مرجعية المكان وعناصر المجاز الشعري في ديوان ” مجاز القرطبي “

15 يوليو 2026
مرجعية المكان وعناصر المجاز الشعري في ديوان ” مجاز القرطبي “

عبدالنبي بزاز

كاتب من المغرب

بعد ديوان ” أوتار البصرة ” ، وديوان ” ودثرتني ” ، تنضاف مجموعة ” مجاز القرطبي ” لمنجز الشاعر المغربي عبد الحق بن رحمون الشعري ، والذي تميز بخاصية مرجعية ترتبط أساسا بالمكان و المحدد في بلاد الأندلس بماضيها الزاخر بعبق تاريخي ، وزخم حضاري وثقافي ، حيث شهدت قرطبة كتابة نصوص الأضمومة ، التي ألهمته فضاءاتها  ومعالمها بسحرها ، وجمالها الإبحار في إرث يمزج  بين الحضارة، والتاريخ، والثقافة للنبش في عمق المكان ، واستنباط ما يختزنه من إرث وتراث ، وما يعج به من دُرَر ، ونفائس .

إلا أننا قبل أن ننتقل إلى الموضوع المتعلق بالأندلس كما يوحي بذلك العنوان ” مجاز قرطبة ” ، وما شَكّله من ثقل تاريخي وحضاري تمثل في هندسة المعمار وجماليته في متن المجموعة الشعرية ، لا بد من الإشارة إلى العناصر الإيقاعية ، والبلاغية التي انبنت عليها قصائد الديوان . فالإيقاع توزع بين ما هو داخلي تَشَكّل من تجانس حروف أكسبته نغمة كسرت رتابته النثرية ، وهو ما تجلى وبرز منذ النص الأول ” ضميني ” : ” ضميني إليك في سَفَر الأشجار / ضميني في فسائل الأشواق / ضميني إليك في سورة الختم … ” ص 5، حيث تتكرر حروف السين ، والشين ، والراء مانحة العبارات نبرة من تناغم وتجانس ، وحرف الدال الذي يتوالى في قوله : ” نتبادل قدحين لا رقاد .. لا سهاد ” ص14 ، عبر ليونة هي أقرب إلى الهمس ، وتكرار نفس كلمة التراب : ” ما زلت ترابا / قبل أن أرث التراب / وأموت في التراب / لأكتبَ التراب اسمي… ” ص78، وما تختزله من جَرْس يتجسد في إعادة نفس الكلمة . وإيقاع خارجي يظهر كذلك منذ النص الأول متمثلا في قافية مُكَوَّنة من الياء والتاء المربوطة تختتم بها جملتان متتاليتان : ” أكتبي خاتمة الرواية / فالختم نور الولاية ” ص6، وروي الراء في قوله : ” وأَلْبَسْتُكِ رقيق الخرير / لننام على فراش العشق الوتير. ” ص92،

والميم كروي تنتهي به الجمل في : ” قال : قرطبة ادخلوها /  بقلوبكم و إلهامكم / واتركوا جوارحكم / في غوايتكم / واسبحوا بقلوبكم / وعواطفكم ” ص95، وهي أمثلة  تجسد حضور الإيقاع  بشقيه الداخلي والخارجي في نصوص المجموعة . مما يؤسس لزخم شعري بعناصره الموسيقية والبلاغية من تشبيه ، في مختلف أشكاله ، التي تخلو من الأداة كما في قوله : ” لأن روحي صارت رذاذا ” ص7، وهو ما تضمن تشبيه الروح بالرذاذ ، و الصيف بالربيع، والحنو باليرقات : ” وصيفها ربيع / وحنوها يرقات ” ص 44، واقترانها بالأداة : ” وتقاتلوا كالتفاصيل … ” ص11، ” تتفتح كصرخة مولود ” ص44، التي هي الكاف ، وهي استعمالات لعناصر بلاغية ، تضفي على النصوص جمالية في التعبير والمعنى ، وطباق كما في مقطع ” العناق ” : ” والليل للنهار ” ص8، ” هو سطر.. البدء  والختم ” ص44،وفي قوله : ” كلما ابتعدنا اقتربتا ” ص99، طباق تمثل في الليل مقابل النهار ، والبدء مقابل الختم ، وابتعدنا مقابل اقتربنا . وجناس توالى في قول الشاعر : ” الروح للروح / والغصن للغصن/ والطير للطير/ والنفس للنفس … ” ص 8، في صيغته التامة . وكلها عناصر بلاغية تضفي على المتن الشعري جمالية تنضاف إلى الإيقاع لخلق توليفة متناغمة ومتكاملة تقود إلى إغنائه بصور متنوعة ، وتعابير مجازية مختلفة متعددة المعاني ، ومتنوعة الأساليب ، ومن هذه الصور : ” هذا الذي جاء ليروض الغبار . ” ص 12، صورة تطويع الغبار داخل فضاء خاص هو جزيرة الحمام ،

وما يطرحه من أسئلة تتعلق بكيفية ترويض الغبار ، وتصوير أقوام يتلاشون مع غبار ، غير محدد النوع والشكل ، وتذروهم زوابعه ، وأن تمطر الكتب فيتصحر المعنى : ” أمطرت الكتب / وتصحر المعنى .” ص20، في مفارقة تعبر ، مجازا ، عما يمكن أن تجود به صفحات الكتب ومحتوياتها من معاني وأفكار لكنها غير مجدية ومثمرة لعجزها عن الإنتاج بفعل حالة التصحر والجدب ، ويصبح للشمس  سريرا ، وشجر تفاح : ” تَركتْ سرير الشمس / وحَضَنتْ شجر تفاحها . ” ص44، وتَوَسُّد النجمة لتاج الروح : ” وجاءت النجمة / تتوسد تاج روحي ” ص110، في تصوير يفتح الكثير من التأويلات ، وينفتح على العديد من القراءات كمثال على علاقة  النجمة ، وما يحيط بها من هالة إشراق وسطوع بالروح المرصعة بتاج وإكليل فتصبح هذه الروح المتوجة وسادة لنجمة تسطع في علياء السماء . وهي صور حضرت في جل النصوص من أول نص ” ضميني ” إلى آخر مقطع ” حرف القاف ” حيث نقرأ : ” مَضَغَ الصخر / ونزع من وجه القمر تمثاله ” ص151، في اقتراف فعل خارق يجرد طلعة القمر من تمثالها ، مما يفرز العديد من أسئلة وتصورات عن حقيقة وجه القمر وتمثاله والذي تتم إزاحته وإزالته . وارتباطا بجانب الصور يحضر المجاز في العديد من نصوص الديوان مثل ما نقرأ  في المقطع السابع من نص ” في سفوح جبال سييرامورينا ” الموسوم ب ” طبيعة منيمالية  ”

: ” شذبت مجازات من أشجار … ” ص60، فاستعمل أشجار بدل كلمات ، وأصبح للشجر ضرعا يُحْلَب كما ورد في قصيدة ” في ساحة بلازا دي لاكوريديرا ” : ” وأحلب ضرع الشجر ” ص78، ثم ما يفتأ الحجر يتكلم هاتفا، والماء يبتسم : ” يهتف لي الحجر / ويبتسم لي الماء المتدفق / من شقوقه / تتمايل أعشاب على كتفه ” ص86 ، بل يصير له كتف تتهادى فوقه الأعشاب ، ويصهل الخير بدل الحصان لجلب الخيل وجذبها إلى القلب والفؤاد : ” فإذا صهل الخير / أسرعت الخيل إلى قلبك … ” ص106، ويجترح النهر فعل العزف على القيثارة ، وينخرط الحجر في الغناء : ” وعزف النهر على القيثارة /  وغنى الحجر للقادمين المتوجين / بنشيد الإنشاد . ” ص117،

وتغريد الخيول تزامنا مع نضج أغصان الكروم داخل الحقول : ” الشطح فوق غصون الكروم / إذا نضجت أغصانها ،غردت الخيول … ” ص131، ويغدو الشجر كثوب يُلْبَس ويُخْلَع ، والسماحة رداء يُرْتَدى : ” اخلع شجرا ، والبس ثوب السماحة … ” ص141، ونفي زرع الحقل بالخوف بدل المزروعات المعروفة : ” ولا أزرع الحقل بالخوف … ” ص145، وهي مجازات تزخر باستعارات تغني متن الديوان بما تضفيه عليه من جمالية في التعبير ، وبُعْد في المعنى . وقد اقتصرنا على أمثلة منها ، ومن الصور العديدة التي تؤثث نصوص المجموعة ، وتطفح بها عباراتها ، وأساليبها ، ثم يبرز بعد ذلك المكان كمُكَوِّن أساسي ، وثابت إبداعي داخل ثنايا قصائد الديوان ؛ بحيث تحضر دمشق : ” عندما يصبح السير مُيَسَّرا / طريقي إلى دمشق الصالحين / أقبل قدميك . ” ص47، وتطوان وقرطبة التي غدت قِبْلة للعابرين عبر بوابة النصر والفتح : ” سلام للعابرين / والمنتصرين / والفاتحين / بين دمشق وتطوان / صعودا نقوش قرطبة . ” ص88، وجبل قاسيون المُطِلّ على دمشق  : ” وقت الصعود إلى جبل قاسيون ” ص 101، وقصر ملك الأندلس ، والشام ، وأرخبيلات فاس : ” إذا وصلت خيل السرد العربي إلى قصر ملك الأندلس ب ” كورديا ”  قادمة من الشام عبر أرخبيلات فاس . ” ص140،

ومدينة الزهراء الأندلسية الغراء : ” ليس القَدَر أن تخترق مدينة الزهراء تماما ” ص143. وهي أماكن تختزل وترمز لإرث تاريخي وثقافي وحضاري يمتد من الشام والمغرب إلى الأندلس التي حظيت بهيمنة داخل سياقات المدونة الشعرية من خلال ورودها المتكرر ، وذكر العديد من حواضرها ومراكزها ، وما ارتبط به اسمها من فتح وبطولات صاغها الشاعر في َضِميَريْ هو وهي  الملتئمين في ضمير هما حين قال : ” هو مبدع الأندلس ./ هو لم يكن خيالا / هي بحر تشظى في البياض … / هو لا وجود لحرب … / هي لا وجود لينهزم في الخسران / هما فتح الأندلس . ” ص38، فتتحول ، الأندلس ، إلى معشوقة تأسر النفوس والعقول : ” ففي ذراته قلب / عاشق للأندلس / وعشيقته الأندلسية / هما الشاهدان  على انكسار الماء في المرآة … ” ص54، ثم ما فتئت تلم بها مآسي ضاعت معها حواضرها التي كانت مصدر إشعاع حضاري وثقافي وفني مثل غرناطة : ” من بكى لفقدان غرناطة / من تيتمت جدران قصوره / سقط الحكم ظلما / ولم تسقط الجواري … ” ص57 ، فتهاوت قصورها ،  وخُلِع حكامها ، وقرطبة بجسرها العظيم : ” بدا لي سائس الجبال كعبته الماء / عبوره من تحت جسر قرطبة ” ص58، والتغني بجمالها الساحر الأخاذ : ” جمالك باهر يا قرطبة ” ص92، وإشبيلية في قدسيتها ، وبهاء طبيعتها : ” وَصَلْتُ إشبيلية المدينة المقدسة ، بها أزهار بازغة كنجوم ُمضاءة . ” ص111،  وما تزخر به من أشكال معمارية تتجسد في الأسوار و الأقواس : إشبيلية انبعاث صوت اشتبك في الأسوار /  وتفرق في الأقواس … ” ص112 .

فاستناد النصوص إلى  مرجعية تاريخية أَرَّخت لمرحلة انقسام الأندلس وانهيارها مع ظهور ملوك الطوائف : ” ورثة ملوك الطوائف / ضيعوا بوصلة الحروف المزخرفة في السقوف ” ص25، وما عرفته تلك الحقبة من تمازج  وتعايش بين نازحين من الشام ، وأمازيغ مغاربة قادمين من فاس ( القرويين ) ، وتاونات ( قرية بني وليد ) فغدت الأندلس : ” منارة للمهاجرين / وقصر منيف من شام / من أمازيغي / قادم من القرويين / وصاحبه من قرية بني وليد / وآخر من شرفات طارق ” ص26، الذين آوتهم ووحَّدَتْهُم الأندلس إلا أنهم افتقدوا الحب الذي عصفت به رياح الفُرْقة التي خَلَّفها سقوطها : ” جميعا نحن أبناء الأندلس / الحب غادر الأندلس على فراق / خَلَّفَه طَلَل ورَمْل . ” ص33، فالأندلس ، بأثالتها وشموخها ، لا يمكن أن تُعَوَّض، فرغم ما عرفته من تقسيم ، وتجزيء  ظلت محافظة على أصلها ومرجعيتها : ” تعددت الأندلس والاسم واحد ” ص34،

والإشارة إلى سقوط غرناطة أيام حكم  بني الأحمر في عهد الخليفة أبو محمد المعروف ب عبد الله الصغير آخر سلاطين بني نصر في غرناطة : ” قبل سقوط / مفاتيح بني الأحمر/ ويُسَلِّم الأرائك والسبايا / إلى من يخلف عبد الله الصغير ” ص55 ، والتعبير عن  مشاعر الحسرة والأسى التي خَلَّفَها ضياع الأندلس بسبب ملوك وحُكّام عجزوا عن حمايتها ، والذود عن سيادتها واستقلالها : ” ورثنا ذكرى أندلس مفقودة / من ملوك مفلسين انتشروا / في اليباب .. / تركوا الأرض … ” ص 113، مع ذكر نماذج من قلاعها الحصينة ، وحواضرها المنيعة كإشبيلية : ” إشبيلية قلاع اندثرت / وجَوَار وغِلْمان وسبايا / بيعت  في أسواق الشطآن . ” ص114. ولم تَخْلُ لغة المتن الشعري من عبارات اسْتُمِدّت من القرآن الكريم كما في نص ” بشار” : ” ورسمنا اسمنا بالنون / والقلم وما يسطرون ” ص133،المستوحاة من سورة ” القلم ” . وقصة نوح عليه السلام والفلك : ” يا نوح أين الفُلْك ؟ ” ص 134،  وعبارة : ” ليس على الأعمى من حرج ” ص71 ، كما ورد في سورَتَيْ ” النور والفتح” ، مع الإقرار بغزارة معاني القرآن : ” ومن القرآن تجلى نهر معانيه ” ص148 . وتضمن الديوان كذلك أسماء الكثير من الأعلام في مختلف المجالات ك ابن سيرين : ” وأخريات  من شرق شمس نائمة / في وسادة ابن سيرين … ” ص 35، عالِم التفسير ، والحديث ، والفقه ، وتعبير الرؤيا . وابن رشد : ” وفي مدينة أخرى / جلس ابن رشد يسأل قبور الموتى / عن المقيم في منحدرات العنب . ص80، وهو المفكر والفيلسوف العربي المنحدر من مدينة قرطبة الأندلسية التي شهدت ولادته ،

وذكر النبي نوح ، و القائد الفاتح طارق  بن زياد ومدى علاقتهما بالسفن ؛ من حيث الصنع والإحراق : ” الحالم يبني السفن / ليوم الطوفان / نوح بناها وطارق أحرقها / وأنا عدت لأركبها . ” ص94، في تحديد لطبيعة مرحلة دينية عقدية بدأت مع النبي نوح عليه السلام ، وملحمة فتح بطولي للقائد طارق بن زياد ، واختتمت بمتعة الاكتشاف، والتعبير الشعري لرحلة الشاعر لبلاد الأندلس ، ربما على متن سفينة ، التي اقترن اسمها بالنبي نوح ، والفاتح طارق . كما ذكر في نفس السياق ، لويس ملك فرنسا : ” قَلَّدتْ صدرها بوسام حبنا الموشى / بقلادة الملك لويس ” ص135 ، والشاعران العربيان الجاهلي امرؤ القيس ، والعباسي أبو العتاهية : ” وألقى امرأ القيس / وأبا العتاهية/  يمرغان القَدَح / ويتبادلان شراب تفعيلة الذهب ” ص 65، في إشارة إلى علاقتهما الإبداعية الباذخة الخلاقة بإيقاع الشعر وتفعيلاته .

ف ” مجاز القرطبي ” ديوان شعري بمرجعية تستند إلى المكان المتمثل في الأندلس ، بشكل كبير ومهيمن، الذي تستمد منه أبعادها الرمزية والدلالية  لتشكيل نصوص شعرية عبر عناصر إيقاعية ، وبلاغية تُكْسِبه جمالية في التعبير ، وعمقا في المعنى ، وهو ما يختزله العنوان كعتبة مكونة من كلمتين : مجاز ، وقرطبي من خلال  أسلوب الإضافة ، بإضافة مجاز، المنتسب  بلاغيا لحقل الشعر باستعمالاته الاستعارية المختلفة  ، إلى قرطبي، ليغدو مجاز مضافا ، والقرطبي مضافا إليه . ف” قرطبة” رمز من رموز الأندلس الغنية بإرثها الراسخ، والشامخ  بما شهدته ، وشهدت عليه من تألق حضاري ،وعمراني  ، وإشعاع ثقافي وفني يعكس أيام مجدها ، وفترات عزها .

عبد النبي بزاز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ مجاز القرطبي ( شعر ) عبد الحق بن رحمون / الناشر: مكتبة السلام الجديدة ـ الدار البيضاء2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com