حفّار القبور .. سعيد بوخليط

16 يوليو 2026
    حفّار القبور .. سعيد بوخليط

   سعيد بوخليط   

 

كاتب من المغرب              

عبّاس أو العبسي مثلما جرى تداول لقبه على لسان الأصدقاء، حفّار قبور من نوع خاص صادفتُه خلال حقبة من حياتي، ولم يسبق أن اقتربت قبل معرفتي به من عالم حفّاري القبور، أو جمعتني صداقة أو قرابة بشكل من الأشكال مع أشخاص يمتهنون هذه الحرفة.

كنت أعاين عن قرب مايفعلونه لحظات تواجدي داخل مقبرة حين مواكبة مراسيم دفن ميّت. ألاحظ كيفية ولوجهم وسط القبور وتحديدهم نوعية أبنيتها بملامح عادية وباردة دون تغيّر يذكر أثناء إغلاقهم فجوات القبور ومواراة الأموات الثرى، مع أنّها لحظة مهيبة للغاية بل أحيانا يتجادلون فيما بينهم بكيفية أقرب إلى الشِّجار بخصوص التّوافق على ألفبائيات العملية.

كيف يتمثّل هؤلاء الموت باعتبارها مصدر عيشهم؟ كلّما ارتفع عدد أموات اليوم الواحد، زاد دخلهم، بالتّالي لم تعد مصيبة بل مهنة مربحة في المقابل تبعث الحياة. انتمى العبسي إلى هذه الجماعة مجسِّدا بامتياز شتّى تناقضاتها مع بصمته الخاصّة، فترة سياق معرفته به أوائل التّسعينيات.

حفّار قبور غير عادي، شخصية مركَّبة، امتلك قدرة غير عادية على توظيف تناقضاته الذّاتية بهدف استثمار مختلف فرص اليومي لصالحه وعلى طريقته، ممّا جعله يرتقي من مجرّد صبيّ يكابد مختلف أنواع الفاقة والعوز، هاجر رفقة أسرته من الضّواحي إلى مراكش، ثمّ غادر فصول الدّراسة بعد فترة قصيرة، مستسلما إلى أحضان الشّارع كي يمارس أيّ شيء يدرّ دريهمات.

بدأ بتفريغ صناديق سوق الخضر والفواكه الذي شغل آنذاك مساحة واسعة من حيّ باب دكالة التّاريخي الشّهير؛على مقربة من محطّة المسافرين،وأحيانا بائعا للأكياس البلاستيكية داخل السّوق نفسه خلال حالات وهن الجسم ربّما تعفيه لأيّام من مشقّة حمل تلك الصّناديق الثّقيلة، أو البيض المسلوق متنقّلا صعودا وهبوطا بين حافلات المحطة، وبين الفينة والأخرى السّجائر الرّخيصة بالتّقسيط الرّائجة آنذاك رغم مخاطر الإمساك من طرف رجال الشّرطة، أخيرا انتهى به المطاف باقتراح من أحدهم كي يجد ضالّته المتوخّاة في المقبرة المجاورة للحيّ كمساعد تقني متدرّب في حفر القبور، بعد أن استمرّ عاطلا لفترة  نتيجة المشاكل المترتّبة عن بيع السّجائر.

بدا له الأمر من الوهلة الأولى بعيدا عن مجال اهتمامه رغم ترسّخ ألفته بفضاء المقبرة المتواجدة على بعد خطوات معدودة من منزله، غير أنّه لم تخطر بباله قط إمكانية مشاركته في وضع الأموات وسط حفرة إلى مصدر دخل مادّي يوفّر له متطلّبات العيش. صحيح، هي مقبرة حيّة وليست مهجورة، تقع عند مركز المدينة، بالتّالي قدلايمضي يوم واحد دون أن يعرف فضاؤها المترامي الأطراف زائرا أو زوّارا من الأموات.

بناء عليه،فالدّخل مضمون لاسيما وأنّ المقبرة شكّلت أيضا مزارا ومدفنا لأفراد الأسر الثريّة التي تبدي سخاء نحو الفقراء في مثل هذه المواقف، كما أنّ الطّبيعة الرّوحية والدّينية لطقوس الدّفن تتجاوز كلّ ربح مادّي،تتيح له باستمرار تأمّل رحلة الموت والانتهاء من لعبة الحياة العبثية، كما اقتنع العبسي بعد جلسة مع أحد الحفّارين القدامى الذي خبر المجال طويلا، وقد تقاعد حاليا يقضي ماتبقّى له في لعب الضّامة والورق،متباريا طيلة اليوم رفقة جماعة من أقرانه على رهانات الرّبح والخسارة،واحتساء قوارير المشروبات الغازية أو كؤوس حليب نيّئ محلّى بشراب أحمر رمّاني أكثر من الأخضر المنعنع،الذي شكّل مشروبا أساسيا للاحتفال بالانتصارات خلال تلك الحقبة ؛بل وتجري بطولات كروية أقرب إلى معارك حربية حامية الوطيس سعيا للضّفر مجّانا بأكوابه الحلوة.   

بدأ العبسي يكتسب مبادئ الحرفة الجديدة واستيعابه خبايا عالم المقبرة، مما يضمن له موطئ قدم آمن داخلها تمكّنه من سبيل نحو لقمة العيش يخلّصه من مجازفات يومياته السّابقة لاسيما بيع السّجائر. لن يطارده قط أحد في المقبرة، يكفيه إظهار قدرة وخبرة على استعمال أداتي الفأس والمجرفة، وردّ التّراب فوق قطع الحجر التي تشكّل سقف القبر بكيفية مقبّبة، ثمّ يزداد الدّخل عندما يطلب أهل الميّت الارتقاء بالقبر التّرابي من شكله البدائيّ الأوّل إلى تجويف إسمنتي حديث مع شاهدة رخامية. يمنح هذا القبر في نظرهم وضعا مميَّزا حسب التّقدير المجتمعي كما يخلِّد وجود الميّت مهما التغيّرات الجغرافية التي يمكن أن يشهدها تاريخ هندسة المقبرة.

بعد انقضاء فترة ليست طويلة، صار العبسي المعلم الأول بخصوص مختلف مايجري، نتيجة اكتسابه المهارات المطلوبة ثمّ تقاعد فريق الشيوخ بحكم السنّ ومستجدّات حياتية أخرى شخصية. اختزلت المقبرة تفاصيل يومياته، يأكل وينام في الغرفة الصغيرة الموروثة من السّابقين، لكنّه بدأ يظهر تمرّدا على أعرافهم السّائدة.

رفع تسعيرة القبر حسب الأعمار من خلال أثمنة غير قابلة للتّفاوض بخلاف المعهود، بدعوى أنّ الوقت تغيّرت كثيرا وكذا التقلّص الملحوظ حيال ازدياد الطّلبات لمساحة المقبرة، التي تشغل موقعا استراتجيا ضمن مجال مراكش التّراثية.

ارتفعت مداخيل العبسي المادّية بقدر ازدياد تطلّعاته نحو توسيع دائرة أعماله، وتغيّر موقعه من صبيّ متشرّد بلا أفق ينتظر إلى صاحب رأسمال متحرّك، فقد وزّع عيون أصدقائه عند كل محيط ملتقى حافلات المسافرين بهدف ترصّد خطى قدوم شباب غرباء تشي ملامحهم بأنّهم يكابدون وضعا صعبا وفي حاجة ماسّة لِوَهْمِ أيّ طوق نجاة يعيد لهم الأمل.

سرعان مايعقد العبسي بنود عقوده مع صيد أفراد شلّته الذين يتقاسمون معه تفاصيل  المقبرة نهارا واستمرار سهرهم  ليلا بين زوايا الغرفة الصّغيرة شتاء أو خارجها فوق قبور الموتى صيفا، يهيّئون ولائم وأباريق الشاي والنّبيذ الأحمر على أنغام موسيقية مختلفة حسب تقلّبات الأمزجة وأهواء النّفوس بحيث تشقّ سكينة ليالي صيحات الشّيخات، الرّاي، والكلاسيكيات.تقوى النّهار ضمن سياق مواعظ وعِبَر الموت، ينقلب صخبا بل مجونا في اللّيل يزعج حتما حاجة الأموات إلى الصّمت الكوني، وقد أضحت علاقته بعوالمهم شبه راسخة ومحورية شخصيته بخصوص كلّصغيرة وكبيرة : حفر القبور وأمكنتها، طقوس يوم الجمعة وطوارئها بحكم ارتفاع وتيرة زيارة الموتى، تقسيم العطايا والصّدقات، تنظيم صفوف المتسوّلين،ضبط تصرّفات المتسكّعين الذين اختاروا المقبرة ملاذا،إلخ.

ارتقى العبسي بوضعه المادّي، واستعاد مصادر تلك الحرف التي زاولها سابقا، لكن هذه المرّة مموّنا ومستثمرا. مشاريع وأخرى، يخطّط لها صحبة حلقة المريدين خلال أماسي المقبرة، في خضمّ أجواء التّسلية والانتشاء.

تركت العبسي في أوج مسيرة عليائه وباعدت بيننا تقلّبات ظروف الحياة. ذات يوم بعد مرور سنوات، ساقتني إحدى الصّدف كي أعود إلى نفس المقبرة، استفسرت من باب الفضول حارسا عن العبسي، جاء جوابه سريعا: 

-”لقد أصابه مسّ من الجنون بشكل مرعب، فاختفى تماما بعد فترة من التشرّد والتّيه والضّياع، ولا أحد يعرف مصيره. لم تخطئه قط لعنة الأموات بل لاحقته في غمرة استمتاعه بالحياة ثم ضاع كلّ شيء. هكذا قانون اللّعبة، ولا أحد ينجو من صدمة الفقد غير أموات هذه المقبرة”.                 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com