل، حتى لو بقي قائماً نظرياً.
إن بقاء إمكان التعدد، ولو ضمن شروط، يطرح سؤال الحماية القابلة للتعليق. فالحماية هنا ليست غائبة، لكنها ليست مطلقة. والمرأة في هذه الحالة تملك حقاً قابلاً لأن يدخل في تفاوض مع سلطة تقديرية ومع موازين قوة اجتماعية واقتصادية. فإذا كانت المرأة لا تملك مورداً مستقلاً، أو تخشى الطلاق، أو تخاف على الأبناء، أو تعرف أن المحيط سيحمّلها مسؤولية انهيار الأسرة، فإن “الاختيار” لا يكون حراً بالمعنى الكامل. فالموافقة، إن وجدت، لا تعني دائماً رضا متحرراً من الضغط، والصمت لا يعني قبولاً، والعلم بالشيء المقضي به سلفا لا يعني قدرة فعلية على الاعتراض. وهنا يصبح التعدد اختباراً لمفهوم الإرادة المقيدة بنيوياً: إرادة تبدو فردية في الشكل، لكنها مشروطة بالخوف والحاجة والسلطة العائلية وانعدام البدائل.
وبذلك يكشف تزويج الطفلات والتعدد أن بعض مقتضيات النص الحالي لم تكن محدودة لأنها غابت عنها لغة التحديث، بل لأنها أبقت على منافذ تسمح بإعادة إدخال المضمون القديم. فالاستثناء ليس مجرد حالة نادرة، بل قد يصبح قناة رمزية وعملية لإعادة تدوير القاعدة القديمة. والتقييد، رغم أهميته، لا يكفي إذا ظل القديم قادراً على “التنفس” داخله. وتأسيسا عليه، فإن الورش الحالي لتعديل مدونة الأسرة يكتسب معناه العميق من كونه محاولة لتقليص هذه المناطق التي يلتقي فيها النص الحديث بالمضمون القديم. إنه انتقال من التحديث المؤسس إلى تحصين التحول؛ أي إلى جعل المبدأ الإنصافي أكثر صلابة وأقل قابلية للتعليق أو إعادة التأويل.
ومن المهم التأكيد أن هذا التحصين لا يتحقق عبر النص وحده. فمدونة الأسرة، حتى في صيغتها الجديدة المنتظرة، ستظل بحاجة إلى شروط اجتماعية ومؤسساتية تجعل الحق قابلاً للتحقق. فالطفلة لا تُحمى فقط بمنع تزويجها، بل أيضاً بحماية مسارها التعليمي، وبسياسات اجتماعية تمنع تحويل الفقر إلى زواج مبكر، وبخطاب عام يعيد تعريف الطفولة باعتبارها مجالاً غير قابل للمساومة. والمرأة لا تُحمى فقط بتقييد التعدد أو إعادة النظر في شروطه، بل أيضاً بتقوية استقلالها الاقتصادي، وتيسير وصولها إلى المعلومة القانونية، وتقريب العدالة منها، وتخفيف كلفة المطالبة بحقوقها. فالنص العادل لا يكون عادلاً بما يعلنه فقط، بل بما يتيحه فعلاً لمن هن في الموقع الأضعف.
وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام مفهوم قابلية الحق للتحقق. فالحق لا يصبح مكتسبا بمجرد أن يكتب في النص؛ بل يصبح كذلك حين تتمكن المرأة بالفعل من التمتع به. وهناك فرق كبير بين حق معلن وحق قابل للتحقق. فالمرأة المتعلمة، المستقلة، المدعومة عائلياً، القريبة من المؤسسات، والقادرة على تحمل كلفة المسطرة، لا “تعيش” القانون بالطريقة نفسها التي” تعيشه” امرأة معوزة أو مهمشة أو خاضعة لضغط زوجي أو عائلي أو اجتماعي. ولذلك فإن الكونية القانونية للحق قد تتحول، في الواقع، إلى كونية انتقائية: الحق يشمل الجميع في النص، لكنه يصل إلى البعض أكثر من البعض الآخر. وهذه إحدى أكثر صور امتصاص التحول دقة، لأن القانون يبدو عاماً، بينما القدرة على استعماله تظل موزعة بشكل غير متساو.
وعند بلوغ هده المرحلة من التحليل، يتضح جليا أنه لا يمكن فصل مدونة الأسرة عن سؤال الولوج إلى العدالة. فالمرأة التي لا تعرف حقها، أو لا تستطيع الوصول إلى المحكمة، أو لا تملك مصاريف المسطرة، أو تخشى الانتقام أو الوصم، أو لا تملك وقت الانتظار، أو تعتمد اقتصادياً على الطرف الآخر، لا تستفيد من النص كما تستفيد منه امرأة ذات موقع و موارد. في هذه الحالة، لا يكون الحق غائباً، لكنه يصبح مكلفاً. والحماية لا تكون منعدمة، لكنها تصبح بعيدة المنال. والإنصاف لا يُرفض، لكنه يتطلب موارد لا تتوفر للجميع. وهكذا ينتقل مفهوم الامتصاص من النص إلى العتبة: عتبة العدالة نفسها. فالحق قد ينجو من الاستثناء، لكنه قد يتعثر عند عتبة الولوج إليه. وقد يصبح النص أكثر تقدماً، لكن النساء الأكثر هشاشة يظلن عاجزات عن تحويله إلى أثر.
وكل ما ذكر يفرض أن يُقرأ الورش الحالي لا فقط كتحيين للمواد، بل كجزء من سؤال أوسع حول العدالة الممكنة. فالتعديل المنتظر لا ينبغي في تقديري، أن يكتفي بإغلاق بعض منافذ الامتصاص داخل النص، بل ينبغي أن يستدعي أيضاً تفكيراً في المؤسسات والوسائل والآليات التي تجعل الحق قابلاً للاستعمال. فكل نص جديد، مهما بلغ من القوة، سيظل معرضاً للامتصاص إذا ظل الوصول إليه مكلفاً، وإذا ظلت المعرفة القانونية ضعيفة، وإذا ظلت النساء الهشات يواجهن القانون وحدهن في مواجهة الأسرة والزوج والمحيط والوصم والزمن القضائي. لذلك فإن تحصين التحول يتطلب نصاً أقوى، وممارسة قضائية أكثر حماية، ومرافقة اجتماعية أوضح، وسياسات عمومية تقلص الهشاشة التي تجعل الاستثناءات قابلة للتبرير.
وهنا تتضح مرة أخرى العلاقة بين الإرادة الإنصافية وامتصاص التحول. فالإرادة السياسية العليا التي دفعت في اتجاه مدونة الأسرة الأولى لم تكن حدثاً معزولاً، بل كانت لحظة فتح لمسار جديد. والورش الحالي ليس مجرد تعديل تقني، بل لحظة جديدة في هذا المسار، غايتها مواجهة ما كشفته التجربة من قدرة البنية على تقليص أثر النص. فإذا كان امتصاص التحول قد أثبت محدودية بعض مناطق النص الحالي، فإن الجواب يكمن في تعميقه وتحصينه. فكل تحول حقيقي يحتاج إلى طبقات متتابعة من الحماية: حماية القاعدة من الاستثناء، وحماية الحق من الكلفة، وحماية المرأة من الوصم، وحماية الطفلة من تحويل الهشاشة إلى زواج، وحماية العلاقة الزوجية من إمكانات تجعل الكرامة قابلة للتعليق.
إن التحليل الإبستمولوجي لمدونة الأسرة يقودنا، في النهاية، إلى سؤال المعرفة التي نبني بها القانون. هل نكتب القانون على أساس افتراض أن الأفراد يدخلون إليه متساوين في القدرة على استعماله؟ أم ننطلق من أن المجتمع غير متكافئ، وأن النص إذا لم يراع هذا التفاوت قد ينتج أثراً انتقائياً؟ هل نفهم الأسرة بوصفها وحدة ينبغي الحفاظ عليها بصرف النظر عن موازين القوة داخلها؟ أم نفهمها بوصفها مجالاً ينبغي أن يقوم على الكرامة والتكافؤ والمسؤولية المشتركة والمساواة والإنصاف والعدالة؟ هل نقرأ المصلحة من زاوية الاستقرارالشكلي بغض النظر عن تكلفته ومن يدفع ثمنها ؟ هل نعتبر الاستثناء مرونة ضرورية، أم نسائله باعتباره منفذاً قد يعيد القديم إلى قلب الجديد؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل النقاش حول مدونة الأسرة نقاشاً معرفياً لا قانونياً فقط.
ومن هنا، فإن تزويج الطفلات والتعدد لا يقدمان مجرد مثالين من بين أمثلة أخرى عديدة، على مقتضيات قابلة للمراجعة، بل يكشفان البنية العميقة لامتصاص التحول: القاعدة الحديثة تقر، لكن الاستثناء يعيد فتح الباب؛ الحماية تعلن، لكن الكلفة تحد من أثرها؛ الحداثة تُمنح، لكن توزيعها يبقى غير عادل؛ الحق يكتب، لكن استعماله يظل مشروطاً… ولذلك فإن النص الجديد المنتظر سيكون، في عمقه، اختباراً لقدرة المجتمع والمؤسسات على الانتقال من تحديث قانوني مهم في سياقه إلى تحصين أعمق للتحول، بحيث لا تبقى العدالة وعداً معلقاً، ولا الحماية امتيازاً انتقائياً، ولا الطفولة مجالاً للتقدير، ولا كرامة المرأة موضوعاً للمساومة.
وهكذا يمكن تلخيص الفكرة المركزية لهذا المقال في صيغة واحدة: مدونة الأسرة الأولى كانت تحولاً إيجابياً في سياقها، ومفهوم امتصاص التحول يفسر لماذا كشفت التجربة محدودية النص الحالي، أما الورش الملكي الراهن فهو السبيل المؤسسي لتقليص منافذ الامتصاص وتحويل المبدأ الإنصافي إلى أثر أكثر صلابة. فالتحول لا يكتمل بمجرد دخوله إلى النص، بل حين يصبح قادراً على مقاومة إعادة الترميز في الاستثناء والتأويل والتطبيق والولوج إلى العدالة. ولا تكون العدالة قانونية فقط حين تُعلن، بل حين تستطيع الحلقة الأضعف أن تستعملها دون أن تدفع ثمناً يفوق قدرتها، في أفق توزيع متكافئ داخل الأسرة والمجتمع ككل.
ومن هنا ينفتح المقال المقبل على سؤال الولوج إلى العدالة بوصفه الامتحان التالي لمفهوم امتصاص التحول: كيف يمكن لحق معلن في النص أن يبقى محدود الأثر حين لا تملك النساء شروط استعماله؟ وكيف تتحول الكلفة، والزمن، والخوف، والوصم، وضعف المعلومة، والهشاشة الاقتصادية، والضغط العائلي، إلى آليات ناعمة لامتصاص الحق بعد إقراره؟ وهل يكفي تحيين مدونة الأسرة، على ضرورته وأهميته، إذا لم يُستكمل بتفكيك كلفة الوصول إلى العدالة، وتقريب الحماية من النساء والفتيات اللواتي لا يملكن ترف الانتظار ولا القدرة على دفع ثمن المطالبة بحقوقهن؟
هنا ننتقل، في المقال المقبل، من سؤال النص القانوني إلى سؤال العدالة الممكنة: أي من الحق المعلن إلى الحق القابل للتحقق.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































