رمزي ميركاني
دعت منظمة العفو الدولية الحكومة العراقية إلى الكشف عن مصير 643 شخصاً اختُطفوا على يد قوات الحشد الشعبي، مطالبةً بوضع استراتيجية شاملة للبحث والتحقيق في هذه القضايا. وفي الذكرى العاشرة لاختطاف هؤلاء الأشخاص (وجميعهم من الذكور)، شددتالمنظمة على ضرورة اتخاذ السلطات العراقية إجراءات ملموسة للكشف عن مصير ومكان وجود الذين اختفوا قسرياً عام 2016 في مدينة الفلوجة على يد فصائل في الحشد الشعبي.
قبل عشر سنوات، شكّل حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي آنذاك، لجنة لمتابعة ملف هؤلاء المفقودين والانتهاكات التي ارتكبتها مجموعات مسلحة في مدينة الفلوجة. غير أن هذه اللجنة لم تكشف حتى الآن عن أي نتائج، ولم تستدعِ أي شخص للمساءلة، باستثناء تقريرٍ رُفع إلى رئاسة الوزراء أكدت فيه اختفاء 643 رجلاً وصبيّاً في بلدة “الصقلاوية”، رغم تأكيد عائلات الضحايا أن الأعداد الحقيقية تفوق ذلك بكثير.
تشير الإحصائيات منذ عام 2014 وحتى اليوم إلى وجود أرقام مهولة للمفقودين؛ إذ سُجل أكثر من 8 آلاف مفقود في مدينة الموصل، وما يزيد عن 15 ألفاً في قضاء الدور بمحافظة صلاح الدين، وأكثر من 3 آلاف في الأنبار، وألفين في ديالى. ومن جانبها، أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنها تلقت منذ نهاية عام 2017 وحتى الآن نحو 8 آلاف شكوى تتعلق بأشخاص مختفين ومفقودين لا يزال مصيرهم مجهولاً، فيما لم تتجاوز نسبة من كُشف عن مصيرهم 1% من إجمالي المفقودين.
إن ضحايا الاختفاء القسري ليسوا المفقودين وحدهم، بل عائلاتهم التي تعيش عذاباً مستمراً جراء ضبابية مصير ذويهم. ولم تفلح الحكومة العراقية في تقديم إجابات شافية أو حتى تعويضهم عن معاناتهم؛ إذ تسببت حالة “اللا معرفة” بمصير المفقود (أحيٌّ هو أم ميت؟) في تعقيدات قانونية وإرثية واجتماعية جسيمة، وحرمت العائلات من الكثير من حقوقها واستحقاقاتها.
شهادات عيان من بلدة الصقلاوية، التي فرَّ أهلها عام 2016 من بطش تنظيم “داعش” ليواجهوا مصيراً مجهولاً، تؤكد أن المجموعات المسلحة التي احتجزت الرجال كانت ترفع شعارات وترتدي ملابس تابعة للحشد الشعبي. وحتى اللحظة، لم يعلن الحشد مسؤوليته ولم يصدر أي تصريح يوضح ملابسات تلك الأحداث، لتبقى العائلات في رحلة بحث مضنية بلا جدوى. وتتحدث شهادات لنساءٍ شهدن الأحداث عن تعرض ذويهن لتعذيب وحشي، بل وصل الأمر إلى دفن بعضهم أحياءً، في مآسٍ فقدت فيها بعض النسوة ما يصل إلى 15 فرداً من أقاربهن (الأزواج والإخوة والأبناء).
وفقاً لتقرير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري، فإن العراق سجل اختفاء ما بين 250 ألفاً إلى مليون شخص منذ عام 1968 وحتى الآن، مما يجعله واحداً من أكثر دول العالم تسجيلاً لأعداد المفقودين.
ورغم البرقيات المتكررة التي وجهتها منظمة العفو الدولية لمكتب رئيس الوزراء منذ عام 2016 للمطالبة بنتائج التحقيقات، لم يرد أي رد رسمي يكشف الحقائق. وفي نيسان 2023، حثت اللجنة الأممية العراق -عقب زيارة رسمية- على ضرورة تشريع قانون يُدرج “الاختفاء القسري” كجريمة مستقلة في القانون المحلي، مع وضع استراتيجية وطنية للبحث وتطوير الطب العدلي لتحديد هويات الضحايا وإعادتهم لذويهم.
إن المعضلة القانونية الكبرى تكمن في أن القانون العراقي لا يُصنف الاختفاء القسري كجريمة بحد ذاتها حتى الآن، مما يمنع محاسبة المتورطين بموجب هذا التوصيف. لذا، بات لزاماً على مجلس النواب الإسراع في صياغة وتشريع قانون خاص بهذا الشأن، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وتحقيق العدالة لضحايا جرائم لا تقل بشاعة عن القتل العمد.



















































