«ذوق الباعونية»
التصوف النسائي ومدارج الذوق الراقي عند المرأة
قراءة في الأثر، ودعوة إلى الاستثمار، واستشراف لترقية الأذواق
بقلم: د. محمد غاني *

«إذا كانت المرأة في طريق الله رجلا، فلا يقال لها امرأة» فريد الدين العطار، «تذكرة الأولياء»
«وشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله» ابن عربي، «فصوص الحكم»
تمهيد: كلمة تجري في لسانين
للذوق في لغتنا مجريان: مجرى ينزل به على اللسان فيميز الحلو من المر، ومجرى يصعد به إلى القلب فيميز الحق من الباطل، والجميل من القبيح. وقد كان من حسن حظ العربية أن جمعت المعنيين في لفظ واحد، فصار «الذوق» عندنا مصطلحا عرفانيا ومقولة جمالية في آن معا: مصطلحا عند أهل الطريق، ومقولة عند أهل الأدب والصناعة والعمران.
وأزعم في هذه المقالة أن هذا الاشتراك ليس مصادفة لغوية، بل هو كشف عن وحدة عميقة في بنية الوجدان الإسلامي: فالذوق الجمالي الراقي في الثوب والبيت والصوت والكلمة والمائدة ليس إلا الوجه الظاهر لذوق باطن هو معرفة الله بالمباشرة لا بالواسطة. وأزعم ثانيا أن أخصب مختبر لهذه الوحدة في تاريخنا هو إنتاج الصوفيات: النساء اللواتي حققن المعنى ذوقا، فأخرجنه صنعة وجمالا. وإنما آثرت التركيز على عائشة الباعونية ** وجعلها عنوانا ومدخلا رئيسا لهذا البحث، لكونها تمثل الذروة التأليفية والبيانية في تاريخ التصوف النسائي؛ إذ استطاعت أن تدمج بين رهافة الذوق العرفاني ورسوخ الصنعة البلاغية الرفيعة، مقدمة بذلك البرهان التاريخي الأتم على أن كمال المحبة يقتضي بالضرورة كمال الإتقان والجمال.
وأمضي في ذلك على ست خطوات: تحرير المفهوم، ثم بيان العلة في تخصص المرأة بهذا الميدان، ثم استعراض شواهد الأثر من إنتاج الصوفيات شرقا وغربا، ثم تصنيف مسالك ذلك الإنتاج، ثم تشخيص حال الحاضر، ثم اقتراح مداخل عملية لاستثمار هذا الرأسمال اللامادي في ترقية أذواقنا غدا.
أولا: في تحرير مفهوم الذوق
- الذوق عند أهل الطريق ليس «الذوق» عند القوم ترفا لغويا، بل هو مصطلح دقيق له حد ومنزلة. يرتب أبو القاسم القشيري في «الرسالة» مراتب ثلاثا: الذوق للبداية، والشرب للتوسط، والري للنهاية؛ فالذوق أول ما يقع للعبد من ثمرات التجلي. ويعرفه عبد الرزاق الكاشاني في «اصطلاحات الصوفية» بأنه أول مبادئ شهود تجلي الحق. ويقرر أبو حامد الغزالي في «المنقذ من الضلال» تلك الخلاصة التي دفعته إلى العزلة: أنه لم يبق مما يخص القوم إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والحال. ويجعله ابن القيم في «مدارج السالكين» منزلة من منازل السائرين، مشددا على أنه إدراك لا ينقل ولا يحكى. فالذوق إذن معرفة حضورية لا حصولية، شخصية لا تقبل النيابة، ومع ذلك وهذا هو المفصل فهي قابلة للتربية والتزكية. وما دامت قابلة للتربية، فهي قابلة للسياسة التعليمية والثقافية.
- الذوق عند أهل الجمال وفي التقليد الجمالي الحديث، يعرف إمانويل كانط في «نقد ملكة الحكم» (1790) الحكم الذوقي بأنه حكم خال من الغرض؛ لا يطلب من الجميل منفعة، ولا يخضعه لمفهوم سابق؛ ومع كونه حكما فرديا فهو يدعي كلية، لاستناده إلى «حس مشترك». وهذا التعريف الأوروبي المتأخر يكاد يكون ترجمة نثرية لمناجاة قالتها امرأة بصرية قبله بألف سنة.
- نقطة الالتقاء: اللاغرضية تنسب إلى رابعة العدوية مناجاتها المشهورة: إن كانت تعبد خوفا من النار فليحرقها بها، وإن كانت تعبد طمعا في الجنة فليحرمها إياها، وإن كانت تعبده لوجهه فلا يحرمها جماله الأبدي. وهي بذلك تقطع الصلة بين العبادة والمنفعة، فتؤسس لعلاقة جمالية خالصة بالمعبود. ويصرح بذلك بيتها السائر: أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا فالحب الأول مصلحي ينظر إلى حظ النفس، والثاني استحقاقي ينظر إلى الجمال لذاته. وهذا هو عين ما سماه كانط لاحقا «الرضا غير المتعلق بغرض». وإذا أضفنا إلى ذلك الحديث النبوي الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال» أدركنا أن ترقية الذوق في ميزاننا ليست تحسينا كماليا، بل هي ضرب من التخلق بأخلاق الله. وهو ما يلخصه الفيلسوف طه عبد الرحمن حين ينقل السالك من «العلم» إلى «العمل» إلى «التخلق»؛ إذ الذوق ثمرة التخلق، لا ثمرة التلقين.
ثانيا: لماذا كانت المرأة مختبرا للذوق؟
ثلاثة أسباب تفسر هذا الاختصاص: سبب رمزي لساني، وسبب معرفي، وسبب تاريخي اجتماعي.
(أ) اللسان العرفاني مؤنث المعاني: الذات، والنفس، والحقيقة، والحكمة، والرحمة (وهي من الرحم)، والسكينة، والمحبة. وقد بنى ابن عربي على ذلك قوله في «فصوص الحكم»: إن شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، لأن الحق يشهد فيهن من حيثية الفاعلية والانفعال معا، لا من حيثية واحدة.
(ب) وفي المستوى المعرفي: التصوف علم أحوال لا علم أقوال. وحيث كانت العلوم المنقولة تقاس بالحفظ والسند والمجادلة، كان علم القوم يقاس بالحال والذوق والأدب وهو ميدان لم تشترط فيه شروط الحضور المؤسسي.
(ج) وفي المستوى التاريخي الاجتماعي: أبعدت المرأة عن القضاء والإمامة العظمى ومنابر الجدل الكلامي، فانصرفت طاقتها الإبداعية إلى ميادين بقيت مفتوحة أمامها: التربية بالصحبة، والإنشاد، والشعر، والوقف، والصناعة الجميلة. ولست أزكي الإقصاء، ولكني أسجل أثره المفارق: تخصص جمالي مركز. على أنها لم تقص من الرواية والإجازة؛ فأسانيد الحديث والقراءات حافلة بالشيخات المجيزات، كما يشهد «الضوء اللامع» للسخاوي و«الدرر الكامنة» لابن حجر.
ثالثا: شهادات الأثر من إنتاجات الصوفيات عبر التاريخ
- المؤسسة: رابعة العدوية البصرية (ت 185هـ/801م) نقلت الخطاب الروحي من ثنائية الخوف والرجاء إلى مقام المحبة الخالصة، فكان ذلك انقلابا في الذوق قبل أن يكون انقلابا في العقيدة. وأخبارها مبثوثة في «طبقات الصوفية» للسلمي، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم، و«صفة الصفوة» لابن الجوزي، وأفرد لها العطار ترجمة في «تذكرة الأولياء». وأثرها الجمالي أنها جعلت المحبة موضوعا للشعر الروحي العربي، ففتحت بابا سيدخل منه ابن الفارض والششتري وابن عربي.
- أول مؤرخ للصوفيات: السلمي (ت 412هـ) في كتابه «ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات» نجد أول معجم مستقل في تراجم الصوفيات، يضم زهاء ثمانين امرأة. وقد ظل الكتاب في حكم المفقود قرونا حتى عثر عليه وحقق ونشر في أواخر القرن العشرين، ثم ترجم إلى الإنجليزية بعناية رقية العروي كورنيل تحت عنوان Early Sufi Women. وفي ذلك درس منهجي بليغ: الأرشيف النسائي موجود، ولكنه ينتظر من يخرجه.
- الشيخات المعلمات فاطمة النيسابورية (ت 223هـ): شيخة ذي النون المصري وأبي يزيد البسطامي، وقد أثر عن البسطامي ثناؤه عليها وإقراره بأنه لم يلق في عمره إلا امرأة واحدة بلغت هذا المبلغ. فاطمة بنت ابن المثنى القرطبية (بإشبيلية) وشمس أم الفقراء المارشانية: شيختا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وقد وثق صحبته لهما في «روح القدس» و«الدرة الفاخرة»، وذكر أنه بنى لفاطمة بيتا من القصب وخدمها سنين، وأنه تلقى عنها فهما في فاتحة الكتاب. وفي ذلك شهادة لا ترد: أن أعظم فيلسوف عرفاني في الإسلام تتلمذ لامرأتين أميتين ظاهرا، عالمتين ذوقا.
- المحققات النظريات: ست العجم بنت النفيس البغدادية (ق 7هـ/13م) شرحت «التائية الكبرى» لابن الفارض في كتابها «كشف الكنوز وشرح مشكلات الرموز». ونحن هنا أمام امرأة تخوض في أدق مباحث الشهود والتجلي شرحا وتحليلا ومصطلحا، لا إنشادا ووجدا فحسب — وهو ما ينقض الزعم القائل إن حظ النساء من التصوف كان الحال دون المقال.
- الذروة التأليفية: عائشة الباعونية الدمشقية (ت 923هـ/1517م) هي صاحبة العنوان، وأغزر امرأة عربية تأليفا قبل العصر الحديث في تقدير الباحثين. نشأت في بيت علم وقضاء بدمشق، وسلكت الطريق وأجيزت فيه، ورحلت إلى القاهرة فخالطت أهل العلم وأرباب الدولة. ومن آثارها: «الفتح المبين في مدح الأمين»: بديعية في المديح النبوي، عارضت بها بديعيات الصفي الحلي وابن جابر الأندلسي وعز الدين الموصلي، تلتزم في كل بيت نوعا بديعيا يستخرج من لفظه. وهذا هو الذوق في أرقى صوره: أن تخضع أعقد صناعة بلاغية عرفتها العربية لخدمة المحبة المحمدية. «المنتخب في أصول الرتب في علم التصوف»: متن في مقامات الطريق من التوبة والإخلاص إلى الذكر والمحبة. «فيض الفضل وجمع الشمل»: ديوانها الشعري. «درر الغائص في بحر معجزات الخصائص»: في الخصائص النبوية. «الإشارات الخفية في المنازل العلية». وقيمة الباعونية في مقالنا أنها أدمجت التحقيق العرفاني في الصناعة البلاغية العليا، فأثبتت أن الذوق الروحي لا ينتج زهدا في الجمال، بل ينتج إتقانا فيه. ولذلك اخترت اسمها عنوانا: فهي البرهان المجسد على أن المحبة حين تنضج تطلب لنفسها أرقى صور التعبير.
- الامتداد الفارسي والهندي رابعة بنت كعب القزدارية (ق 4هـ): من أوائل من نظمن الشعر بالفارسية، وقد ذكرها العطار في تذكرته. جهان آرا بيغم (ت 1092هـ/1681م): ابنة السلطان شاه جهان، سالكة في الطريقة القادرية على يد الملا شاه بدخشي. ألفت «مؤنس الأرواح» في سيرة معين الدين الجشتي، و«رسالة صاحبية» في شيخها. وهي نموذج الأميرة الكاتبة التي توظف نفوذها في العمارة والوقف والتأليف معا. زيب النساء بيغم الملقبة بـ«مخفي» (ت 1113هـ/1702م): ينسب إليها «ديوان مخفي»، وهو من أشهر ما نسب إلى امرأة في الشعر الصوفي الفارسي، على ما في نسبته من نقاش علمي.
- الامتداد الإفريقي وهو الأقرب إلينا والأشد إهمالا نانا أسماء بنت الشيخ عثمان بن فودي (1793–1864م)، ابنة مجدد سوكوتو. تنسب إليها عشرات المؤلفات نظما ونثرا بالعربية والفلفلدية والهوسا والتماجق، بين مدائح نبوية ومراث ومنظومات تعليمية في السيرة والفقه والتوحيد، فضلا عن ترجمة مؤلفات أبيها وإخوتها إلى اللغات المحلية تيسيرا على العامة. والأهم من غزارة الإنتاج أنها أسست شبكة «يان تارو» (جماعة الأخوات): نظاما تعليميا نسائيا متنقلا، تدرب فيه معلمات يجبن القرى لتعليم النساء في مواطنهن، ولهن زي ورمز يعرفن به. أي أنها حولت التصوف من حال فردي إلى هندسة تربوية اجتماعية قابلة للتعميم والقياس. وهذا بالضبط ما نبحث عنه اليوم: نموذج إفريقي أصيل لتحويل الذوق الروحي إلى تنمية محسوسة.
- الامتداد المغربي والمغاربي السيدة عائشة المنوبية (ت 665هـ/1267م) بتونس: ولية صاحبة زاوية ومقام، ولها في المخيال المغاربي حضور لا يزال حيا إلى اليوم. وفي المغرب أخبار متفرقة عن صالحات ومقدمات ووليات في كتب المناقب، مثل «التشوف إلى رجال التصوف» لابن الزيات التادلي و«سلوة الأنفاس» للكتاني وهي أخبار مبثوثة تنتظر الجمع والتصنيف في مدونة واحدة. وفي الأداء الحي: مجموعات «الحضرة» النسائية بشفشاون وفاس وتطوان وسلا، وهي أرشيف صوتي حي للمديح النبوي والسماع بأصوات نسائية، ومن أعرق ما تبقى من تراثنا الشفوي اللامادي.
- وفي القرن العشرين: توثيق سبقنا إليه الغرب كتبت المستشرقة الألمانية آنه ماري شيمل «روحي امرأة» (Meine Seele ist eine Frau, 1995) فأعادت الاعتبار للعنصر الأنثوي في التصوف؛ وحققت رقية كورنيل كتاب السلمي؛ وترجم ثيودور إميل هومرين آثار الباعونية إلى الإنجليزية. ومن المفارقات الموجعة أن يقرأ تراثنا النسائي بالألمانية والإنجليزية قبل أن يقرأ بالعربية.
رابعا: خمسة مسالك للإنتاج الذوقي النسائي
استخلاصا مما سبق، يمكن تصنيف إنتاج الصوفيات في خمسة مسالك، كل منها قابل اليوم للاستثمار:
مسلك اللفظ: الشعر والبديعيات والمنظومات التعليمية والشروح (الباعونية، ست العجم، أسماء بنت فودي).
مسلك الصوت: السماع والإنشاد والحضرة وأهازيج الولادة والختان والعرس، وهي جامعة بين الطرب والتربية.
مسلك الصحبة: التربية بالمجالسة والإجازة والتلقين، ومقام الشيخة والمقدمة (فاطمة النيسابورية، فاطمة بنت المثنى، شبكة يان تارو).
مسلك الصنعة: الوقف والعمارة (ربط النساء ببغداد ودمشق والقاهرة)، والنسيج والتطريز، والخط، وصناعة العطر والبخور، وآداب المائدة والضيافة.
مسلك الخلق: الأدب مع الله والخلق، والإيثار والحياء والفتوة وهو أصل المسالك كلها؛ إذ الذوق في التحقيق خلق قبل أن يكون صنعة.
خامسا: الحاضر رأسمال مهدور وذوق مهدد
يعيش الذوق العام اليوم ضغطا مضاعفا: سيادة جماليات الإثارة والسرعة على جماليات التأمل والإتقان؛ وتسليع المقدس وتحويل الروحانية إلى سلعة رفاهية تباع في المنتجعات؛ وتنميط الأذواق بخوارزميات تكافئ الصادم لا الجميل، وتقيس القيمة بزمن المشاهدة لا بعمق الأثر. وفي المقابل، يتآكل عندنا تراث لامادي ضخم نصوص وأصوات وحرف وطقوس بموت حملته دون توثيق.
وقد أدركت المنظومة الدولية خطورة ذلك، فكانت اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي (2003)، وأدرجت في قوائمها عناصر مغربية عديدة، كان آخر اللافت منها فن «الملحون» سنة 2023. غير أن الإدراج تسجيل لا استثمار؛ وشتان بين من يحفظ الأثر في متحف، ومن يحوله إلى طاقة في الحاضر.
وفي المغرب مبادرات رائدة تستحق التنويه: مهرجان فاس للثقافة الصوفية، ومهرجان فاس للموسيقى العريقة، وأخيرا المؤتمر الدولي الأول للتصوف في صيغة المؤنث، الذي احتضنته أكاديمية المملكة المغربية بالرباط يومي 10 و11 يونيو 2026 بشراكة مع منظمة «وليات» الدولية، تحت شعار «إيقاظ الذاكرة، إنارة المستقبل». وهو حدث يؤشر على انتقال الموضوع من هامش الفولكلور إلى صلب النقاش الحضاري ومن حق المغرب أن يتصدر هذا الورش بحكم موقعه بين الأندلس وإفريقيا.
سادسا: استشراف عشرة مداخل لترقية الأذواق
المدخل الأرشيفي: مشروع وطني لرقمنة «مدونة الصوفيات»؛ جرد شامل للمخطوطات المؤلفة بأقلام النساء أو المروية بأسانيدهن في الخزائن المغربية (القرويين، الحسنية، ابن يوسف، والخزائن الخاصة بتطوان وتارودانت وتاونات وغيرها)، ونشرها في قاعدة مفتوحة مفهرسة.
المدخل التحقيقي: تحقيق آثار الباعونية وشروح ست العجم ومنظومات أسماء بنت فودي في طبعات علمية عربية محكمة، لا اكتفاء بالترجمات الأجنبية.
المدخل البيداغوجي: إدراج نصوص مختارة من الصوفيات في مقررات التعليم العتيق والتربية الإسلامية والكتاتيب القرآنية، بحيث تقدم رابعة والباعونية نموذجين في التربية الذوقية، لا فصلا في «تاريخ المرأة» يقرأ مرة في السنة.
المدخل الأكاديمي: إحداث كرسي جامعي أو وحدة بحث في «الجماليات الصوفية النسائية» بشراكة بين الجامعة المؤسسات العلمية ومؤسسات التراث، تصدر دورية محكمة وترعى أطروحات.
المدخل الفني: دعم فرق الحضرة النسائية وتوثيقها صوتا وصورة، ورعاية المنشدات الشابات، وإحداث جائزة وطنية للمديح النبوي في صيغته النسائية.
المدخل الصناعي الإبداعي: ترجمة الرمزية الصوفية إلى تصميم معاصر في الزليج والخط والنسيج والعطر والأثاث والتغليف بمواصفات جودة عالية تصدر بوصفها «ذوقا مغربيا»، لا بوصفها طرفة استشراقية.
المدخل الاقتصادي: إدماج هذه العناصر في سلاسل القيمة للاقتصاد الإبداعي والسياحة الروحية المسؤولة، عبر تعاونيات نسائية في الحواضر والبوادي على غرار ما فعلته «يان تارو» في القرن التاسع عشر.
المدخل الرقمي: منصات تعليمية وتطبيقات ذكية تقدم هذا التراث بواجهات جميلة متقنة؛ فالذوق اليوم يبدأ من واجهة الشاشة قبل أن ينتهي إلى مضمونها، ولا يخدم الجميل بقبيح.
المدخل الأخلاقي: ميثاق يحمي المقدس من الابتذال والتسليع، ويميز بوضوح بين «إحياء التراث» و«استهلاك التراث»؛ فإن أخطر ما يصيب الذوق الراقي أن يصير موضة.
المدخل الحواري: توظيف هذا المتن في الحوار بين الأديان والحضارات؛ فما من مدخل إلى الآخر أنجع من الجمال، ولا من لسان أعرض من لسان الذوق. وهنا يلتقي المشروع الروحي بالمشروع الدبلوماسي الثقافي.
خاتمة
لسنا نطلب من التراث أن يعيدنا إلى الوراء، وإنما نطلب منه أن يعطينا معيارا. والمعيار الذي تقدمه الصوفيات عبر اثني عشر قرنا يتلخص في ثلاث كلمات: أن الجميل لا يطلب لمنفعته، وأن الإتقان عبادة، وأن الذوق يربى ولا يشترى.
فحين قالت رابعة إنها لا تعبد خوفا ولا طمعا، لم تكن تؤسس لزهد في الدنيا فحسب، بل كانت تؤسس لعلاقة جمالية بالوجود كله: أن نحب الشيء لأنه أهل لذلك، لا لأنه ينفعنا. وحين نظمت الباعونية بديعيتها في مدح الأمين صلى الله عليه وسلم، لم تكن تستعرض صنعة، بل كانت تبرهن أن المحبة حين تنضج تطلب لنفسها أرقى صور التعبير. وحين جابت تلميذات نانا أسماء قرى سوكوتو يعلمن النساء، كن يثبتن أن الذوق الروحي حين يصدق ينقلب في الحال مشروع تنمية.
فإذا استطعنا أن ندخل هذا المعيار إلى مدارسنا وبيوتنا ومعاملنا وشاشاتنا، نكون قد استثمرنا أثمن ما نملك؛ وإلا فسنظل نحرس خزانة مقفلة على كنوز لا ننتفع بها، بينما يقرأ ما فيها بلغات الآخرين. والله جميل يحب الجمال.
الهوامش التعريفية:
* الكاتب: د. محمد غاني، باحث وأكاديمي متخصص في التصوف وثقافة السلام، وعضو اللجنة الاستشارية لمؤسسة بناة السلام (Artisans de Paix) بباريس. للاطلاع على سيرته الذاتية: artisans-de-paix.org/conseil-consultatif.
** عائشة الباعونية (ت 923هـ / 1517م): عائشة بنت يوسف بن أحمد الباعونية، أديبة وشاعرة وفقيهة ومتصوفة دمشقية، تنتمي إلى أسرة بني الباعوني الشهيرة بالعلم والقضاء. تعد من أغزر النساء تأليفا ونظما في التراث العربي والإسلامي قبل العصر الحديث. تلقت علومها بدمشق وأجيزت بالإفتاء والتدريس، وسلكت مسالك القوم ولازمت كبار شيوخ عصرها، وتعد «بديعيتها» وديوانها «فيض الفضل» وكتابها «المنتخب في أصول الرتب» من أرفع النصوص التي جمعت بين رهافة الحس العرفاني وذروة الإتقان البلاغي.
ثبت المصادر والمراجع
أ. المصادر التراثية
القشيري، أبو القاسم عبد الكريم. الرسالة القشيرية في علم التصوف.
السلمي، أبو عبد الرحمن. طبقات الصوفية.
السلمي، أبو عبد الرحمن. ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات.
أبو نعيم الأصفهاني. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء.
ابن الجوزي. صفة الصفوة.
الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين؛ المنقذ من الضلال.
ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية؛ فصوص الحكم؛ روح القدس في محاسبة النفس؛ الدرة الفاخرة.
الكاشاني، عبد الرزاق. اصطلاحات الصوفية؛ لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام.
ابن القيم الجوزية. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
العطار، فريد الدين. تذكرة الأولياء.
ابن الزيات التادلي. التشوف إلى رجال التصوف.
الباعونية، عائشة بنت يوسف. الفتح المبين في مدح الأمين؛ المنتخب في أصول الرتب؛ فيض الفضل وجمع الشمل؛ درر الغائص في بحر معجزات الخصائص؛ الإشارات الخفية في المنازل العلية.
ست العجم بنت النفيس البغدادية. كشف الكنوز وشرح مشكلات الرموز (شرح تائية ابن الفارض).
الغزي، نجم الدين. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة.
السخاوي، شمس الدين. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.
ب. الدراسات الحديثة
طه عبد الرحمن. سؤال الأخلاق؛ روح الدين.
Cornell, Rkia Elaroui. Early Sufi Women: Dhikr an-niswa al-mutaabbidat as-sufiyyat. Louisville: Fons Vitae, 1999.
Homerin, Th. Emil. Emanations of Grace: Mystical Poems by Aishah al-Bauniyah; and The Principles of Sufism. New York University Press.
Schimmel, Annemarie. Meine Seele ist eine Frau: Das Weibliche im Islam. Munchen: Koesel, 1995.
Boyd, Jean & Beverly B. Mack. The Collected Works of Nana Asmau, Daughter of Usman dan Fodiyo. Michigan State University Press, 1997.
Kant, Immanuel. Kritik der Urteilskraft, 1790.
UNESCO. Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage, Paris, 2003.
















































