اسرائيل ومعاداة قطر

31 مارس 2026
اسرائيل ومعاداة قطر

 
فارس الخطاب

كاتب عراقي – لندن
 
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لم تعد التحركات الإسرائيلية تُقرأ فقط في إطارها العسكري المباشر، بل ضمن شبكة أوسع من الضغوط السياسية والإعلامية وإعادة تشكيل موازين القوى. ومن بين الدول التي تبدو في مرمى هذا التشكيل غير المعلن تبرز قطر، ليس باعتبارها طرفًا تقليديًا في الصراع، بل لكونها لاعبًا مختلفًا يمتلك أدوات تأثير ناعمة تتجاوز الجغرافيا.
 
قطر لم تكن يومًا دولة صدام، لكنها كانت دائمًا دولة حضور. هذا الحضور تجلى في ملفات الوساطة الدولية، وفي قدرتها على فتح قنوات مغلقة بين أطراف متخاصمة، وفي احتفاظها بخيط تواصل مع الجميع تقريبًا. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الإشكال: فالدولة التي تستطيع أن تتحدث مع الجميع، تُزعج من يريد فرض رواية واحدة أو مسار واحد.
 
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الحرب على غزة، برز الدور القطري بشكل أكثر وضوحًا، سواء عبر الوساطات أو عبر الدعم الإنساني. هذا الدور لم يكن مريحًا لإسرائيل، التي تفضّل بيئة إقليمية أكثر انضباطًا وفق رؤيتها، وأقل قابلية للاختراق عبر قنوات غير تقليدية. لذلك، فإن استهداف قطر، إن لم يكن عسكريًا فهو سياسي وإعلامي، يصبح جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ضبط المشهد.
 
ولم يعد هذا الاستهداف مجرد قراءة تحليلية أو استنتاج سياسي، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر وضوحًا داخل المؤسسات الإسرائيلية نفسها. فطرح مقترح مشروع قانون من قِبل زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، في الكنيست الإسرائيلي لتصنيف قطر “دولة معادية” ليس خطوة عابرة، بل مؤشر على انتقال الخطاب من التلميح إلى التقنين، ومن الضغط غير المباشر إلى محاولة خلق إطار رسمي للتصعيد. ورغم أن هذا المشروع لا يزال في طور الطرح ولم يتحول إلى قرار نهائي، إلا أن مجرد تقديمه يعكس اتجاهًا سياسيًا داخل إسرائيل يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع قطر، ليس كوسيط، بل كخصم. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة: حين تتحول الدولة التي تلعب دور الجسر إلى هدف. الاستهداف هنا لا يعني بالضرورة مؤامرة تقليدية، بل قد يتخذ أشكالًا أكثر نعومة: حملات تشويه، ضغط دبلوماسي، أو حتى محاولات عزل تدريجي. إنها أدوات العصر، حيث تُخاض المعارك دون إعلان رسمي، وتُرسم الخطوط دون خرائط واضحة.
 
لعل الكثير من المحبين أو المبغضين لدور قطر الناجح كوسيط دولي يتساءلون: لماذا قطر تحديدًا؟ والإجابة ببساطة هي أولا؛ الاستقلال النسبي في القرار السياسي القطري، وهو ما يمنحها هامش حركة لا يتوفر لكثير من الدول. ثم امتلاكها أدوات إعلامية مؤثرة قادرة على تشكيل الرأي العام، وهو عنصر حاسم في أي صراع معاصر. وأخيرا دورها كوسيط موثوق لدى أطراف متناقضة، وهو ما يجعلها حلقة يصعب الاستغناء عنها أو السيطرة عليها.
 
من هنا، فإن الدعوة إلى “حماية قطر” لا تعني الاصطفاف العاطفي، بل تعني إدراك أهمية التوازن في المنطقة. فإضعاف أي طرف يمتلك قدرة على الوساطة والتواصل لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من الانغلاق والتصعيد. والمعادلة اليوم ليست بين دول متواجهة فحسب، بل بين نماذج مختلفة لإدارة السياسة: نموذج يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة، ونموذج يحاول، رغم كل التحديات، إبقاء باب الحوار مفتوحًا. وقطر، بكل ما لها وما عليها، تمثل أحد أبرز تجليات هذا النموذج الثاني. لذلك، فإن حماية قطر ليست دفاعًا عن دولة بعينها، بل دفاع عن “فكرة”: فكرة أن المنطقة لا تزال بحاجة إلى من يجيد لعب دور الجسر، لا فقط من يتقن بناء الجدران. في النهاية، قد لا تكون قطر الهدف الأكبر، لكنها بالتأكيد إحدى العقد الأساسية في شبكة إقليمية معقدة. وإذا ما تم تفكيك هذه العقدة، فإن ما يليها لن يكون أقل خطورة.
 
احموا قطر… لأن البديل ليس مجرد تغيير في التوازن، بل ربما فقدان آخر المساحات المتبقية للعقل في منطقة أنهكتها الحروب.

فارس الخطاب

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com