هل ينهي 30 أيلول السلاح المنفلت في العراق؟

28 أغسطس 2026
هل ينهي 30 أيلول السلاح المنفلت في العراق؟

رمزي ميركاني

كاتب كردي

يجد العراق نفسه اليوم أمام منعطف تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين، بعدما وضعت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ملف السلاح المنفلت على مشرحة الاختبار الزمني. فبحلول الثلاثين من أيلول (سبتمبر) المقبل، سيكون العراق على موعد مع استحقاق مفصلي يهدف إلى إنهاء ظاهرة الازدواجية الأمنية وحصر القوة بيد الدولة وحده؛ وهي خطوة تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات وجودية حول قدرة بغداد على ترويض بنادق العقيدة وتحويلها إلى أدوات تحت سلطة القانون.

التوقيت والرسائل: بين واشنطن والداخل

لم يكن اختيار موعد 30 أيلول اعتباطياً، فهو يمثل نقطة التقاء بين الداخل والخارج. داخلياً، يتزامن التاريخ مع الموعد المقرّر لانتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، مما يسقط الذريعة التي طالما تحججت بها الفصائل للبقاء مسلحة. أما خارجياً، فإن المهلة سبقت زيارة الزيدي إلى واشنطن في تموز (يوليو)، حيث سعى الرجل -الذي يوصف بأنه عقلية اقتصادية ومصرفية- إلى تقديم أوراق اعتماد سيادية قوية تضمن تدفق الاستثمارات الأمريكية وفك العزلة المالية التي فرضتها واشنطن مؤخراً عبر تقييد عائدات النفط.

خارطة الانقسام: من استجاب ومن تمرد؟

كشف هذا القرار عن تصدع واضح في جدار المقاومة الموحد. ففي مشهد دراماتيكي، سارعت “سرايا السلام” التابعة لمقتدى الصدر إلى تسليم مقارها في سامراء، متبوعة بـ”عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي”، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لتعزيز صورة الدولة القوية.

لكن في المقابل، برزت لاءات فصائلية صلبة؛ فقد أعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء وفصائل أخرى رفضها المطلق لنزع السلاح، معتبرة أن الاحتلال لا يزال جاثماً على الأجواء والقرار السياسي. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف فني على آليات الدمج، بل هو انشطار عميق بين رؤيتين: رؤية الدولة التي تسعى للاندماج في النظام العالمي، ورؤية المقاومة التي ترى في سلاحها جزءاً من معادلة ردع إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا العراقية.

العقدة الأيديولوجية: بندقية بفتوى عابرة للحدود

تكمن المعضلة الحقيقية في أن الفصائل الرافضة (مثل كتائب حزب الله والنجباء) لا تستمد شرعيتها من الدستور العراقي فحسب، بل من ولاء عقدي يربطها بمرجعية الولي الفقيه في طهران. وبحسب المحللين، فإن هذه المجموعات لا تنظر إلى سلاحها كأداة محلية، بل كجزء من ترسانة محور المقاومة الجاهزة للتصعيد فور تعرض إيران لأي خطر. وهنا يبرز السؤال الشائك: هل يملك الزيدي القدرة على إقناع هذه الفصائل بالتخلي عن بندقية العقيدة من دون صدور فتوى سياسية من طهران تأمر بالاندماج؟

المخاوف والضمانات: السلاح كدرع حماية

بعيداً عن الأيديولوجيا، تبرز هواجس أمنية عملية؛ فالفصائل تخشى أن يكون نزع سلاحها كشفاً لظهرها أمام استهدافات أمريكية أو إسرائيلية محتملة، خاصة بعد مئات الهجمات التي شنتها خلال الأشهر الماضية. كما يثير الخبراء شكوكاً حول سلامة المخازن الحكومية وقدرتها على استيعاب الترسانة الضخمة من المسيّرات والصواريخ الباليستية، وهو ما يجعل العملية محفوفة بمخاطر الانفجارات أو السرقات.

تخدير موضعي أم استراتيجية احتواء؟

يرى مراقبون أن الحكومة العراقية تدرجت في طرح هذا المشروع ليكون احتواءً ناعماً بدلاً من الصدام المباشر. فمن خلال الحصول على غطاء سياسي من الإطار التنسيقي والشرعية الدينية، تحاول بغداد عزل الفصائل الرافضة سياسياً وشعبياً. وهذه خطوة استباقية وذكية لامتصاص ضغوط واشنطن، لكن نجاحها مرهون بشفافية التنفيذ وتفكيك الارتباط المالي واللوجستي للفصائل بمؤسسات الدولة.

الخلاصة: اختبار السيادة

إن موعد 30 أيلول ليس مجرد تاريخ في تقويم الحكومة، بل هو امتحان لجوهر الدولة العراقية. فإما أن تنجح بغداد في استعادة قرارها الأمني لتكون صاحبة القوة الوحيدة على أرضها، أو أن تظل هذه المهلة مجرد تخدير موضعي يرحّل الأزمة إلى حين. إن الطريق نحو السيادة الكاملة لا يمر عبر البيانات الورقية، بل عبر بناء ثقة متبادلة تضمن أن الدولة قادرة على حماية الجميع، وأن السلاح الذي كان يوماً ضرورة لمواجهة الإرهاب، بات اليوم عبئاً يهدد مستقبل البناء والازدهار. بين ضغط واشنطن وحسابات طهران، يقف العراق على حافة التحول، فهل ينجح الزيدي في العبور بالبلاد إلى بر الدولة الواحدة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com