كيف تدار هندسة الشرق الاوسط عبر الحرب مع ايران؟

16 يوليو 2026
كيف تدار هندسة الشرق الاوسط عبر الحرب مع ايران؟


الحرب الأمريكية–الإيرانية ومستقبل القضية

الفلسطينية- من مركزية الصراع العربي–الإسرائيلي إلى. هندسة شرق أوسط جديد- 

بقلم د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

لا يمكن فهم الحرب على غزة بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، ولا عن التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران. فالحرب لم تعد محصورة في حدود فلسطين، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع يتعلق بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، ورسم خرائط الردع، وتحديد موازين القوى في مرحلة انتقالية من النظام الدولي.

لقد انتقل الشرق الأوسط من مرحلة كان فيها الصراع العربي–الإسرائيلي هو المحدد الرئيس للتفاعلات الإقليمية، إلى مرحلة أصبحت فيها المنطقة فضاءً لتنافس مركب بين الولايات المتحدة، وإيران، وإسرائيل، وتركيا، ودول الخليج، إلى جانب الحضور المتنامي للصين وروسيا. وفي هذا السياق، أصبحت القضية الفلسطينية أحد عناصر هذا المشهد، لكنها لم تعد العنصر الوحيد الذي يحدد اتجاهاته.

أولا، من القضية المركزية إلى القضية المتداخلة: 

طوال عقود، شكّلت القضية الفلسطينية محور العمل العربي المشترك، وكانت معيارًا لتحديد التحالفات والخلافات. أما اليوم، فقد أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من الملفات، تشمل: أمن الخليج والبرنامج النووي الإيراني وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والتنافس على الطاقة والنفوذ في المشرق العربي.

بالاضافة الى الصراع على التكنولوجيا والاقتصاد.

ولم يؤدِّ هذا التداخل إلى اختفاء القضية الفلسطينية، بل إلى إعادة تعريفها داخل معادلات الأمن الإقليمي، بحيث باتت تُناقش في كثير من الأحيان بوصفها ملفًا أمنيًا أكثر من كونها قضية تحرر وطني.

ثانيا، الولايات المتحدة وإدارة الصراع لا حله: 

تكشف السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة عن تحول واضح من البحث عن حل نهائي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى إدارة الصراع بما يحافظ على الاستقرار النسبي ويمنع انفلاته إقليميًا. وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة مرتكزات اساسية:

الاولى، الحفاظ على أمن إسرائيل باعتباره أولوية استراتيجية.

الثانية، منع توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة.

والثالثة، احتواء النفوذ الإيراني عبر شبكة من التحالفات والشراكات.

وفي هذا الإطار، أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من إدارة التوازنات الإقليمية، أكثر من كونها أولوية مستقلة في السياسة الأمريكية.

ثالثا، إيران والتوظيف للقضية الفلسطينية: 

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، قدمت إيران نفسها باعتبارها داعمًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية، وربطت جزءًا من شرعيتها الإقليمية بخطاب “المقاومة”.

غير أن قراءة تحليلية تقتضي التمييز بين الدعم السياسي للقضية وتوظيفها في الصراع الإقليمي. ففي كثير من الأحيان، أصبحت فلسطين إحدى ساحات التنافس بين إيران وخصومها، وهو ما جعل تطوراتها تتأثر بحسابات الردع والمواجهة الإقليمية، إضافة إلى مطالب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

رابعا، إسرائيل واستراتيجية إعادة تشكيل البيئة الإقليمية: 

استثمرت إسرائيل التحولات الإقليمية في محاولة للانتقال من منطق إدارة الصراع إلى إعادة صياغة البيئة الإستراتيجية المحيطة بها. وتقوم هذه الرؤية على: التقليص من مصادر التهديد العسكري وتوسيع دوائر التعاون الإقليمي ودمج الاعتبارات الأمنية والاقتصادية في علاقاتها مع بعض دول المنطقة، واخيرا تعزيز مكانتها في شبكات التكنولوجيا والطاقة والنقل.

وفي هذا السياق، أصبح مستقبل القضية الفلسطينية مرتبطًا أيضًا بالكيفية التي ستتطور بها هذه الترتيبات الإقليمية.

خامسا، أين تقف الدول العربية؟

تكشف التحولات الراهنة أن العالم العربي يواجه أزمة مزدوجة: الأولى أزمة رؤية، تتمثل في غياب تصور عربي موحد لمستقبل القضية الفلسطينية. والثانية أزمة أدوات، تتمثل في محدودية القدرة على التأثير في مسار الأحداث مقارنة بالقوى الإقليمية والدولية الأخرى.

ولذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء استراتيجية عربية بعيدة المدى، تستند إلى العمل الدبلوماسي، والدعم الإنساني، والتنمية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، مع احترام خيارات الفلسطينيين أنفسهم.

سادسًا: نحو شرق أوسط جديد… ولكن بأي ثمن؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الشرق الأوسط يتغير، بل كيف يتغير، ولصالح من؟ فالتحولات الجارية تشير إلى أن المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب شاملة، قد تشمل: إعادة رسم شبكات التحالف. وتغير أولويات الأمن الإقليمي وبروز أدوار أكبر للقوى غير العربية، والتزايد المتزايد لتأثير الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة في تشكيل العلاقات الإقليمية.

وفي هذه الحالة، يبقى مستقبل القضية الفلسطينية مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى معالجة جذور الصراع، بما يحقق الأمن والحقوق وفق قواعد القانون الدولي.

سابعًا: السيناريوهات المستقبلية للقضية الفلسطينية والنظام العربي

بين إدارة الصراع وإعادة بناء النظام الإقليمي أثبتت التجارب التاريخية أن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط لا تُحدث قطيعة كاملة مع الماضي، بل تعيد إنتاجه في صور جديدة. ومن ثم، فإن مستقبل القضية الفلسطينية سيظل مرتبطًا بثلاثة متغيرات رئيسة:

1- طبيعة النظام الدولي (أحادي أم متعدد الأقطاب).

2- موازين القوى الإقليمية.

3- قدرة الفلسطينيين والعرب على إنتاج رؤية سياسية مشتركة.

وانطلاقًا من هذه المتغيرات، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسة.

السيناريو الأول: استمرار إدارة الصراع، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب إذا استمرت المعطيات الحالية.ومن ملامحه، وقف إطلاق نار متكرر دون تسوية سياسية نهائية، واستمرار التوتر الأمني في الأراضي الفلسطينية، واستمرار الانقسام الفلسطيني، مع تحركات دبلوماسية متقطعة دون اختراق حاسم. مما يعني بقاء القضية الفلسطينية ضمن أجندة الأزمات الإقليمية.

وبالنتيجة فان الوضع سوف يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية، مع تراجع فرص بناء الثقة. وبالتالي استمرار حالة عدم اليقين في الإقليم. وهو ما سوف يؤدي الى ارتفاع كلفة إعادة الإعمار والتنمية.

السيناريو الثاني: التسوية الإقليمية الشاملة: ويقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح تفاهمات أوسع بين القوى الإقليمية والدولية، بما يخلق بيئة أكثر ملاءمة لاستئناف مسار سياسي. ومن عناصره الاساسية، تهدئة إقليمية أوسع، ودعم دولي لإعادة إعمار غزة، وإعادة تنشيط المفاوضات، وإصلاح المؤسسات الفلسطينية، ومشاركة عربية أكبر في جهود الاستقرار. وترتبط نجاحاته بوجود إرادة سياسية لدى الأطراف المختلفة، وبإيجاد ضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاقات مستقبلية.

السيناريو الثالث: التصعيد الإقليمي الممتد، يفترض هذا السيناريو اتساع نطاق المواجهات الإقليمية، بما يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وتوسع دائرة الاشتباكات.

مع تصاعد سباق التسلح، واضطراب طرق التجارة والطاقة. واخيرا، تزايد الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

وفي هذا السياق، تصبح القضية الفلسطينية أكثر تأثرًا بالصراعات المحيطة بها، مع تراجع فرص التسوية السياسية.

السيناريو الرابع: إعادة بناء المشروع العربي، وهو السيناريو الأكثر طموحًا، وإن كان الأكثر تعقيدًا. ويقوم على: تطوير آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي، ودعم المؤسسات الفلسطينية.

والاستثمار في التنمية والتعليم وإعادة الإعمار. وبناء شراكات دولية متوازنة.

هذا السيناريو لا يعني العودة إلى أنماط الماضي، بل بناء مقاربة عربية جديدة تجمع بين الواقعية السياسية والالتزام بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ثامنًا: أي دور للعرب في المرحلة المقبلة؟

تكشف التحولات الراهنة أن استعادة التأثير العربي لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل من خلال مشروع إستراتيجي يقوم على خمسة مرتكزات اساسية:

الاولى، بلورة رؤية عربية مشتركة تتجاوز ردود الفعل الظرفية.

الثانية، دعم وحدة المؤسسات الفلسطينية بما يعزز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني.

الثالثة، تعزيز الحضور في المنظمات الدولية للدفاع عن مبادئ القانون الدولي والحقوق الإنسانية.

الرابعة، الاستثمار في إعادة الإعمار والتنمية باعتبارهما جزءًا من بناء السلام والاستقرار.

والخامسة، تطوير أدوات القوة الناعمة العربية في مجالات الإعلام والثقافة والبحث العلمي والدبلوماسية العامة.

لا تكمن أزمة القضية الفلسطينية اليوم في غياب التعاطف الدولي أو العربي فحسب، وإنما في غياب مشروع سياسي جامع قادر على تحويل هذا التعاطف إلى نتائج عملية. كما أن أحد أبرز التحديات يتمثل في انتقال النظام الإقليمي من مرحلة كانت القضية الفلسطينية فيها عنصرًا مؤسسًا للتوافق العربي، إلى مرحلة أصبحت فيها ملفات الأمن والطاقة والتنافس الجيوسياسي تتقدم في كثير من الأحيان على أجندة العمل العربي المشترك.

ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية لا تقتضي استعادة خطابات الماضي، بل تستدعي إنتاج رؤية جديدة تستند إلى الواقعية السياسية، واحترام القانون الدولي، وبناء مؤسسات قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية.

تاسعا، من مركزية القضية إلى مركزية الإنسان، نحو مقاربة عربية جديدة للقضية الفلسطينية: 

لعل أكبر درس يمكن استخلاصه من الحرب على غزة، ومن التوترات الأمريكية–الإيرانية، هو أن القضية الفلسطينية لم تعد تواجه أزمة احتلال فحسب، بل تواجه أيضًا أزمة في البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك داخلها. فقد تغيّرت بنية النظام الدولي، وتبدلت أولويات الدول، وأصبح الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا عوامل حاسمة في تشكيل السياسات الخارجية. غير أن هذه التحولات لا ينبغي أن تُفضي إلى اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الأمني أو الإنساني فقط، لأن جوهرها يظل مرتبطًا بحقوق شعب يسعى إلى تقرير مصيره، وإقامة سلام عادل ودائم وفق مبادئ القانون الدولي.

ومن هنا، فإن تجديد المقاربة العربية لا يكون بالعودة إلى خطابات الماضي، ولا بالاكتفاء بإدارة الأزمات، وإنما ببناء رؤية استراتيجية تجمع بين: الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتعزيز التنمية وإعادة الإعمار،

والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتوظيف القوة الناعمة العربية، وتطوير الدبلوماسية متعددة الأطراف.

ودعم المؤسسات الفلسطينية القادرة على تمثيل مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.

وفي النهاية، فان هذه المقاربة سوف تخلص إلى مجموعة من النتائج:

أولًاها، كشفت الحرب على غزة أن القضية الفلسطينية لا تزال تحتفظ بمكانتها الرمزية والسياسية، لكنها أصبحت تتأثر بدرجة أكبر بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.

ثانيها، أظهر التصعيد الأمريكي–الإيراني أن ملفات الأمن الإقليمي والردع باتت تؤثر بصورة مباشرة في مسار القضية الفلسطينية، دون أن تلغي خصوصيتها أو حقوق أصحابها.

ثالثًها، يعاني النظام العربي من فجوة بين المواقف السياسية المعلنة والقدرة المؤسسية على التأثير، وهو ما يحد من فعالية العمل العربي المشترك.

رابعًها، يشهد النظام الدولي انتقالًا نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، بما يفتح فرصًا جديدة للدبلوماسية العربية، لكنه يفرض أيضًا تحديات تتطلب تنسيقًا واستراتيجيات طويلة الأمد.

خامسًها، لا يمكن تحقيق استقرار مستدام في المنطقة دون معالجة سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، لأن إدارة الأزمات وحدها لا تعالج جذور الصراع.

وعلى هذا الاساس، فان المطلوب: 

على المستوى العربي، تطوير آليات التنسيق السياسي والدبلوماسي بين الدول العربية، ودعم المؤسسات الفلسطينية وتعزيز قدرتها على العمل، وتوسيع المبادرات الإنسانية والتنموية في الأراضي الفلسطينية، والاستثمار في الدبلوماسية العامة والإعلام الدولي.

اما على المستوى الأكاديمي، فان الامر يتطلب، إنشاء مراكز عربية متخصصة في دراسات فلسطين والتحولات الإقليمية، وتشجيع البحوث متعددة التخصصات التي تجمع بين العلوم السياسية، والقانون الدولي، والاقتصاد، والإعلام، وبناء قواعد بيانات علمية ووثائقية حديثة لدعم الباحثين.

اما على المستوى الدولي، فان الامر يتطلب، تعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ودعم المبادرات التي تسهم في حماية المدنيين، وتشجيع المسارات السياسية التي تستند إلى التفاوض واحترام الحقوق الأساسية لجميع الأطراف.

ختاما، ليست القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي يتأثر بتغير الحكومات أو التحالفات، بل هي اختبار مستمر لقدرة النظامين العربي والدولي على التوفيق بين اعتبارات الأمن ومبادئ العدالة والقانون الدولي.

لقد كشفت الحرب على غزة، وما رافقها من تصعيد إقليمي، أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الأحادية في تفسير الصراعات، لتحل محلها شبكة معقدة من التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، لن يكون مستقبل القضية الفلسطينية رهينًا بإرادة طرف واحد، بل بقدرة مختلف الفاعلين على بناء بيئة إقليمية تسمح بانتقال الصراع من منطق القوة إلى منطق التسوية السياسية المستدامة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام العرب هو الانتقال من موقع التفاعل مع الأزمات إلى موقع المساهمة في صياغة مستقبل المنطقة، عبر رؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية السياسية، واحترام القانون الدولي، ودعم التنمية، وإعلاء قيمة الإنسان بوصفه الغاية الأساسية لأي مشروع حضاري أو سياسي.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com