سونيا الفرجاني، شاعرة تونسية: أبي لا يفقد ذاكرته ، إنّه يفقد الطريق إلى نفسه

10 يوليو 2026
سونيا الفرجاني، شاعرة تونسية: أبي لا يفقد ذاكرته ، إنّه يفقد الطريق إلى نفسه

أبي .. غدا أعيد لك الطريق يا حبيبي

سونيا الفرجاني

شاعرة من تونس

أحاط أبي منزلنا في جزيرة جربة الحالمة برصيف مريح يسمح للمارة بالجلوس عليه إذا تعبوا أو رغبوا في قسط من ظل أو نسيم. الرصيف شرقيّ بحريّ، بمعنى أنه يصير بعد منتصف النهار حينما ينكسر الظل مكانا ظليلا منعشا .

كثيرا ما انزعجت أمي من عدد الوافدين إليه تحت ظل الياسمينة أو ظلال الجهنمية الكبيرة، لكنني كنت على خلاف أهلي أنتظر الزوار الجدد يوما بيوم . 

حمل لي المكان مشاهد وأخبار كثيرة رسمت لي قصصا وحكايات عجيبة وفتحت لي أبواب خيال مشرعة. رأيت الجالس بكيس أدوية يستريح عليه كل عشية لمدة سنوات وكم أفتقده هذا العام وأطمح أن أعرف أخباره. بدى لي شيخا مهملا بلا أسرة ولا أولاد يهتمون بحزنه في أواخر عمره. 

رجل كان وسيما فيما أعتقد وترهلت حياته سريعا. أفتقد قصص العشق التي تابعتها من شباك الغرفة العلوية في أواخر الليل من اتصالات مطولة يستتر أصحابها خلف السور أو يجلسون براحة كلما ثبت طول المكالمة يتكلمون بأصوات خفيضة وأحيانا متشنجة أو يسعيدة تتخللها قهقهات أو همسات.

سمعت خلافات بين أزواج وأصدقاء وأطفال وسكارى وسمعت حوارات العائدين من صلاة الفجر.

سمعت الدراجات التي تفقد توازنها وتتهاوى وسمعت هدير المحركات التي تخذل أصحاب الدراجات النارية المنهكة كأصحابها.

سمعت دعوات نساء كثيرات بالخير لهذا الرجل الذي بنى الرصيف الفسيح لأقدامهن المنهكة وسيقانهن المتعبة وعظامهن الهشة.

سمعت أفكاري تسير مع أقدامهم المغادرة وأصواتهم الذاهبة إلى أن تغيب ولا يبقى منها غير صدى كلمات. رصيف أبي أهداكم شعرا كثيرا لو تعلمون وها أنني أفصح لكم عن سر جميل.

ترهّلت ذاكرة أبي قبل أوانها وصار ينسى الكثير ويتعثر في حياته وعلاقاته اليومية بأمور شتى وبالتفاصيل. ينسى أنه صلى وأنه أكل وأنه قال وأنه سأل وأنه ذهب وأنه عاد ويصر أنه لم يغادر بيته في ذلك اليوم رغم انه خرج مرات ومرات، وغيرها من اضطرابات بوصلة الوقت والأحداث.

منذ يومين سألني بحماس عن الشعر، قال لي: مازلت تكتبين الشعر ابنتي؟ مازلت تنشرين الكتب؟ وكرر السؤال اليوم ضممته لصدري بقوة وقبلت رأسه الصغير ووشوشت في أذنه التي تلتقط أفضل من الأخرى: نعم يا روحي أكتب وأنشر وكتابي الأخير صدر ببغداد وآخر قبله صدر بالقيروان مترجما وآخر حول رسائل ريما. 

قال: أحب أن أقرأها كلها انشرحت عيناه وأمسك وجهي بين كفيه الأسمرين وقال اكتبي دائما لا تتوقفي. اغرورقت عيناي وغصصت ببكاء مكتوم صعب كبته. كيف لذاكرة هاربة تحرمه من تذكر أبسط الأشياء أن تنصفه في الإحتفاظ بفكرة كون ابنته شاعرة وتكتب وتنشر؟ نسي أنه اشترى كتبي الأخيرة ودفع ثمنها ضعفين إنه يرفض بقوة غريبة أن أهديها له وهذا يقتلني لقد نسي أنه يتصفح منشوراتي بالمجلات ويحب نزوى والحركة الشعرية الصادرة بالمكسيك لكنه لا ينسى وإن نسي الأمور المتعلقة بكل هذا أنني شاعرة.

شعور غريب بين فرح وحزن مرير انتابني . 

سأكتب بابا لأنك طلبت مني هذا ولن أتوقف أبدا لأنني وعدتك بذلك. 

هل تفتخر أن ابنتك شاعرة يا حبيبي؟

يصحو أبي وينام من دون أن يعرف الفرق بين الصباح والظهيرة وأواخر النهار.

يداهمه الليل فتتحرك في رأسه الصغير ساعة بيولوجية تنبهه للنوم ولكن في وقت متأخر لم يكن متعودا عليه. ضياع أبي الزمني يقطع اوصال قلبي، يشعرني بالخوف والعجز. لا يعرف في أي شهر نحن ولا في أي يوم ولا في أية سنة . تمر الأيام عليه بلا هدف، يقضي أغلبها صامتًا، أو متحدثًا بكلمات قليلة، غالبًا ما لا تكون لها بداية ولا معنى وتنتهي بابتسامته الحبيبة التي لا تفارقه.

أواكب معه أجزاء من يومه الطويل بما أستطيع فأصاب بخدوش لاتشفى. أبي بيت ينهار ببطء. لا أقصد جدارا يسقط دفعة واحدة، لكن كل شيء يميل قليلًا كل يوم وتميل معه حياتي.

أبي لا يفقد ذاكرته ، فجميعنا متعثرون بين الحاضر والماضي، إنه يفقد الطريق إلى نفسه وهذا يكفي لأتداعى في كل مسافة عودة من بيته إلى بيتي. صار غريبًا عن عمرٍ عاشه، وعن أسماءٍ عشق يوما صياغتها ونطقها، وعن وجوهٍ أنفق قلبه عليها. أجلس إلى جواره، فأشعر أنني أنا من أتيه. أبحث في عينيه عن الرجل الذي ربّاني، فيحدّق إليّ بمحبةٍ قديمة، مازالت تعرف اسمي ولاتخيب في إغداق الإبتسام والإحتضان وتقبيل العينين والخدين.

أقسى ما في المرض أنه لا يقتل الإنسان دفعةً واحدة، بل يأخذه من أحبّته قطعةً بعد قطعة، ويتركهم كل مساء يجمعون فتات أبيهم ولا يستطيعون إعادته إليه. عندما ينسى أنه شرب القهوة وينظر في عيني ويطلب حصته منها كطفل جائع أو حزين، يتهشم في داخلي يومي بأكمله وأعرف أن مجرد الإتيان بقهوة أخرى لن يكفي ليطمئن قلبي.

في غرفتي ليلا، قبل النعاس، أجلد نفسي ألف جلدة. لو أني بقيت ساعة أخرى لمنحته فرحا أكثر وشعورا بالإكتفاء. غدا سأعود يا أبي ونخرج للسوق، ونشتري مثلجات وقهوة واثنتين وثلاثا.

غدا سأسابق الشمس وأصل إليك قبل أن تصحو وتبحث عن قبعتك ونظاراتك وعن خطواتك نسيتها في خطواتنا جميعا.

غدا أعيد لك الطريق يا حبيبي . وصحوت…. ها أنا قادمة بابا.

النّص خاص لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com