أمّ المعارك والوعد الصادق..سردية صدّام وخامنئي

31 مارس 2026
أمّ المعارك والوعد الصادق..سردية صدّام وخامنئي

صباح البغدادي

الحرب التي ما تزال مستعرة، والتي دخلت يومها الثاني والثلاثين، لا تقاس بمقاييس الحروب التقليدية التي تُحسب بالأشهر أو السنوات ؟ صحيح أن تداعياتها الاقتصادية العالمية – من اضطراب أسواق الطاقة إلى ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على سلاسل التوريد – ستستمر لسنوات طويلة حتى يستعيد الاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة عافية توازنهما السابق ولكن النتائج العسكرية المباشرة تبدو لنا، في ظاهرها وليس في باطنها ، أقصر أجلاً بكثير من معظم توقعات حتى اغلب المحللين ؟ والمتابع منذ البداية خطابات وتصريحات ادارة البيت الابيض ، حيث نلاحظ تكرار الرئيس “ترامب” وفريقه في مجلس الأمن القومي تقديراً زمنياً واضحاً يتمثل ما بين ” أربعة إلى ستة أسابيع ” كحد أقصى لإنجاز الأهداف العسكرية الرئيسية .

اليوم، وبعد مرور أكثر من شهر على بدء العمليات في 28 شباط  ، يبدو أن الإدارة الأمريكية تقترب من هذا الإطار الزمني ، أو قد تتجاوزه قليلاً حسب بعض التصريحات الرسمية والتي تؤكد أنها ” تتقدم أمام الجدول الزمني” لكن إذا راجعنا الواقع الميداني والسياسي فإننا نرى أنه أعقد بكثير مما يروج له في الاعلام حاليآ . فالرئيس “ترامب” أصبح يتحدث عن إمكانية إعلان وقف إطلاق نار من طرف واحد في أي لحظة ، خاصة مع دخول الحرب أسبوعها السادس . ونستطيع ان نصفه بأنه نتائج ضغوط داخلية وخارجية واهمها ارتفاع أسعار الطاقة والتي سوف لن تتحملها دول العالم لأكثر ليس اسابيع وانما اشهر طويلة  ونستطيع ان نصفها كذلك بأنها قد تكون أشبه بـ ” استراحة محارب” أو هدنة مؤقتة لغرض التقاء الانفاس، لتسمح بإعادة تقييم الموقف الاقتصادي والسياسي أو الضغط الدبلوماسي ولكن مثل هذا السيناريو يبدو لنا بعيداً عن الواقع المتغير بسرعة ، لأن تفكير ترامب – كما يظهر في تصريحاته المتتالية – أصبح يتبدل يومياً، بل ساعة بساعة أحياناً. والتحليل لهذا التذبذب ليس مجرد شخصي أو عشوائي بل يعكس ديناميكية استراتيجية معقدة داخل الإدارة الأمريكية والمعارض والمؤيد لان من جهة : ترامب يريد إنهاء “المهمة” بسرعة ليعلن انتصاراً سياسياً داخلياً، خاصة مع اقتراب مواعيد سياسية أو اقتصادية حساسة وليس أهمها الانتخابات الكونغرس القادمة . وتصريحاته المتكررة عن “التقدم الكبير” و”تدمير القدرات الإيرانية” تهدف إلى رسم صورة نصر سريعة لغرض ان يتقبلها الراي العام الداخلي الامريكي ؟

ولكن بالمقابل ومن جهة أخرى فأن الواقع الميداني يفرض نفسه. إيران ما زالت قادرة على إطلاق موجات صاروخية ومسيّرات ، وإغلاق مضيق هرمز جزئياً أو تهديد الملاحة، مما يرفع التكلفة الاقتصادية العالمية وكما أن الضغط من إسرائيل والحلفاء الإقليميين يدفع نحو استمرار الضربات حتى تحقيق أهداف أكثر جذرية (تدمير البرنامج الصاروخي والنووي، أو إضعاف الحرس الثوري بشكل حاسم) وهذا التناقض اليومي في الخطاب – بين “المحادثات تسير على ما يرام” وتهديدات “تدمير المنشآت النفطية والكهربائية ” او عمليات الانزال المرتقبة لاحتلال جزر التصدير النفطية  – يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي المتعمدة أحياناً . اي إنه أسلوب تفاوضي يستخدم الضغط العسكري تحت قصف الصواريخ والقنابل كورقة دبلوماسية، لكنه يحمل مخاطر مما قد يدفع إيران نحو تصعيد أكبر، أو يؤدي إلى هدنة هشة لا تحل المشكلات الجذرية. لان هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة المدة؛ إنها اختبار لقدرة الأنظمة على تحويل الخسائر المادية إلى سرديات بقاء أنظمتها بمقابل ازالتها او حتى استبدالها  ، وقدرة الطرف الآخر على فرض نهاية تتناسب مع أهدافه بالنصر الإلهي الساحق على الاعداء الشيطان الأكبر والاصغر . والأيام القليلة المقبلة – سواء أعلن وقف إطلاق نار أم استمرت الضربات – ستحدد ما إذا كانت هذه “الأسابيع الستة” نهاية حقيقية، أم مجرد فصل أول في صراع أطول وأعمق تداعيات .

وعودة على بدء , نجد اليوم نجد أنفسنا أمام سيناريو تاريخي مكرر بكل تفاصيله المأساوية : نظام يرفض التنازل المبكر، يدفع ثمناً باهظاً في البنية التحتية والصناعية والاقتصادية والقدرات العسكرية، ثم يحوّل الهزيمة الماساوية الفجعة المادية إلى “نصر إلهي” و”صمود أسطوري”  تماماً كما فعل الرئيس الراحل “صدام حسين” عام 1991 عندما سمّى الهزيمة الساحقة في الكويت بـ “أم المعارك”، بينما سمّاها العراقيون ساخرين “أم المهالك” .

والدرس العراقي الذي لم يُتعلم منه الايرانيون لغاية الان لانهم القيادة الدينية والسياسية سوف يجبرون اخيرا على الجلوس على طاولة المفاوضات ليس لغرض تغير النظام وانما على الاقل لغرض وقف القصف الجوي المتواصل والذي سوف ياتي على ما تبقى لهم من بنية تحتية اذا لم يسارعوا لانقاذ ما يمكن انقاذه ولكن نتذكر كيف نصح الرؤساء العرب وعلى رأسهم الرئيس الراحل “حسني مبارك” صدام بالانسحاب من الكويت قبل أن يُدمَّر الجيش والاقتصاد. رفض صدام، أخذته “العزة بالإثم”، فجاءت “عاصفة الصحراء” ودمّرت قدرات العراق العسكرية وبنيته الصناعية العسكرية والمدنية والاقتصادية. ثم حوّل النظام الهزيمة إلى “نصر معنوي” و “أم المعارك” مستخدماً خطاباً موجهآ “دينياً -قومياً ” يُصوّر المعركة على أنها مواجهة مع “الإمبريالية” العالمية والنتيجة؟ كانت بداية النهاية لحكم البعث، ودخول العراق في عقد من العقوبات الذي انتهى بغزو 2003 … واليوم، تكرر القيادة الايرانية السيناريو نفسه حرفياً تحت اسم ” الوعد الصادق 4”.

والحرس الثوري يعلن موجات صاروخية متتالية  ( وصلنا إلى الموجة 88 حسب آخر البيانات ) وبينما تُدمَّر منشآت إنتاج الصواريخ في معظم المدن والمحافظات الايرانية وتدمير اكثر من 80% من أنظمة الدفاع الجوي، ومصانع الصلب الرئيسية في خوزستان ومباركة ، وموانئ في هرمزغان، ومنشآت نفطية في جزيرة خارك والضربات لم تقتصر على المنشات والقواعد والمعسكرات العسكرية ؛ بل طالت بنى تحتية مدنية واقتصادية ومصانع تحتاج الى اعادة احياءها اموال طائلة ناهيك الى سنوات طويلة كان الاجر بهم القبول والموافقة على الشروط الامريكية ورفع الغقوبات والعدوة الى المجتمع الدولي ؟ لكنهم ما يزالون مصرين على تحويل هذه الخسائر المأساوية إلى آلية التحول السردي للاحتفال بالنصر الالهي وقد يتسائل البعض لماذا أذآ يصر النظام على الاستمرار رغم الخسائر الواضحة؟ لان الجواب ليس فقط عسكرياً ، بل أنه في حقيقة الامر يندرج بصيغة “سياسياً – أيديولوجياً ” داخليآ لأن النظام الثوري الثيوقراطي يعتمد على ” سردية النصر الإلهي” للحفاظ على تماسكه الداخلي ووسط مؤيديه وشعبه والترويج في العقل الجمعي بأن الشيطان الأكبر (أمريكا) والأصغر (إسرائيل) هما العدو الكوني ، وكل ضربة تُقدَّم كـ”ابتلاء إلهي” يسبق ” النصر الالهي النهائي” وثل هذا الخطاب يُبرر التضحيات البشرية ، ويمنع التساؤلات الداخلية وحتى المسائلة البرلمانية عندما تضع الحرب اوزارها ، ويحمي شرعية الحرس الثوري والباسيج أمام قاعدته المتشددة لان التنازل المبكر يُعتبر “استسلاماً” يُفقد النظام هيبته داخلياً وخارجيا ، بينما “الصمود” يُعيد إنتاج الولاء حتى لو دُمِّرت الدولة بكاملها ظ ولكن التاريخ يعلّمنا أن السردية لا تبني مصانع ولا تُصلح موانئ ؟ بل انها في حقيقتها تكون مجرد أداة بقاء مؤقتة وعندما يتعارض الواقع المرير الماساوي من تدمير البنية التحتية التي نشاهدها اليوم بصورة مفجعة وخسائر في الطاقة تُقدَّر بـ25 مليار دولار لغاية هذا اليوم ومع العقيدة “نحن أمة الله المختارة”، يلجأ النظام إلى “إعادة صياغة الواقع” لان الهزيمة سوف لا يطلق عليها ولا تُسمى هزيمة ، بل تتحول الى سردية “ابتلاء” أو “مرحلة” في “الصراع الكوني” ضد “الشيطان الأكبر والأصغر” وهذا مما يحافظ على التماسك النفسي للقاعدة المتشددة وبالاضافة الى الترويج “الثنائية الضحية ” وإيران اليوم تمزج بينهما ببراعة لانها تروّج لـ”انتصارات عملياتية” عبر موجات صاروخية متتالية وفي الوقت نفسه تُصوّر نفسها ضحية “هجمات غير متناسبة” أمريكية-إسرائيلية وهذا يبرر الخسائر داخلياً ويطالب بالتعاطف خارجياً  ويبقى تركيز القيادة الايرانية وحتى الفصائل الولائية العقائدية في العراق بتغليفها بسردية “الإطار الديني-الكوني ” لغرض أن يحوّل الصراع من “سياسي/عسكري” إلى “جهاد إلهي” وهو نفس الاسلوب أو السيناريو الذي سعى اليه الرئيس الراحل “صدام” عندما  استخدم “أم المعارك” كـ”منازلة كبرى” مع الإمبريالية والاستكبار العالمي وإيران تستخدم “الوعد الصادق” كـ”وعد إلهي” يسبق “النصر النهائي” والشهداء والمدنيين الضحايا والصواريخ يصبحون رموزاً مقدسة، والخسائر “تضحيات” تُكسب أجراً لهم في الاخرة ؟ وبعد انتهاء هذه الحرب سوف نشاهد من على شاشات التلفزة وفي المهرجانات الخطابية المنتظرة للشعراء والمثقفين والادباء ومناصرين الفصائل الولائية المسلحة والرمزو الثقافية والشعراء يتهافتون لغرض تخليد هذه المنازلة الوعد الصادق والعصف الماكول وكما فعل الرئيس الراحل صدام عندما كرَّم شعراء “أم المعارك” بمراسيم جمهورية وانواط شجاعة وهبات مالية وقطع اراضي واليوم إيران تستخدم المساجد والحسينيات والميليشيات لنشر “ثقافة الشهادة” من اجل النصر الالهي المنتظر والذي سوف يتم الاحتفال به من خلال الخروج بمظاهرات صاخبة جدآ واطلاق نار في الهواء واستعراضات عسكرية ؟ ولكن في المقابل سوف تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي وبعد ان تضع الحرب اوزارها من السخرية الشعبية المضادة وكما العراقيون ابتكروا “أم المهالك” أو “أم الهزائم” ففي إيران، السخرية سوف تظهر جليا ليس فقط في الشوارع والميادين العامة والمقاهي ولكن سوف تكون هناك حرب اخرى مستعرة ومن خلال مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الرغم من الرقابة الامنية ، لغرض ان تُكسر السردية الرسمية فيما بعد .

وما نراه اليوم هو السيناريو متطابق في الشكل وحتى المضمون من حيث رفض التنازل المبكر وإخراج الجيش العراقي من الكويت ؟ لان التصعيد يؤدي إلى تدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية لذا 

تحويل الخسائر المادية والبشرية إلى سردية نصر إلهي على “الشيطان الأكبر والأصغر” ودلية الهزيمة” وتشير إلى التناقض أو الديالكتيك بين الواقع الماساوي المر ( الهزائم العسكرية أو الاستراتيجية) والتفسير “الديني/الأيديولوجي أو القومي ” والذي يحولها إلى “ابتلاء” أو “مرحلة” نحو النصر النهائي وإيران تكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه صدام لان من الناحية البراغماتية البحتة (التكلفة-الفائدة)، كان التنازل المبكر أقل كلفة بكثير والتاريخ يشهد أن الأنظمة التي ترفض “الخروج بأقل الخسائر” غالباً ما تدفع ثمناً أكبر بكثير مما كان يمكن أن تدفعه لو قبلت بالشروط في البداية (مثل صدام 1990 ، مثل الأرجنتين في جزر فوكلاند، مثل صدام مرة أخرى في 2003) وقد يكون الى الاخر رؤية أخرى لأن هناك قد يكون سببين رئيسيين يجعلان هذا “التنازل المبكر” نادراً جداً ومنها شان الداخلي لان التنازل يُرى كـ”استسلام”، فيفقد النظام شرعيته أمام قاعدته المتشددة (الحرس الثوري، الباسيج، الخطاب الثوري)

والسردية الإلهية “نحن نواجه الشيطان وسننتصر” وهي أداة بقاء داخلية أقوى من أي حساب اقتصادي والبعد الاستراتيجي يتمثل بان النظام يراهن على أن “الصمود” سيجبر الخصم على التراجع أو يحقق مكاسب سياسية طويلة الأمد (مثل رفع العقوبات لاحقاً بشروط أفضل، أو تعزيز صورة “المحور الممانعة والمقاومة” ولكن عملياً وعلى ارض الواقع تبقى الأنظمة الثورية نادراً ما تفعل ذلك، لأن البقاء السياسي الداخلي أهم لديها من البقاء المادي للدولة ولذا فإن ” سرديات النصر الالهي ” المنتظر ان يروج لها بصورة ملفتة للنظر ومن خلال المهرجانات الصاخبة التي سوف تحيها على الاقل في العراق الفصائل الولائية العقائدية وهي سلاح فعال سيكون هيمنتها على على القرار السيادي الحكومي وبقاء للأنظمة الثورية ،

ولكنها ستكون سم قاتل لهيبة الدولة وقرارها السيادي بعد إعلان هذا النصر الإلهي المنتظر ؟ وتحول الهزيمة المادية إلى “انتصار إلهي” يُطيل عمر النظام الإيراني على حساب الشعب والبنية التحتية. وكما ان العراق دفع الثمن غاليا من انه تحول من دولة مركزية لها هيبتها الى دولة مشتت يحكمها امراء الطوائف والحرب ” 1991-2003 ” واليوم إيران تدفعه الآن لانه ليس “من يفوز في السردية؟ ” بل “من سيبقى ليدفع فاتورة الإعمار البنية التحتية بعد انتهاء الخطابات النصر الإلهي ؟ ” والنصر السردي الذي يُروَّج له اليوم في طهران سيكون، كما في بغداد عندما تم الدخول الى الكويت 1990 والتي كانت بداية النهاية وليس نهاية البداية لان الهزيمة المادية (تدمير القدرات الصاروخية والصناعية والبنية التحتية ) لا تُمحى بخطاب ديني او قومي ؟ ولكن يبقى تخوفنا  والأخطر بأن نظرية ” النفط مقابل الغذاء بنسخته الثانية الايرانية 2.0 ” قد يتم الترويج لها في الاسابيع القادمة ؟ صحيح لن يعيد بناء إيران ؛ بل سيُطيل عمر النظام الثيوقراطي على حساب الشعب ، وسيُعيد إنتاج نفس السيناريو العراقي :   “صمود , عقوبات , فساد , انهيار ” صحيح ان التاريخ قد لا يعيد نفسه حرفياً ، ولكنه يردد تحذيراته ويسمع صداه ؟ اليوم إيران تقف اليوم على مفترق طرق : إما تنازل مبكر يحمي ما تبقى من الدولة ، أو إصرار يحوّل ” الوعد الصادق ” إلى ” أم المهالك ” بنسخته الإيرانية ؟ ويبقى الزمن وحده سيحكم ؟ هل كان فعلا نصر إلهي أم هزيمة ماساوية ؟ .

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com