مقترح القانون يوقع إسبانيا في إشكالية قانونية خطيرة
د. مشيج القرقري
باحث مغربي في السياسات العمومية والعلاقات الدولية
من المنتظر أن يصادق البرلمان الإسباني، يوم 23 تموز/ يوليو2026، على مقترح قانون يتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية، وهو المقترح الذي قدمته المجموعة البرلمانية متعددة القوميات (سومار) تحت رقم 122/000072 بتاريخ 12 آذار/ مارس 2024.
وقد تجاوز المشروع مرحلة تشريعية مهمة في أواخر حزيران/ يونيو 2026، وهو يتجه نحو استكمال إجراءات المصادقة النهائية إذا حصل على الأغلبية المطلوبة بدعم من الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، واليسار الراديكالي، وعدد من الأحزاب القومية والجهوية.
ويقترح النص تمكين الأشخاص الذين ولدوا في الصحراء الغربية قبل 26 شباط/ فبراير 1976، واستوفوا شروط الإثبات المطلوبة، من تقديم طلب للحصول على الجنسية الإسبانية خلال مدة محددة بعد دخول القانون حيز التنفيذ.
كيف وصل القانون إلى هذه المرحلة التشريعية المتقدمة؟
من المؤكد أن تدهور الوضع السياسي في إسبانيا، وضعف التحالف الحكومي، إضافة إلى المتابعات القضائية المفتوحة في حق عدد من قيادات الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، والأحكام الصادرة بالسجن في حق بعضهم، إلى جانب تزايد المطالبة بانتخابات مبكرة، وعجز الحكومة عن تمرير ميزانية الدولة، وتراجع شعبية رئيس الحكومة في استطلاعات الرأي… كلها عوامل جعلت الحزب الاشتراكي يخضع لضغوط اليسار الراديكالي (سومار وبوديموس) للانخراط في مسار تشريعي ظل يرفضه منذ بداية الولاية الحكومية.
ويعتبر هذا اليسار أن المقترح يمثل انتصارا لقضية ذات حمولة إيديولوجية، في حين يرى آخرون أنه امتداد لإرث الحقبة الفرنكاوية ومن مخلفات الاستعمار، وكان من المفترض تجاوزها بدل العزف على أوتارها.
تناقض أيديولوجي صارخ في ديباجة المقترح
بالعودة إلى مقدمة مقترح القانون، نلاحظ تناقضا واضحا بين هوية وإيديولوجية اليسار، الذي يدين الاستعمار في مختلف أدبياته، وبين استناده إلى إرث استعماري مرفوض يبدأ من مؤتمر برلين، مرورا بإسبانيا الفرنكاوية وحلمها الإمبراطوري فيما وراء البحار، وصولًا إلى الحنين لخروجها من الصحراء.
مقترح القانون يوقع إسبانيا في إشكالية قانونية خطيرة
تنص المادة الأولى من مقترح القانون على إمكانية قبول شهادة ميلاد صادرة عن السلطات الموجودة في مخيمات تندوف، ومصدق عليها من طرف ممثلية جبهة البوليساريو في إسبانيا، باعتبارها وثيقة إثبات لتقديم طلب الحصول على الجنسية. وهو ما يمكن اعتباره اعترافا بوثائق صادرة عن جهة لا تتمتع، في نظر منتقدي المقترح، بالصفة القانونية أو الاختصاص الرسمي لإصدار وثائق مدنية معترف بها.
ومع ذلك، تثير هذه النقطة إشكاليات قانونية مهمة:
1.اتفاقية لاهاي المؤرخة في 5 تشرين الأول / أكتوبر 1961 تنص في مادتها الأولى على أن الاتفاقية تطبق على الوثائق الرسمية الصادرة في إقليم إحدى الدول المتعاقدة، والتي يراد تقديمها في إقليم دولة متعاقدة أخرى. وبما أن جبهة البوليساريو ليست دولة طرفا في الاتفاقية، فإن مسألة الإعفاء من التصديق (الأبوستيل) تثير تساؤلات قانونية.
يقوم نظام الاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، في الأصل، على وجود علاقات قانونية بين الدول. وإسبانيا لا تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ولا توجد بين الطرفين علاقات دبلوماسية، مما يجعل الوضع القانوني للوثائق محل نقاش، خاصة أن جبهة البوليساريو تتمتع بوضع قانوني ملتبس داخل التراب الإسباني.
وبذلك، يضع المقترح إسبانيا، المعروفة بصرامة منظومتها القانونية، أمام إشكالات قد تثير نقاشًا قانونيا واسعا، وربما تفتح الباب أمام سوابق جديدة.
أخطاء إسبانيا التاريخية المتكررة
يرصد عدد من المؤرخين الإسبان أخطاء تاريخية لا تزال تؤثر في موقع إسبانيا الدولي وفي الذاكرة الجماعية، من طرد يهود السفارديم، واضطهاد المورسكيين، والخروج من كوبا، والاعتماد الاقتصادي المفرط على المستعمرات، وصولًا إلى الصراعات الداخلية التي مهدت لانتصار فرانكو في الحرب الأهلية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن قانونا يهدف إلى منح الجنسية لأشخاص يقيمون في قارة أو دولة أخرى قد يشكل، في نظرهم، خطأ تاريخيًا جديدا، خاصة مع الحديث عن إمكانية استفادة ما يقارب 200 ألف شخص من داخل الصحراء المغربية، ومخيمات تندوف، والشتات.
ويطرحون تساؤلات من قبيل: هل كانت إسبانيا ستقبل بتجنيس فرنسا لسكان إقليم الباسك المطالبين بالاستقلال؟ أو هل ستسمح للولايات المتحدة الأمريكية بتجنيس سكان منطقة روتا الأندلسية المحيطة بقاعدتها العسكرية؟ ويرون أن الجواب واضح.
قانون مرفوض من كل الأطراف
يرى معارضو المشروع أن الاعتقاد بأن تجنيس بعض المغاربة قد يشكل ورقة ضغط على المغرب لا ينسجم مع طبيعة الهوية الوطنية المغربية، حيث يظل ارتباط ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم وعرشهم قويًا.
كما يعتبرون أن المتضرر الأكبر قد يكون دعاة الانفصال أنفسهم، إذا حصل آلاف الصحراويين على وثائق تسهل التنقل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا، وهو ما قد يؤدي، بحسب هذا الرأي، إلى إضعاف المشروع الانفصالي كأداة سياسية.
يمثل مقترح قانون التجنيس الإسباني للصحراويين، في نظر منتقديه، أكثر من مجرد إجراء إداري؛ فهو يعكس أزمة هوية داخل الدولة الإسبانية، وتنازلا إيديولوجيا مقابل مكاسب برلمانية ظرفية.
كما يرون أنه يتناقض مع المبادئ التي يرفعها اليسار، ويثير إشكالات قانونية، وقد يكرس أخطاء تاريخية بدل تصحيحها.
و الواقع ، أن هذا القانون، لو تمت المصادقة عليه، لن يسهم في حل النزاع المفتعل في الصحراء، بل قد يزيده تعقيدا، في حين سيظل المغرب متمسكا بوحدته الترابية وهويته الوطنية، بينما سيجد دعاة الانفصال أنفسهم أمام واقع سياسي و مجتمعي جديد (قيادةصحراوية و مواطنون إسبان) ، و ليصبح الثوار بدون قضية.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































