حميد عقبي
تبدو تجربة المغنية والملحنة العبرية ديكلا، من التجارب التي يصعب اختصارها في تسمية موسيقية واحدة. ففي صوتها شيء من الأغنية العربية المصرية القديمة، وفي ألحانها أثر من موسيقى الروك والبوب والموسيقى الإلكترونية، ولكن تظل الأغنية العبرية هي المجال الأساسي الذي بنت فيه شخصيتها. لم تصل إلى الانتشار الكبير سريعًا، لقد احتاجت إلى سنوات طويلة حتى انتقل صوتها من دائرة جمهور محدود والنقاد إلى مساحة جماهيرية أوسع. وربما تكمن أهمية تجربتها في هذا الإصرار على الاحتفاظ بصوت يصعب إدخاله كاملًا في قالب الأغنية المزراحية التجارية أو البوب الإسرائيلي المعتاد.
ولدت ديكلا دوري سنة 1973 في بئر السبع، وكانت الرابعة بين خمسة أبناء، ونشأت في أسرة تقليدية؛ أمها ربة منزل ووالدها عمل سكرتيرًا في صندوق للمرضى. والمتأمل في مسيرتها سيجد في حواراتها الصحفية تتعود وتتحدث عن طفولتها والبيت الذي كان يعج بالغناء وتتداخل فيه أصوات كثيرة. كان والداها يستمعان إلى الموسيقى العربية، بينما استمع إخوتها إلى الموسيقى الغربية والعبرية، وكان المبنى الذي عاشت فيه يضم عائلات جاءت من بيئات مختلفة.
هذه البيئة تفسر جزءًا من شخصيتها الموسيقية اللاحقة. فقد اختلط في ذاكرتها صوت آلة الخياطة التي كانت أمها وشقيقتها تستخدمانها طويلًا بأصوات أم كلثوم وفريد الأطرش التي كانت تسمعها في البيت. ولم تكن الموسيقى العربية بالنسبة إليها اكتشافًا جاء مع النضج أو محاولة لاحقة للبحث عن الجذور، وإنما كانت من أصوات الطفولة اليومية.
وعرفت مبكرًا، كما قالت عن نفسها، أنها تريد الغناء والكتابة والتلحين. وفي إحدى مقابلاتها لخصت الأمر بقولها إنها لم تختر ولم تقرر، وإنما «عرفت» منذ البداية، وكانت مقتنعة أيضًا بأنها لن تكون «مغنية عادية». ورغم أنها لم تتلق في طفولتها تدريبًا موسيقيًا منظمًا، لأن عائلتها لم تكن ترى أن حلم الاحتراف الفني أمر يمكن أن يتحقق بسهولة.
بدأت تغني أمام الجمهور في بئر السبع وهي شابة، ثم انتقلت إلى تل أبيب، وهناك أخذت تجربتها تتشكل بعيدًا عن بيت العائلة. وعندما صدر ألبومها الأول «حب، موسيقى» سنة 2000، كانت قد وصلت إلى صوت مختلف نسبيًا عما كان رائجًا. تؤكد سجلات المكتبة الوطنية الإسرائيلية أن ديكلا كتبت ولحنت مواد الألبوم، وتولى ران شيم طوف التوزيع والإنتاج الموسيقي. وضم الألبوم أغنيات منها «صباح الخير»، و«أختار أن أكون»، و«حب، موسيقى»، و«يا حبيبي»، و«اشتياق».
بعد عشرين عامًا، عادت ديكلا إلى ذلك العمل وقالت إن جزءًا كبيرًا منه ولد أثناء سيرها في الشوارع. كانت الألحان والجمل تأتيها وهي تمشي بين العمل والمنزل والاستوديو، ولم تكن الهواتف آنذاك توفر لها وسيلة سهلة لتسجيل ما يخطر في ذهنها، فكانت تكرر اللحن حتى تحفظه. ووصفت الألبوم بأنه كان «الصرخة الأولى» بعد سبعة وعشرين عامًا من الألم والفرح، مؤكدة أنها لم تكن وقتها تفكر كثيرًا في الإذاعة أو أحكام الجمهور.
وهذا يفسر خشونة ذلك الصوت الأول وحرارته.
ويمكن القول بوجود تأثيرات عربية مع الروك والتجريب في ذلك الألبوم، ويمكن ملاحظة أن الزخارف الصوتية عندها لم تكن نسخة من الغناء المزراحي الخفيف. ولاحظت القراءات النقدية المبكرة لأغانيها أن ميلها كان أقرب إلى الإرث الغنائي العربي الكلاسيكي، وخصوصًا أم كلثوم، ولم تضع نفسها في النموذج المتوسطي التجاري الذي كان واسع الانتشار .
تعمقت هذه الصلة سنة 2003 عندما قدمت مع الراقصة أوريت مافتسير عرض «يا جميل» والذي قام على أغنيات مصرية ارتبطت خصوصًا بأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ. وتبدو تلك الخطوة بأنها منطقية في مسيرتها؛ فهي لم تكن تستعير مادة غريبة عن تكوينها، لكنها بحب تعيد إلى المسرح أصواتًا عرفتها في بيتها.
ثم جاء ألبوم «عولام» سنة 2004، وبعده «أرلوزوروف 38» سنة 2010. وخلال كل هذه المراحل ظلت ديكلا تحظى باهتمام نقدي أكبر من نجاحها التجاري. وفي قراءة رافقت «أرلوزوروف 38» وُصفت موسيقاها بأنها أقرب إلى العربية الكلاسيكية من المزراحي الخفيف، مع ملاحظة اتساع التوزيعات لتستقبل عناصر إلكترونية وإيقاعات راقصة. كانت تبحث عن مساحة يستطيع فيها التطريب الشرقي أن يعيش إلى جانب أدوات موسيقية حديثة دون أن يذوب أحدهما في الآخر.
كما كتبت ولحنت لفنانين آخرين، ومن أبرز نجاحاتها خارج صوتها لحن أغنية «مونو» التي غناها شلومي سارانغا. وعندما سُئلت عما إذا كانت تأسف لأنها أعطت لحنًا حقق نجاحًا كبيرًا لمغنٍ آخر، أكدت أنها كانت ستفعل الشيء نفسه حتى لو عرفت مسبقًا حجم نجاح الأغنية. وتكشف لنا هذه الإجابة جانبًا من فهمها للحن والذي تعتبره عملًا يمكن أن يجد حياته في صوت آخر وليس ملكية ينبغي أن تحتفظ بها لنفسها وتمنعه ن الآخرين.
أما التحول الجماهيري الأكبر فجاء مع ألبوم «وإذا كان فراق» سنة 2014. هذه الأغنية التي أعطت الألبوم اسمه بناءً بسيطًا في ظاهره، وهنا أكدت على قيمة الذاكرة والغياب والرغبة في أن يظل السلام حتى عندما يتفرق الأحبة.
كتبت ديكلا الأغنية وشاركت في تلحينها وإنتاجها، واستطاعت من خلالها أن تجعل حزنها الشخصي قريبًا من مستمعين لم يكونوا بالضرورة جزءًا من جمهورها القديم.
وضم الألبوم كذلك «الساعة السابعة مساءً»، التي أصبحت من أغانيها المعروفة، وحقق العمل انتشارًا واسعًا منحها موقعًا جديدًا في المشهد الغنائي العبري. وتشير المواد المهنية الخاصة بمسيرتها إلى أن أغنية «الساعة السابعة مساءً» بقيت أسابيع بين أكثر الأغاني بثًا، ولقد ساعدها أيضًا نجاح أغنية «وإذا كان فراق» في حصولها على لقب مغنية العام في تصنيف شبكة جيميل.
تواصل المسار مع ألبوم «قصة متفائلة» سنة 2016، ومنه أغنية «هو يكتب لي: مامي» و«ماسكارا سوداء». وهنا أصبحت المفارقة التي تميز كثيرًا من أغاني ديكلا أكثر وضوحًا، فكلماتها تعمقت حول ثيمات عن الخسارة والوحدة والقلق و إيقاعاتها نشطة يمكن أن تدفع إلى الحركة والرقص. كأن الحزن عندها لا يحتاج دائمًا إلى موسيقى بطيئة كئيبة؛ لكنها تتحول إلى طاقة إيقاعية، ويبقى صوتها هو الذي يحتفظ بالجرح الداخلي للأغنية.
وفي «حرة» سنة 2020 واصلت تطوير هذا الخط، وبرزت أغنية «ثم سترين»، التي ظهرت لاحقًا أيضًا في صيغة مشتركة مع الموسيقي مارك إلياهو. ومع مرور السنوات أصبحت الحدود بين العربي والمتوسطي والبوب والروك أقل أهمية في تجربتها؛ فالعناصر التي كانت تبدو في بداياتها خليطًا غير مألوف أصبحت لغتها الطبيعية.
ثم عادت إلى المغامرة الجماعية في مشروع «أليفوت». ففي فبراير 2023 سافرت مع مجموعة من شركائها الموسيقيين إلى منزل قرب توسكانا في إيطاليا، وهنالك أعدوا استوديو وسجلوا خلال خمسة أيام سبع أغنيات. قالت لاحقًا إنها دخلت التجربة وهي خائفة من ذلك القلق الذي يصيب الفنان حين يتساءل إن كان نبع الإبداع سينضب يومًا. لكن الرحلة تحولت، بحسب وصفها، إلى واحدة من أقوى تجاربها الإبداعية.
ومن هذه المرحلة خرجت «أمواج أمواج» سنة 2024. وقد شرحت ديكلا الأغنية باعتبارها تذكيرًا لنفسها بأنها تفضل الحركة على البقاء في المياه الراكدة، وأن هذا الميل إلى الانتقال والتغيير رافقها طوال حياتها. تبدو العبارة مناسبة لمسيرتها كلها، فهي لم تستقر طويلًا داخل صيغة واحدة حققت لها النجاح، لكنها ظلت تجرب.
وفي نهاية 2025 أصدرت «ما لي وللرومانسية؟» بالتعاون مع تسليل كليبي ونداف «نافي» أهاروني. وتشير الروئ النقدية إلى تطور ملحوظ حيث تغيرت النبرة هنا قليلًا؛ فبعد سنوات من أغنيات الحب والفراق ظهر صوت امرأة تسخر من المطاردة الدائمة للحب.
قالت ديكلا إن حياتها تغيرت منذ دخول ابنتيها إليها، وإنها بعد سنوات من البحث وجدت مكانها الخاص. الأغنية لا تعلن العداء للحب ولكن الأكثر أهمية أن تحتفي بإمكان العيش من دون تحويل العلاقة العاطفية إلى شرط للسعادة.
وحمل عام 2026 نشاطًا واضحًا. صدرت أغنية «مريضة بالحب» في مايو، وهي أغنية روك عاطفية أعادتها إلى المناخ الدرامي الذي عرفه جمهورها، ثم أصدرت في يونيو «جمال مكسور» بمشاركة ماجي أزرزر، وهي أغنية بوب متوسطية تميل إلى الحديث عن قبول الذات والجمال غير الكامل. وأصبحت أغنية «جمال مكسور» عنوان أحدث ألبوماتها في 2026، وضم تسع أغنيات وفق صفحة ديكلا الموسيقية المحدثة.
بعد أكثر من ربع قرن من ألبومها الأول، تبدو ديكلا بأنها فنانة حافظت على خيط واضح رغم تغير الأساليب. فالموسيقى العربية التي سمعتها طفلة لم تبق ذكرى منزلية تحتاج أن تؤكدها لمجرد التذكير بأصلها العربي ولكنها جزء منها حتى وإن ظهرت كخلفية، وكذلك لم تتحول إلى زينة شرقية تضاف إلى الأغنية العبرية، ويمكن القول أنها دخلت في طريقة أدائها وفي ميلها إلى التطريب وإطالة الجملة وفي علاقتها باللحن والحزن. وفي المقابل لم تتوقف عند أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، تطور إبداعها وفتحت صوتها للروك والبوب والإلكترونيات والإيقاعات المتوسطية.
لذلك يمكن فهم تجربتها كمسيرة انتقال مستمر بين الذاكرة والحاضر. بدأت من بيت في بئر السبع تتجاور فيه الأغنية العربية مع الموسيقى الغربية والعبرية، ومرت بسنوات قاسية لم يمنحها فيها النجاح التجاري الشهرة، ثم وصلت متأخرة نسبيًا إلى جمهور واسع دون أن تتخلى تمامًا عن غرابة صوتها الأولى. والأهم أنها ما زالت، حتى أحدث أعمالها في 2026، تبحث عن صيغة أخرى للأغنية. وربما كانت عبارتها عن تفضيل الحركة على البقاء في المياه الضحلة أفضل تعريف اختارته بنفسها لمسيرتها، إذن ديكلا صوت يتحرك باستمرار، لكنه يحمل معه ذاكرته العربية أينما ذهب.
رابط مداخلة نقدية موسعة


















































