الانتخابات التشريعية لسنة 2026: موعد حاسم لمستقبل المغرب

16 يوليو 2026
الانتخابات التشريعية لسنة 2026: موعد حاسم لمستقبل المغرب


إن الحكم الحقيقي على انتخابات سنة 2026 لن يصدر ليلة إعلان النتائج، بل ستكشف عنه السنوات اللاحقة

بقلم عبد السلام الصديقي

عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق

لا تمثل الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 أيلول / سبتمبر  المقبل مجرد محطة  سياسية عادية، بل تشكل استحقاقاً مفصلياً يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، حيث يجد نفسه مدعواً إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من  مسار  التنمية، في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية عميقة يشهدها  العالم.

فالحكومة التي ستفرزها صناديق الاقتراع لن يكون دورها مقتصراً على تدبير  الشؤون اليومية، وإنما ستكون مطالبة بقيادة البلاد خلال مرحلة ستتحدد فيها الخيارات الكبرى التي سترسم معالم العقد المقبل.

ويدخل المغرب هذا الاستحقاق وهو يتوفر على مؤهلات مهمة؛ فاستقراره المؤسساتي، والرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك، والتحديثالمتواصل لبنياته التحتية، وتعاظم حضوره في إفريقيا والفضاء المتوسطي، إضافة إلى الأوراش الكبرى التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة، كلها عواملعززت مكانته وجعلته فاعلاً إقليمياً يحظى بتقدير متزايد.

غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، لا تعفي البلاد من مواجهة تحديات كبرى. فما يزال معدل النمو الاقتصادي دون المستوى الكفيل بتلبية تطلعات مجتمع يغلب عليه الشباب وتزداد فيه مستويات التأهيل والكفاءة. كما لا تزال البطالة، ولاسيما في صفوف حاملي الشهادات، تثير الكثير من القلق، في وقت تستمر فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتتفاقم الضغوط المرتبطة بندرة المياه، وتداعيات التغيرات المناخية، وغلاء المعيشة، وتقلبات الاقتصاد العالمي.

وتزداد هذه التحديات تعقيداً مع الثورة المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتحول الطاقي، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وهي تحولان تعيد رسم أسس التنافسية بين الدول وتفرض عليها إعادة النظر في نماذجها التنموية.

وفي ظل هذا السياق، لا تكمن القضية الأساسية في معرفة أي حزب سيتصدر الانتخابات أو أي ائتلاف سيشكل الحكومة المقبلة، وإنما في سؤال أكثر عمقاً: هل ستُمكّن هذه الانتخابات المغرب من التوفر على مؤسسات قوية، ذات شرعية وفعالية، قادرة على تسريع الإصلاحات التي يتوقف عليها انتقاله إلى مصاف الدول الصاعدة؟

وبعبارة أخرى، فإن اقتراع الثالث والعشرين من أيلول / سبتمبر لا يمثل غاية في حد ذاته، بل يشكل نقطة انطلاق دورة سياسية جديدة، لن يُقاس نجاحها بإعلان النتائج ليلة الاقتراع، وإنما بقدرة المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع على إرساء حكامة أكثر نجاعة، وأكثر مسؤولية، وأكثر استجابة لتطلعات المواطنات والمواطنين.

ما بعد التنافس الانتخابي

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يطغى الاهتمام عادةً بما يدور بين الأحزاب من تنافس، وباحتمالات التحالفات، وبالتوقعات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة. ولا شك أن لهذه القضايا أهميتها، غير أنها ينبغي ألا تحجب النقاش الحقيقي حول ما هو أكثر جوهرية.

في الديمقراطيات المعاصرة، لا تُعد الانتخابات مجرد آلية لاختيار من يتولى السلطة، بل تمثل، قبل كل شيء، وسيلة لإنتاج الشرعية السياسية. فهي تتيح للمواطنين تحديد التوجه الذي يرغبون فيه، وتقييم السياسات العمومية المنجزة، ومنح الثقة، لمدة زمنية محددة، لمن يعتبرونهم الأقدر على مواجهة تحديات المرحلة.

وتبين التجارب الدولية أن نجاح السياسات العمومية لا يتوقف بالدرجة الأولى على حجم الوعود الانتخابية، وإنما على متانة المؤسسات المكلفة بتنفيذها. فالبلدان التي حققت إقلاعها الاقتصادي ليست بالضرورة تلك التي تتوفرعلى أكبر الثروات الطبيعية، بل هي غالباً الدول التي استطاعت بناء مؤسسات ذات مصداقية، وإدارة عمومية فعالة، وآليات للمساءلة تسمح بتصحيح الاختلالات وتحسين الأداء العمومي بصورة مستمرة.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الديمقراطية باعتبارها ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق التنمية، بل أصبحت اليوم أحد الشروط الأساسية لتحقيقها. فمن خلال ترسيخ الثقة، وضمان استقرار قواعد اللعبة السياسية، وتحسين جودة القرار العمومي، تسهم الديمقراطية بشكل مباشر في تعزيز جاذبية الاقتصاد، وتقوية التماسك الاجتماعي، ورفع قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والصدمات.

وعلى هذا الأساس، فإن انتخابات سنة 2026 تتجاوز بكثير مجرد التنافس بين الأحزاب السياسية، لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة المنظومة السياسية على مواكبة طموحات بلد يتطلع إلى الالتحاق، بشكل مستدام، بنادي الاقتصادات الصاعدة.

الثقة… الشرط الأول لنجاح الإصلاح

لا يمكن لأي إصلاح كبير أن يحقق أهدافه بصورة مستدامة من دون ثقةالمواطنين. غير أن هذه الثقة لا تُفرض بقرارات أو شعارات، وإنما تُبنى تدريجياً من خلال جودة المؤسسات، وشفافية القرارات العمومية، وقدرة المسؤولين على الوفاء بالتزاماتهم والخضوع للمحاسبة.

ويعبر جزء من المغاربة، ولاسيما الشباب، عن تزايد الشك في مدى تأثير أصواتهم على السياسات العمومية. ولا يعكس هذا الموقف رفضاً للديمقراطية قدر ما يعبر عن ارتفاع سقف الانتظارات تجاه الفاعلين السياسيين. فالمواطنون أصبحوا يطالبون بنتائج ملموسة أكثر من مطالبتهم بوعود تتكرر  مع كل استحقاق انتخابي.

ويمثل اقتراع شهر أيلول/ سبتمبر ، من هذه الزاوية، فرصة مهمة لإعادة بناء جسور الثقة بين الناخبين وممثليهم، شريطة أن تتيح الحملة الانتخابية نقاشاً حقيقياً حول القضايا الكبرى التي تنتظر البلاد، وفي مقدمتها التشغيل، والتعليم، والصحة، والسياسة المائية، وتنافسية المقاولات، والمالية العمومية، والعدالة المجالية، والإنصاف الاجتماعي، فضلاً عن كيفية تأهيل الاقتصاد المغربي لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وأصبح الناخبون ينتظرون اليوم برامج واقعية، ومدعمة بالأرقام كلما كان ذلك ممكناً، ومصحوبة بالتزامات واضحة قابلة للتقييم والمحاسبة. فالديمقراطية الناضجة لا تقتصر على منح المواطنين حق اختيار من يحكمهم، وإنما تمنحهم أيضاً إمكانية تقييم أدائه على ضوء النتائج التي يحققها.

ويفرض هذا التطور كذلك على الأحزاب السياسية أن تعيد النظر في أدوارها. فلم يعد مقبولاً أن تتحول إلى مجرد آلات انتخابية تنشط بضعةأسابيع قبل موعد الاقتراع، بل ينبغي أن تستعيد وظيفتها الأصلية باعتبارهافضاءات للتفكير، والتأطير، وتكوين الكفاءات، وإعداد المسؤولين العموميين لقيادة المرحلة المقبلة.

وستظل مصداقية الأحزاب رهينة بقدرتها على إفراز نخب جديدة، وتجديد قياداتها، وصياغة مشاريع مجتمعية تستجيب لانتظارات مجتمع يعرف تحولات متسارعة.

 شروط انتخابات في مستوى طموحات البلاد

غير أن تجديد النخب السياسية، مهما كانت أهميته، لن يكون وحده كافيا لتعزيز مصداقية المؤسسات. فذلك يقتضي، قبل كل شيء، أن تجري المنافسة الانتخابية في ظروف تبعث على الثقة لدى مختلف الفاعلين السياسيين، والأهم من ذلك لدى المواطنات والمواطنين.

فشرعية الحكومة لا تستمد فقط من فوزها في صناديق الاقتراع، وإنما  أيضاً من الاقتناع العام بأن هذا الفوز تحقق في ظل احترام مبادئ النزاهة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وصدق العملية الانتخابية. وقد أصبحت جودةالمسار الانتخابي، في الديمقراطيات الحديثة، لا تقل أهمية عن النتائج التيتفرزها صناديق الاقتراع.

ويفترض ذلك، أولاً، وجود إدارة انتخابية محايدة تطبق القانون على جميع المتنافسين دون تمييز، كما يقتضي قضاءً مستقلاً وفعالاً يبت بسرعة في المنازعات الانتخابية، وآليات صارمة لمراقبة تمويل الحملات، ومكافحة جميع تلف أشكال استعمال المال أو النفوذ التي من شأنها التأثير في الإرادة الحرةللناخبين.

ويشكل تكافؤ الفرص بين المرشحين والأحزاب مبدأً أساسياً في هذا المجال. ولا يعني ذلك المساواة في النتائج، وإنما المساواة في الظروف التي تتيح للناخبين الاطلاع على مختلف البرامج والمشاريع ومقارنتها بكل حرية. كمايقتضي ضمان ولوج جميع الأحزاب إلى وسائل الإعلام، وتنظيم الحملات الانتخابية وفق قواعد واضحة، والشفافية في مصادر التمويل، إلى جانب التزام الإدارة بالحياد الإيجابي بما يسمح لكل قوة سياسية بالدفاع عن أفكارها في إطار منافسة نزيهة وعادلة.

كما أن مصداقية الانتخابات ستظل رهينة بجودة النقاش العمومي الذي يواكبها. فالمواطنون ينتظرون أجوبة واضحة عن القضايا التي تمس حياتهما اليومية، وفي مقدمتها التشغيل، والقدرة الشرائية، والتعليم، والصحة، والسكن، وتدبير الموارد المائية، والأمن الغذائي، وحماية البيئة، والآفاق المستقبلية المتاحة للشباب.

ولا شك أن الاختلافات والصراعات السياسية تظل أمراً طبيعياً في كل نظام ديمقراطي، غير أنها يجب ألا تحجب القضية الأساسية، وهي تمكين المواطنين من معرفة الكيفية التي تعتزم بها مختلف القوى السياسية مواجهة التحديات التي تعترض مسيرة البلاد.

حكامة في مستوى طموحات المغرب

بعيداً عن نتائج الاقتراع في حد ذاتها، يبقى السؤال الجوهري هو طبيعةالحكامة التي ستنبثق عن صناديق الاقتراع. فالمغرب وضع لنفسه أهداف أطموحة تتمثل في تسريع وتيرة التنمية، وتعزيز سيادته الاقتصادية، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ مكانته على المستويين الإقليمي والدولي. غير أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي دولة فعالة، وإدارة عمومية ناجعة، ومؤسسات قادرة على العمل بنفس الإصلاح على المدى الطويل.

وتتوقف جودة الحكامة، بطبيعة الحال، على الحكومة التي ستتشكل بعد الانتخابات، لكنها تعتمد أيضاً على حيوية مختلف المؤسسات الدستورية. فالبرلمان مدعو إلى الاضطلاع الكامل بوظائفه التشريعية، والرقابية، والتقييمية للسياسات العمومية. كما أن الجماعات الترابية مطالبة بمواصلة تفعيل ورش الجهوية المتقدمة بما يعزز تقريب القرار العمومي من المواطن، ويجعله أكثر  ارتباطًا بخصوصيات المجالات الترابية.

أما الأحزاب السياسية، فهي مطالبة باستعادة رسالتها الأصلية باعتبارهافضاءات للنقاش، والتأطير، وإنتاج الأفكار. فلا يمكن للديمقراطية أن تؤدي وظائفها على نحو مستدام إذا اختزلت الأحزاب أدوارها في تدبير المواعيد  والاستحقاقات الانتخابية. فهي مطالبة بإعداد كفاءات الغد، وإغناء النقاش العمومي، والإسهام في بلورة مشاريع مجتمعية حقيقية تستجيب لتطلعات المواطنين.

كما تتحمل مكونات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والجامعات، والمنظمات المهنية، والنقابات، مسؤولية أساسية في ترسيخ الممارسة الديمقراطية. فالديمقراطية الحية لا تختزل في فترات الانتخابات، بل تُبنى يوماً بعد يوم منخلال جودة النقاش العمومي، وتلاقح الأفكار، والمشاركة المواطنة، وقدرةالمؤسسات على تقديم الحساب بشأن أدائها.

وفي عالم تتسارع فيه حركة الاستثمارات، والكفاءات، والابتكارات عبرالحدود، أصبحت جودة المؤسسات عاملاً حاسماً في تعزيز القدرة التنافسيةللدول. فالبلدان التي تحظى بالثقة تستقطب مزيداً من الاستثمارات، وتنجح بصورة أفضل في تعبئة كفاءاتها الوطنية، كما تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. وعلى العكس من ذلك، فإن اختلالات الحكامة تنعكس، عاجلاً أم آجلاً، سلباً على النمو الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي، والمصداقية الدولية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد من المناسب النظر إلى الديمقراطية فقط من زاويةالحريات العامة أو تنظيم الانتخابات، بل ينبغي اعتبارها أيضاً رافعةأساسية للتنمية. فالحكامة القائمة على المسؤولية، والشفافية، وتقييم السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تتيح استعمالاً أفضل للموارد، وتعزز ثقة المواطنين، وترفع من فعالية العمل العمومي.

وتندرج انتخابات الثالث والعشرين من أيلول / سبتمبر  في صميم هذا التصور. ولتقاس أهميتها الحقيقية بعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، وبتوازنات الائتلاف الحكومي المقبل، وإنما بقدرة المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع على قيادة الإصلاحات بانسجام واستمرارية، وإشراك المواطنين في القرارات الكبرى، وخلق مناخ من الثقة يشجع الاستثمار، والابتكار، وروح المبادرة.

إن الحكم الحقيقي على انتخابات سنة 2026 لن يصدر ليلة إعلان النتائج، بل ستكشف عنه السنوات اللاحقة، من خلال قدرة المؤسسات التي ستفرزها صناديق الاقتراع على تحويل تطلعات المواطنين إلى منجزات ملموسة. فالانتخابات ليست نهاية المسار الديمقراطي، وإنما هي بدايته. وعندئذ فقط يمكن لاقتراع أيلول / سبتمبر  2026 أن يشكل، ليس مجرد محطة جديدة في التداول المؤسساتي، بل خطوة إضافية على طريق بناء مغرب أكثر ازدهاراً، وأكثر ادماجاً، وأكثر ثقة في مستقبله.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com