تفكيك الشيفرة الجينية في مؤتمر ” ترامب/ الزيدي”

16 يوليو 2026
 تفكيك الشيفرة الجينية في مؤتمر ” ترامب/ الزيدي”

صباح البغدادي(*) 

سيصبح هذا الرجل قائداً عظيماً في الشرق الأوسط، يتجاوز تأثيره العراق. وسوف يمتد نفوذه إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط .  الرئيس “دونالد ج. ترامب” .(*) حكومة بغداد ستكون في مواجهة معادلة صفرية لا تقبل الحلول الوسط , أما الدولة وإما اللادولة في مواجهة نزع سلاح الفصائل الولائية بعد منتصف ليلة الأربعاء 30 أيلول 2026.(*) الزيدي في واشنطن بدا كـ “بطل قوي” ومتمكن من حديثه ولكن المحك الحقيقي للمواجهة سيكون في أول خطوة للنزول من على سلم الطائرة في مطار بغداد.

 (*) لم يكن ثناء ومديح الرئيس ترامب للزيدي في المكتب البيضاوي مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كان إعلاناً وعن قناعة قد تكون راسخة لولادة النسخة العراقية من “نموذج أحمد الشرع” في سوريا— الرجل القوي الشاب والبراغماتي القادر والمتمكن الذي أنها النفوذ الإيراني وإعادة صياغة توازنات الشرق الأوسط بما يضمن المصالح الامريكية.  

في عرف الدبلوماسية الامريكية تُعد إحاطة الرئيس بالمعلومات والملفات الدبلوماسية الدقيقة الملقبة بـ “الكتب الوجيزة” بروتوكولاً صارماً يقوم به كل من مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية قبل أي لقاء رسمي . ولكن طبيعة “ترامب” السياسية والخطابية تميل إلى الارتجال والبهرجة الاعلامية كنجم تلفزيوني عالمي وتفضيله الانطباعات الشخصية على قراءة التقارير الرسمية الطويلة الجافة، حيث يفضل تقييم القادة بناءً على “الكيمياء المشتركة” مع نظرائهم ؟ ولذا فقد أفرز لنا اللقاء الثنائي في المكتب البيضاوي بين “ترامب و الزيدي ” (1) كوداً تشغيلياً خاص لخارطة طريق جديدة لإدارة الدولة العراقية، واضعاً بغداد أمام مسار سياسي وأمني غير مسبوق ؟ ومن خلال متابعة المؤتمرات الصحفية داخل المكتب البيضاوي، نرى كثيرآ بأن “ترامب” لا يهتم بالآليات الدستورية الداخلية للدول الأخرى “مثل آلية اختيار رئيس الوزراء عبر الكتلة الأكبر أو التوافق البرلماني في العراق ” ولكن ما يهمه هو إرسال رسالة قوة وثقة بالطرف الآخر ؛ فوصفه للزيدي بـ “البطل الذي فاز بجدارة بالانتخابات البرلمانية ” ــ على الرغم من أنه لم يشارك بها ولم يكن له أي دور سياسي ــ يمنح الأخير زخماً سياسياً ودعماً أمريكياً علنياً في ملفات ساخنة مثل مواجهة الفساد ونزع سلاح الفصائل المنفلتة ؟ لذا فإن محاولتنا لتفكيك ” الشيفرة الجينية” لهذا المؤتمر ومن لغة الجسد، والنبرة، والمضامين الاستراتيجية المرتقبة يكشف عن صناعة أمريكية واضحة لنموذج حكم مدعوم بالكامل لولاية كاملة، ولكنه حتما سوف يقابله في الداخل العراقي استنفار بروتوكولي وقانوني من الفصائل الولائية التي بدأت بإشهار اعتراضها من الان ومن خلال الاجابة الدبلوماسية للزيدي حول مقتل القادة “سليماني والمهندس” والتي شكلت صدمة للفصائل الولائية التي لم تتوقع ان يكون الرد من قبل “الزيدي” بهذه الصورة والتي راتها مجرد خنوع خارج سياق المواجهة التي تفضله . لذا فأن المشهد السياسي والأمني في العراق ومرحلة ما بعد عودة “الزيدي” من واشنطن سيدخل في نفقاً شديد التعقيد فالرجل الذي غادر بغداد كرجل أعمال برتبة رئيس وزراء لحكومة تسوية، عاد إليها وفي جعبته “تعهدات مشروطة” من إدارة “ترامب” ترسم ملامح حاسمة لملف السلاح والاقتصاد ولكن الصدام الحقيقي لن يبدأ فقط من أروقة البرلمان ، بل من مطابخ الفصائل الولائية وقوى الإطار التنسيقي والتي سوف تستبق وصوله بتهيئة “مصدات استراتيجية” تعتمد على الحرب النفسية والقانونية، وإشهار سيف الابتزاز المالي لتجريده من اندفاعته الدولية وتفكيك أوراق قوته قبل أن يبدأ بالتحرك , حتى وان كانت عودته محملاً بـ “ضوء أخضر” وتعهدات حاسمة لرسم ملامح مرحلة ما بعد 30 أيلول 2026. تدرك اليوم الفصائل الولائية وقوى الإطار التنسيقي خطورة هذه التفاهمات، فقررت عدم انتظار الصدام العسكري، بل استباقه بإشهار “سيف الابتزاز القانوني والمالي” لتجريد الزيدي من اندفاعته المدعومة أمريكياً وتحويله من الهجوم إلى الدفاع عن شرعيته الشخصية , ومما يوحي إليك من خلال متابعتنا لهذا اللقاء بان “الزيدي” استخدم أسلوب الإيجاز والاختصار مما يعكس تلقيه تدريباً بروتوكولياً عالياً  ويُعطي انطباعاً أنه رجل أفعال لا أقوال، وهو الأسلوب الذي يفضله “ترامب” شخصياً.


لم تكن الفصائل الولائية بحاجة لانتظار انتهاء زيارة الأيام السبعة او الثمانية للزيدي؛ إذ شكّلت تصريحات “ترامب” المتباهية داخل المكتب البيضاوي بشأن اغتيال “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” كطوق نجاة او كـ “صاعق عقائدي” الذي فجّر لنا مشهد المواجهة مبكراً. حيث جاء رد الأمين العام لحركة النجباء، الشيخ أكرم الكعبي، ببيان شديد اللهجة أعلن فيه أن “رموز المقاومة يشرّفون رأس ترامب العفن” وتزامناً مع بيان عائلة “المهندس” الذي نزع الشرعية عن “الزيدي” معتبراً إياه “غير جدير بقيادة المستقبل” وعراباً لمشروع تفكيك مؤسسة الحشد الشعبي ؟ ولذا لإان قراءة المواجهة والصدام المرتقب قد تجاوزت الفصائل الولائية هنا استراتيجية الغرف المغلقة، وحوّلت صمت “الزيدي” اللبق وتجاوزه للملف الاغتيال في البيت الأبيض إلى “إدانة سياسية” تضربه في صلب مشروعيته الوطنية ؟ ولذا سيكون تكتيك “الكمين البرلماني” ومن خلال الأصوات داخل قبة البرلمان سوف تتعالى الآن مدفوعة ببيانات حركة النجباء والغطاء العقائدي للمهندس؛ والهدف التشغيلي لهذا التحرك ليس مجرد نقد بروتوكولي، بل نراها إذا أحسنوا استخدام ادواتها ستكون هندسة “جلسة مساءلة استباقية” فور هبوط طائرته في بغداد. وهذا الحراك يسعى لتحويل بنود خارطة الطريق (من عقود كهرباء ونفط لشركات أمريكية) إلى “شبهة تخابر وتنازل عن السيادة” وتطويق رئيس الوزراء ببيئة نيابية معادية تجعل من أي خطوة باتجاه نزع السلاح بمثابة انتحار سياسي يُمهد لسحب الثقة عبر الأغلبية المريحة للإطار التنسيقي الحاكم . فبينما كانت الفصائل تخطط لاستخدام ملفات “شركة الأويس” على المدى المتوسط لابتزازه، منحهم تصريح “ترامب” حول اغتيال ومقتل “سليماني والمهندس ” والشركات الأمريكية “الغطاء الشعبي والعقائدي” لنقل المعركة فوراً إلى البرلمان دون انتظار، مما يضع الزيدي بين فكي كماشة: المساءلة العقائدية في البرلمان من جهة، والابتزاز المالي بملفات شركة الأويس من جهة أخرى.

ولذا فأن الاستراتيجية الاستباقية التي نتوقعها للفصائل الولائية لن تكون مواجهة عسكرية مفتوحة في الشارع لتجنب تأليب الرأي العام الداخل والخارج على الأقل حاليآ ،بل ستتخذ مسارين موازيين:

  • الردع التشريعي ومن خلال استخدام الأغلبية البرلمانية للإطار التنسيقي والفصائل الولائية لتعطيل وعرقلة الاتفاقيات النفطية والاستثمارية الاقتصادية الكبرى التي أبرمها الزيدي مع الشركات الأمريكية , لأن الاستثمارات الغربية لن تتدفق بهذه السهولة التي يتوقعونها وبالاخص بوجود بيئة شديدة العدائية ومهددة بالسلاح المنفلت والطيران المسير الانتحاري.
  • حرب الاغتيال السياسي بالوثائق والملفات ومن خلال التحرك نحو الخاصرة الرخوة للزيدي المتمثلة في تاريخه التجاري قبل تسلمه السلطة ونظراً للحصانة الدولية الكبيرة التي سوف يتمتع بها “الزيدي” فلا نستبعد ان تتجه الفصائل الولائية ومن خلال نوابهم في البرلمان لاستخدام “الحرب القانونية والإعلامية” لتدمير رمزيته كقائد شاب لان المحرك الأساسي لهذه المعركة هو الوثائق والمستندات الخاصة بـ “شركة الأويس للتجارة والمقاولات العامة والتجهيزات الغذائية” 

وبناءا على هذه المعطيات سوف يقف “الزيدي” بعد عودته من واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما : إما خوض “معركة كسر عظم” شاملة لقلب طاولة الحوار على الجميع ومستنداً إلى الغطاء السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المطلق لترامب لتفكيك السلاح المنفلت وإنهاء الأثر الاقتصادي والسياسي الإيراني ، أو الانصياع لقواعد المساومة التقليدية لحماية تاريخه الاستثماري، ليتحول إلى رئيس وزراء تسيير أعمال يشتري الاستقرار المؤقت على حساب التزاماته الدولية .

في خضم هذه المعادلات الصفرية وصراع الشيفرات الاستراتيجية بين العواصم والقصور، تبرز الحقيقة الأكثر مرارة في المشهد العراقي: المواطن الفقير هو دائماً “الوقود المنسي” في قمرة القيادة. بينما تتصارع النخب حول بنود خارطة طريق دولية أو ملفات تريليونية تُبقي السيف مصلتاً فوق رؤوس السياسيين، يجد الإنسان البسيط نفسه محاصراً داخل دائرة مغلقة؛ تُقاس حياته اليومية بمؤشرات قيمة الدينار أمام الدولار، وجاهزية الخدمات الأساسية التي تتحول في كل مرة إلى أوراق ضغط ومساومة بين أطراف النزاع. إن أحلام المواطن في بغداد أو البصرة أو الموصل لا تتجاوز حدود العيش الكريم، والأمان المستدام، والاستقرار الذي يضمن له قوت يومه ومستقبل أبنائه دون الخوف من تصعيد أمني مفاجئ أو شلل اقتصادي ناتج عن تصفية الحسابات فيما بين الأحزاب الحاكمة . لكن في صراع “كسر العظم” الحالي، يبدو أن تطلعات هذا المواطن قد جُمِّدت في أدراج الانتظار، ليظل الطرف الأضعف الذي يدفع الفاتورة الأقسى من واقعه ومعيشته، وسط مشهد سياسي يستمر في إعادة إنتاج أزماته على حساب الإنسان والأرض.

sabahalbaghdadi@gmail.com(1) https://www.youtube.com/watch?v=ujTwYfAaF1M

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com