تأمّلات اللّمبة والمصباح الكهربائيّ .. حالم كلمات

10 يوليو 2026
   تأمّلات اللّمبة والمصباح الكهربائيّ .. حالم كلمات

   سعيد بوخليط

المغرب

يؤكّد غاستون باشلار باعتباره حالم كلمات بامتياز حقّا، أنّ الأسلاف تلفّظوا كلمة مصباح بكيفية تختلف عمّا تفعله وتبديه شفاه اليوم، ويسرد مثال لفظة لَمْبة التي صارت راهنا تثير الضّحك نتيجة افتقادها تلك الألفة التي منحت الأشياء طيلة أزمنة الماضي صفة التملّك: ”من بوسعه اليوم القول: مصباحي الكهربائيّ مثلما كان يقال فيما مضى: لُمْبَتي؟ آه! كيف بوسعنا الحلم أكثر، في خضمّ انحدار نعوت المِلْكِيَة، نعوت تخبرنا بكيفية قويّة عن رفقة نسجنا خيوطها مع أشيائنا؟ ”(1).

افتقد المصباح الكهربائيّ بشكل عام ينبوع تأمّلات شاردة أثارها دائما الجلوس أمام لَمْبة متوقّدة تبعث شعلة ضوء بفضل الزّيت، فالفعل الميكانيكيّ الجديد الذي يحدث الضّوء بواسطة فعل آليّ يقتصر على تدوير مفتاح، أضاع ذلك الكبرياء المشروع كفاعل لفعل أضاء. نقرة صغيرة تحدث تغيّرات معكوسة من فضاء أسود الى آخر مضيئ؛ واللّعب بكيفية لانهائية لعبتي نعم ولا. استساغة المعطى الميكانيكيّ تجعل الظّاهراتي يخسر زخم فعله، تتلاشى كثافة شعرية اللّحظة التي انطوت على أثر جليّ حينما كان المصباح إنسانيا جدّا.

تميّزت دائما بكونها حميمة وفي غاية العمق والثّراء صداقة الشّعراء مع الأشياء أو بالأحرى أشيائهم، مثلما نعيش رفقة هنري بوسكو أثناء استحضاره لذكريات طفولته، في خضم تآلف الذّكريات والرّؤى، فاستعاد ذكرى اللّمبة الوفيّة لعزلتنا المتأمِّلة والمبدعة:”أدركنا بسرعة، على نحو لايخلو من تأثّر، بكونها جسّدت هيئة شخص ما. طيلة اليوم، جرى الاعتقاد بأنّ اللّمبة مجرّد أداة تقدّم خدمة. يتراجع اليوم، نتسكّع داخل منزل منزوٍ، تسلّلت عتمة تتيح فقط إمكانية التنقّل مع تحسّس جدران المنزل، أخيرا نجد اللّمبة بعد بحث غير مجدي، ثمّ نعثر عليها في ركن نسيناها فيه.هكذا أمسكنا باللّمبة واحتجزناها، لكن حتّى قبل المبادرة إلى إضاءتها، فقد منحت الشّخص طمأنينة وحضورا مريحا، تهدِّئ من روعه، وتفكّر فيه”.(2)

تعمّق تأمّلات شاردة حول الذّكريات وشائج الرّفقة التي جمعتنا مع الأشياء الطيّبة والوفيّة. هكذا، نترقّب خلال كلّ مساء بشغف وتطلّع حلول نفس الموعد كي تهيّئ لنا اللّمبة صنيعها الإنساني الجميل، حيث نور الإضاءة واستعادة وقائع حميمة في خضمّ عزلة وجودية. يتسامى المصباح من مجرّد أداة مادّية يُستثمر لحاجات عملية مباشرة، إلىمرتبة كائن بشري حيّ: ”يدرك الحالم بأنّ هذا الكائن يعتبر خالقا. يكفي أن نعطيه ميزة، وتذكّر بأنّه مصباح جيّد ثم هاهو حيّ. يعيش في إطار ذكرى سكينة الماضي. يتذكّر الحالم هذا المصباح الإيجابيّ الذي يضيء بكيفية مناسبة للغاية. الفعل المتأمَّل: يضيء، يعضّد قيمة الكائن الذي يمنح الضّوء”.(3) يحلم المصباح حقّا ضمن وضعيته ككائن خلاّق.

يحاول باشلار ضمن سياق مقارباته لنمط هاته التأمّلات الشّاردة التي لم تعد موصولة بزمننا الحالي، التّبليغ عن حُلُمية مجهولة مفقودة صارت فقط أساسا مادّة للحكايات التاريخية.

المصباح ملاذ أخلاقي وروحي يجد معه شخص حزين كل معاني الأسى والعزاء والسلوان، مشاعر اختبرها فعليا البطل الرّؤيوي لرواية بوسكو المعنونة ب”ماليكروا” : ”كنتُ محتاجا إلى ملاذ، ولاأعرف سبب ذلك، بحثت عنه بين ثنايا شعلة نار هذا المصباح الصّغير. ينير مكاني على نحو ضئيل، مصباح عادي لم يتمخّط جيدا، وأحيانا يبدأ لَمَعانه مهدِّدا باحتمال توقّفه. مع ذلك يوجد هنا ويعيش. يحافظ على نور هادئ دينيا حتى لحظات وَهَنِ شعلته النّحيفة.إنّه كائن ناعم ودود، يحاورني خلال حزني، إشارة متواضعة من حياته كمصباح. يتغذّى غطاؤه الزّجاجي بقليل من الزّيت. زيت غنيّة تصعد إلى المصباح ثم تذيبها الشعلة في ضوئها. لكن أين ذهب الضّوء؟”(4).

ينبغي على الشّعراء والمبدعين حتّى يكتبوا نصوصا نوعية مختلفة، استلهام زمن المصابيح البليغ وإرهاف السّمع لحوار الصّمت مع المصباح مثلما أوضحت بعض المقاطع الشّعرية ل”ليون بول فارغ”،”أوكثافيو باث”،”روجي بروشير”، ”جورج رودينباخ” :”يبدع المصباح نشيده الخفيف، ناعما مثلما نصغي إليه وسط القوقعات”،”يتحدّث وهج المصباح الزَّيتي، يعظ، يتحاور مع نفسه. يخبرني بعدم قدوم أيّ شخص”، ”صمت محض يحدث رنينا في المصابيح”، ”مصباح صديق بنظرات بطيئة لنار هادئة”. ينتقل المصباح بالغرفة إلى أجواء السّعادة، يحرّض الحالم كي يراكم بسهولة صورا عدّة تتحدّث عن سمة القيمة الإنسانية للمصابيح. تمتلك هاته الصّور الجيّدة، امتياز البساطة.

كي يظهر باشلار بشكل أوضح معطيات القيمة النّفسية للمصباح، فقد استعاد ثانية مبدعه المفضّل هنري بوسكو الذي أهداه مضامين فصول كتابه لهيب شمعة، تحديدا روايته ”الهايسنت”الصّادرة سنة 1940 حيث مثّل المصباح اللّغز الأوّل لهذه الرّواية النّفسية الغامضة. المصباح كائن إنساني من الصّفحة الأولى، ورفيق الحالم، غير أنّه يعيش عبر سياق هذا النّص تشويشا وانزعاجا من وجود مصباح شخص ثان، ممّا يؤثّر بكيفية سلبية على الصّفاء الذّهني والسّكينة النّفسية الخالصة التي أرادها بطل هنري بوسكو وقد اختار أن يقيم في هضبة مهجورة، منزل فارغ، ثمّ حديقة مقفرّة، يحيطها جدار، لكن بغتة ولج المشهد، مصباح شخص ثان، بعيد وغير منتظر:”عبر ثقب نافذة ضيّقة في هذا الجدار، أرى بغتة مع حلول المساء، شعلة نور مصباح. كنت مستاء”(5). هكذا، تُطرح إشكالية مصباح الآخر: ”فالشّخص الذي أتى إلى الهضبة المهجورة باحثا عن العزلة، شعر بالانزعاج جرّاء لمعان مصباح شعلة على بعد خمسمائة ميترا من مكان إقامته. مصباح شخص ثان يشوِّش على عزلة بجوار مصباحه الشّخصي. بالتّالي هناك تنافس بين عزلتين. أريد أن أكون وحيدا أمتلك مصباحا دالاّ على مستوى العزلة. إذا كان المصباح المنعزل الماثل هناك يوفّر الاضاءة لأعمال منزلية، ومجرّد أداة، فإنّ حالم المصباح المتأمِّل كما الشّأن مع بوسكو لن يلاقي قط أي تحدٍّ أو معاناة.لكن تواجد مصباحي فيلسوفين داخل نفس القرية، يعتبر إفراطا، وإزعاجا”(6).

يشعر الحالم بالانزعاج والاضطراب، عندما لاحظ وجود مصباح شخص ثان يتعارض مع عالمه الذّاتي، وقد خلق تبعا لأفق الكوجيطو الحالم فضاء كون ينتمي إليه كليّا. اكتشف بأنّ الهضبة التي التجأ إليها بحثا عن العزلة، تعدّمكانا مُرَاقبا من طرف مصباح شخص ثان فأضحى دوره خبيثا يغتصب ويعكّر صفو عزلة حالم انقطع إلى أحلامه الشّاردة.  

  من جهة أخرى، يعتبر المصباح عنوانا كبيرا عن مدى مثابرة الحالم وسعيه الحثيث للاشتغال وفق سياق تذكُّره وتأمّله ونسج خيوط عوالم أحلامه: ”هل يعدّ سكينة أو حنينا أن نتذكّر غرفا صغيرة حيث كنّا نشتغل، وامتلكنا طاقة العمل بشكل أفضل. يحيل المكان الحقيقي للعمل منفردا، على غرفة صغيرة، ودائرة تلك البقعة المضاءة بمصباح”(7). نفس التّأويل أفصح عنه الشّاعر والرّسّام البلجيكي جون دوبشير بقوله:” توجد فقط غرفة ضيّقة تتيح مجالا للاشتغال”. يضيء المصباح أركان الغرفة تبعا لمنظور أبعاد طاولة العمل، ضمن ذكريات الماضي وعزلة الشجاعة. يعترف باشلار: ”كمْ أشتغل بشكل أفضل وعلى نحو جيّد، حينما أجدني بكيفية ما مع ”أولى” منحوتاتي.تتضاعف العزلة عندما تسود كلّ مساحة الورقة البيضاء الموجودة فوق طاولة يضيئها مصباح. ورقة بيضاء! تستدعي هذه الصّحراء الشّاسعة عبورها، غير أنّه سعي يستحيل تحقّقه”(8).

سكينة ليل، بيت مهجور، غرفة صغيرة، عزلة، شعلة مصباح خافت، ورقة بيضاء، ذكريات، تأمّلات شاردة،ثم مثابر حالم لايرغب فقط في القراءة والتّثقيف بل يتطلّع نحو الكتابة ومحاولة عبور صحراء الورقة البيضاء، حينها يبدأ وجودنا الحقيقي:” كمْ سيكون جيّدا، سخيّا أيضا نحو ذاتي، حينما أعيد كلّ شيء من جديد، ثمّ بدء حياة وأنا أكتب! أن تولد مع الكتابة، بفضل الكتابة، مثال نموذجي كبير بالنّسبة لكبار السّاهرين المنعزلين! بيد أنّه للكتابة ضمن نطاق عزلة وجودكَ، وتأتّى لك إلهام صفحة حياة بيضاء، أنت في حاجة إلى مغامرات الوعي، مغامرات العزلة. لكن هل بوسع الأخيرة وحدها تمكين الوعي من تنويع عزلته؟”(9). ولادات جديدة أمام صفحة بيضاء خلال أوج فتوة الوعي،خلف خطى فكر يشتغل.

سهرات الأماسي ليست مجّانية بتاتا، لكنّي أجلس عند طاولة وجودي بمحاذاة مصباح ينير فؤادي قبل كلّشيء، فأدرك الوجود ضمن أقصى حدوده، كي يمضي قُدُما صوب الأمام، وجهة الأعلى حتّى: ”أصير كائنا آخر بل أكثر من كائنبالتّالي، انطلاقا من هذا اللاّشيئ، والتأمّلات الشّاردة أعتقد بإمكانية إبداع كتب”(10) .

هوامش:

(1) Gaston Bachelard :la flamme d’une chandelle (1961)p :130    

(2)ibid p :133                                                                                          

(3) ibid p :135                                                                                         

(4) ibid p : 139                                                                                         

(5)ibid p :145                                                                                          

(6)ibid p :146                                                                                         

(7) ibid p :153                                                                                         

(8) ibid p :154                                                                                          

(9) ibid p :156                                                                                                   

(10) ibid p :158                                                                                                  

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com