صناعة العدو في الإعلام الرقمي

12 يوليو 2026
صناعة العدو في الإعلام الرقمي


المغرب وظاهرة الكراهية في بعض الدول العربية والإفريقية -بين التنافس الجيوسياسي وصناعة العدو في الإعلام الرقمي-

بقلم د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

مقدمة

لم يعد حضور المغرب في المجالين العربي والإفريقي يقتصر على أدواره التقليدية في الدبلوماسية أو الاقتصاد أو التعاون جنوب-جنوب، بل أصبح فاعلاً إقليمياً يمتلك أدوات متعددة للتأثير، تمتد من السياسة الخارجية إلى الاستثمار، ومن الأمن إلى الثقافة والرياضة والدين. وقد أفرز هذا التحول مكانة جديدة للمغرب في محيطه، لكنها أفرزت في المقابل ردود فعل متباينة، من بينها تصاعد خطابات عدائية في بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي وبعض الخطابات السياسية في عدد محدود من الدول.

ولا يعني ذلك وجود موقف عدائي لدى الشعوب العربية أو الإفريقية تجاه المغرب، إذ إن العلاقات التاريخية والإنسانية والثقافية بين المغاربة ومعظم هذه الشعوب ظلت في مجملها قائمة على الاحترام والتفاعل والتعاون. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن ظاهرة تستحق الدراسة، تتمثل في توظيف بعض وسائل الإعلام والفضاءات الرقمية لإنتاج صورة سلبية عن المغرب، وتحويله إلى “خصم” أو “عدو” في سياقات سياسية أو رياضية أو دبلوماسية.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا أصبح المغرب موضوعاً متكرراً لخطابات الكراهية في بعض البيئات الإعلامية والسياسية؟ وهل يتعلق الأمر برفض حقيقي لدور المغرب، أم أن الأمر يدخل في إطار تنافسات إقليمية تُستثمر فيها وسائل الإعلام والفضاء الرقمي لإعادة تشكيل الرأي العام؟

أولاً: من الاختلاف السياسي إلى صناعة الكراهية: 

التمييز بين الخلاف السياسي وخطاب الكراهية يعد شرطاً أساسياً لفهم الظاهرة. فالاختلاف في المواقف بين الدول أمر طبيعي في العلاقات الدولية، أما تحويل هذا الاختلاف إلى خطاب يقوم على التشويه والتحريض ونزع الشرعية الأخلاقية عن الآخر، فهو انتقال من السياسة إلى صناعة العداء.

وفي هذا السياق، تلجأ بعض النخب السياسية والإعلامية إلى بناء “العدو الخارجي” باعتباره أداة لتوحيد الجبهة الداخلية أو صرف الأنظار عن أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية. وهنا لا يكون المغرب هو المشكلة في حد ذاته، بل يصبح موضوعاً يُستثمر ضمن سرديات سياسية وإعلامية أوسع.

لقد بيّنت دراسات في علم السياسة والإعلام أن الأنظمة أو الفاعلين الذين يعانون من أزمات داخلية قد يجدون في تضخيم الصراعات الخارجية وسيلة لإعادة تعبئة الرأي العام. ومن ثم، فإن الخطاب العدائي لا يعكس بالضرورة حقيقة العلاقات بين الشعوب، بقدر ما يعكس رهانات السلطة والمنافسة الإقليمية.

ثانياً: لماذا المغرب تحديداً؟

منذ مطلع الألفية الثالثة، راكم المغرب مجموعة من عناصر القوة جعلته يحظى بحضور متزايد في القارة الإفريقية والعالم العربي. فقد تبنى سياسة إفريقية نشطة، وعاد إلى الاتحاد الإفريقي، ووسع استثماراته في قطاعات الأبناك والاتصالات والطاقة والفلاحة، كما عزز حضوره في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.

وعلى المستوى الدبلوماسي، شهدت قضية الصحراء المغربية تحولات مهمة تمثلت في اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح عدد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، فضلاً عن تنامي الاعتراف الدولي بوجاهة المقاربة المغربية.

أما على مستوى القوة الناعمة، فقد استطاع المغرب أن يعزز حضوره من خلال المؤسسات الدينية، والتكوين، والجامعات، والثقافة، والرياضة، والسياحة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الإنجازات الرياضية الأخيرة، التي رفعت من صورته لدى الرأي العام العالمي.

هذا الصعود الطبيعي لدولة إقليمية لا يمر دائماً دون ردود فعل، إذ غالباً ما يولد النجاح منافسة، وقد تتحول المنافسة في بعض السياقات إلى حملات إعلامية أو خطابية تسعى إلى التقليل من هذا النجاح أو التشكيك فيه أو إعادة تأويله بصورة سلبية.

ثالثاً: الإعلام الرقمي وإعادة إنتاج الصور النمطية:

غيّرت الثورة الرقمية طبيعة الصراعات السياسية. فلم تعد المعارك تدار فقط عبر الدبلوماسية أو المؤسسات الرسمية، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً موازياً للتأثير وصناعة الرأي العام.

وفي هذا الفضاء، تنتشر الأخبار المضللة، والمقاطع المجتزأة، والحسابات الوهمية، وحملات الوسوم المنظمة، التي قد تجعل من حدث رياضي أو تصريح سياسي مادة لإنتاج خطاب تعبوي يتجاوز الوقائع نفسها.

وتتميز هذه الحملات بعدة خصائص، من أبرزها:

1- الانتقائية في عرض المعلومات.

2- توظيف العاطفة بدل الوقائع.

3- إعادة تدوير الصور النمطية.

4- تضخيم الأحداث الصغيرة وتحويلها إلى أزمات.

5- الربط بين كل نجاح مغربي ونظرية مؤامرة أو مشروع هيمنة.

إن هذه الآليات لا تستهدف المغرب وحده، بل أصبحت جزءاً من ظاهرة عالمية مرتبطة بحروب المعلومات والاستقطاب الرقمي، غير أن المغرب وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة ضمن الدول التي تتعرض بشكل متكرر لهذا النوع من الحملات، بالنظر إلى موقعه الإقليمي وتزايد حضوره الدبلوماسي والاقتصادي.

رابعاً: الجيوسياسة وإعادة تشكيل صورة المغرب في المجالين العربي والإفريقي: 

لا يمكن فهم بعض الخطابات العدائية تجاه المغرب بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة. فالدول لا تتنافس فقط على الحدود أو الموارد، وإنما أيضاً على النفوذ، والشرعية الإقليمية، والقدرة على التأثير في الرأي العام.

خلال العقدين الأخيرين، انتقل المغرب من سياسة خارجية يغلب عليها الطابع الدفاعي إلى سياسة أكثر مبادرة، تقوم على تنويع الشراكات، والانفتاح على إفريقيا، وتعزيز حضوره في القضايا الإقليمية والدولية. وقد أتاح له هذا التوجه تحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية مهمة، لكنه وضعه أيضاً في قلب تنافسات إقليمية متزايدة.

وفي العلاقات الدولية، غالباً ما يؤدي صعود قوة إقليمية إلى إثارة مخاوف أو حساسيات لدى بعض الفاعلين الذين ينظرون إلى هذا الصعود باعتباره تهديداً لمكانتهم أو لنفوذهم. ومن هنا، قد تتحول المنافسة السياسية المشروعة إلى معارك إعلامية ورمزية تستهدف صورة الدولة أكثر مما تستهدف سياساتها.

إن صورة الدولة أصبحت اليوم جزءاً من عناصر القوة. ولذلك فإن استهداف السمعة الدولية لأي بلد قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من استهداف مصالحه المباشرة.

خامساً: من الإعلام التقليدي إلى الجيوش الإلكترونية: 

شهد الإعلام العربي والإفريقي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة. فلم تعد القنوات التلفزيونية والصحف وحدها تصنع الرأي العام، بل أصبحت المنصات الرقمية، والحسابات المؤثرة، والجيوش الإلكترونية، فاعلاً رئيسياً في تشكيل التصورات الجماعية.

وفي هذا السياق، يمكن رصد عدد من الآليات التي تُستعمل في بعض الحملات الموجهة ضد المغرب:

1- تضخيم الأخطاء الفردية وتحويلها إلى خصائص عامة.

2- اجتزاء التصريحات الرسمية من سياقها.

3- إعادة تدوير أخبار قديمة وإعادة تقديمها باعتبارها أحداثاً جديدة.

4- استثمار الأحداث الرياضية لإذكاء التوتر السياسي.

5- إنتاج محتوى عاطفي سريع الانتشار يعتمد على الإثارة أكثر من اعتماده على الوقائع.

وتشير دراسات الاتصال السياسي إلى أن المحتوى الذي يثير الغضب أو الصدمة يحظى بانتشار أكبر على المنصات الرقمية، وهو ما يجعل بعض الفاعلين يفضلون الخطابات الاستفزازية لأنها تحقق تفاعلاً واسعاً، حتى وإن كانت تفتقر إلى الدقة أو التوازن.

سادساً: الرياضة… عندما تتحول المنافسة إلى صراع رمزي: 

أصبحت الرياضة إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدول. ومع النجاحات التي حققتها الرياضة المغربية في السنوات الأخيرة، ولا سيما كرة القدم، ارتفعت مكانة المغرب في الوعي الرياضي العالمي. غير أن هذه النجاحات رافقها أحياناً توظيف سياسي وإعلامي في بعض السياقات، حيث تحولت مباريات كرة القدم إلى مناسبات لإعادة إنتاج خلافات سياسية أو إقليمية، وأصبحت بعض المنابر تتعامل مع النتائج الرياضية باعتبارها انتصاراً أو هزيمة لمشاريع سياسية، لا مجرد منافسات رياضية. وهذا النمط من الخطاب يضر بالرياضة نفسها، لأنه ينقلها من فضاء التنافس الشريف إلى فضاء الاستقطاب، ويؤثر في العلاقات بين الجماهير التي تجمعها في الأصل روابط ثقافية وإنسانية تتجاوز نتائج المباريات.

سابعاً: هل تعكس هذه الخطابات موقف الشعوب؟: 

في هذا السياق، من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:

1- مواقف الحكومات وسياساتها الخارجية.

2- الخطاب الذي تنتجه بعض وسائل الإعلام أو النخب السياسية.

3- مواقف الشعوب في حياتها اليومية.

فالخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة. فالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين المغاربة وعدد كبير من الشعوب العربية والإفريقية ما تزال قائمة على التعاون والتقدير المتبادل، كما أن ملايين المواطنين يتبادلون الدراسة والعمل والسياحة والاستثمار دون أن تعكس حياتهم اليومية الصورة المتوترة التي تقدمها بعض المنابر الإعلامية. ومن ثم، فإن تعميم خطاب الكراهية على شعوب بأكملها لا يستند إلى أساس علمي، بل قد يسهم هو نفسه في تغذية منطق الاستقطاب الذي يسعى المقال إلى تفكيكه.

ثامناً: كيف يمكن للمغرب أن يواجه هذه الظاهرة؟: 

إن مواجهة حملات التشويه لا تكون بخطابات مضادة تقوم على الكراهية أو التعميم، وإنما ببناء استراتيجية شاملة تعتمد على:

1- تعزيز الدبلوماسية العامة والثقافية.

2- الاستثمار في الإعلام الدولي متعدد اللغات.

3- دعم مراكز البحث المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي والرأي العام.

4- تطوير آليات الرصد العلمي للمعلومات المضللة وحملات التأثير الرقمي.

5- تشجيع التعاون الأكاديمي والثقافي مع الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية والإفريقية.

6- ترسيخ خطاب يقوم على الثقة بالنفس، واحترام الشعوب، والتمييز بين الخلافات السياسية والعلاقات الإنسانية.

ان القوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية أو عسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على صورة متوازنة، وبناء جسور الحوار حتى في أوقات الخلاف.

خاتمة: من حروب الحدود إلى حروب السرديات… أي موقع للمغرب، رؤية استشرافية؟

إذا كانت الحروب التقليدية في القرن العشرين قد دارت حول السيطرة على الأرض والثروات، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقالاً متسارعاً نحو ما يمكن تسميته حروب السرديات؛ أي الصراع حول الصورة، والرمزية، والقدرة على التأثير في الوعي الجماعي. ولم تعد الدولة تُقاس فقط بحدودها أو بقدراتها العسكرية والاقتصادية، بل أيضاً بمكانتها في المخيال الإقليمي والدولي، وبقدرتها على إنتاج رواية مقنعة عن ذاتها وعن دورها.

في هذا السياق، يمكن فهم جانب من الخطابات العدائية التي تستهدف المغرب بوصفها جزءاً من تنافس على المكانة والنفوذ أكثر من كونها تعبيراً عن رفض شعبي واسع. فكلما تعاظم حضور دولة في محيطها، ازدادت محاولات إعادة تعريفها أو التشكيك في أدوارها من قبل بعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين. وهذا لا يخص المغرب وحده، بل هو نمط عرفته دول عديدة شهدت صعوداً إقليمياً أو دولياً. غير أن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المغرب هو الانجرار إلى منطق الكراهية المضادة أو تعميم الأحكام على شعوب عربية وإفريقية تجمعه بها روابط التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة والمصالح المشتركة. فالمعركة الحقيقية ليست مع الشعوب، وإنما مع خطابات التحريض والتضليل التي قد تصنعها حسابات سياسية أو إعلامية أو رقمية.

ومن هنا، فإن الرهان الاستراتيجي للمغرب ينبغي أن يقوم على الانتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية السردية؛ أي امتلاك القدرة على تقديم روايته للعالم بلغة المعرفة والبيانات والثقافة والإبداع والإعلام المهني. فالقوة الناعمة لم تعد ترفاً، بل أصبحت أحد أهم مقومات الأمن القومي في عصر الثورة الرقمية. 

كما أن الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام الوطنية مطالبة بالقيام بدور أكثر فاعلية في تحليل الخطابات المتداولة، ورصد حملات التضليل، وإنتاج معرفة علمية تساعد صانع القرار والرأي العام على التمييز بين النقد المشروع والدعاية السياسية، وبين الاختلاف الطبيعي وخطاب الكراهية.

إن مستقبل المغرب في محيطه العربي والإفريقي لن تحدده فقط قدرته على تحقيق الإنجازات الاقتصادية والدبلوماسية، وإنما أيضاً قدرته على بناء الثقة، وتعزيز التعاون، وإنتاج خطاب عقلاني يرفض الاستقطاب ويحافظ على جسور التواصل مع الشعوب. فالدول الصاعدة لا تنتصر فقط بما تنجزه، بل كذلك بالطريقة التي تدير بها نجاحها، وبقدرتها على تحويل التنافس إلى شراكات، والخلاف إلى حوار، والصورة النمطية إلى معرفة متبادلة.

وفي عالم تتسارع فيه حروب المعلومات، يصبح الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والإعلام الرصين، والدبلوماسية الثقافية، خياراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد أو البنية التحتية. فالمغرب، وهو يعزز حضوره الإقليمي والدولي، مدعو إلى أن يجعل من الاعتدال والاحترام المتبادل والانفتاح على الشعوب ركيزة ثابتة لسياسته الخارجية، لأن الشرعية الأخلاقية في العلاقات الدولية أصبحت، أكثر من أي وقت مضى، أحد أهم مصادر القوة والاستدامة.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com