مايا أمير: صوت عبري يبني جسورًا بين الشرق والغرب عبر أربعة قرون

22 أغسطس 2026
مايا أمير: صوت عبري يبني جسورًا بين الشرق والغرب عبر أربعة قرون

حميد عقبي

تمثل المغنية الإسرائيلية مايا أمير تجربة تستحق التأمل لأن المتأمل لأغانيها سوف يجدها تتحرك بين عوالم موسيقية تبدو متباعدة، لكنها تجد بينها مساحات للقاء والحوار. فهي مغنية ميزو سوبرانو تلقت تكوينًا أكاديميًا متخصصًا في الأوبرا وموسيقى الباروك الأوروبية، وفي الوقت نفسه تنفتح على الموسيقى العبرية والعربية والسفاردية والمتوسطية. ومن خلال هذا العبور بين الشرق والغرب يمكن الاقتراب من جانب مهم من ثراء ثقافتها وتعدد مصادرها.

ولدت مايا أمير في إسرائيل عام 1991، ونشأت في عائلة لها علاقة قديمة بالموسيقى والغناء. وتشير سيرتها إلى جذور عائلية سفاردية تعود إلى يهود إسبانيا قبل طردهم عام 1492، كما ترتبط عائلتها من جهة الأم ببيئة يهودية قديمة في طبريا وصفد. وكان للغناء داخل العائلة أثرًا مبكرًا في تكوينها، وخاصة حضور جدتها، وهذا شجعها بأن تصبح الموسيقى دراسة ومهنة ومشروع حياة. أما والدتها أفيفا أمير، فهي كاتبة وملحنة، وتحولت العلاقة الفنية بين الأم وابنة إلى تعاون أثمر أعمالًا ومؤلفات أصلية.

درست مايا في مدرسة بوخمان ـ ميهتا للموسيقى بجامعة تل أبيب، ثم تابعت دراستها العليا في ألمانيا، وتخصصت لاحقًا في الأداء التاريخي لموسيقى الباروك في بازل بسويسرا. وبهذا بنت قاعدة كلاسيكية راسخة أتاحت لها أداء أعمال كبار مؤلفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، والمشاركة في حفلات ومهرجانات أوروبية متعددة.

لكن ما يلفت انتباهنا في تجربتها ليس مسارها الأوبرالي وحده، ولكن خروجها من حدوده نحو فضاء أوسع. ففي مشروعها «ليلة على المياه» تلتقي المؤلفات الأصلية بالموسيقى الكلاسيكية والإسبانية والعربية والمتوسطية، بينما تذهب تجربتها مع فرقة (أفينتورا باروكا) إلى حوار أكثر وضوحًا بين موسيقى الباروك والموسيقى الشرق أوسطية، وتلتقي فيه أحيانًا الأغنية السفاردية والعربية والموسيقى العثمانية مع التراث الأوروبي القديم.

لهذا يصبح تناول تجربة مايا أمير مهمًا في أي مشروع عن الأغنية الشرقية والشرق أوسطية. فنحن لا نبحث عن أصل واحد أو هوية مغلقة، لكننا نحاول فهم الجسور التي تتشكل داخل هذه الثقافة نفسها. ومايا نموذج يكشف كيف يستطيع فنان عبري أن يحمل تكوينًا أوروبيًا عميقًا، وذاكرة سفاردية ومتوسطية، وانفتاحًا على الموسيقى العربية والشرقية، ثم يحول هذه العناصر المختلفة إلى مساحة فنية مشتركة. ومن خلالها نرى شيئًا من المناخ الثقافي العبري الثري والمعقد، حيث تتجاور الذاكرات والهجرات واللغات والتقاليد الموسيقية، وتولد من تفاعلها تجارب يصعب اختزالها في هوية موسيقية واحدة.

مايا أمير تجمع الشرق والغرب

لا تبدو تجربة مايا أمير محاولة عابرة للجمع بين ألوان موسيقية مختلفة، لكننا مع مشروع يتشكل عند نقطة لقاء عدد من الذاكرات والتقاليد. فمسيرتها بدأت من دراسة أكاديمية صارمة للموسيقى الأوروبية القديمة، لكنها لم تبق أسيرة لهذا العالم، وإنما أخذت تتجه نحو جذورها اليهودية والسفاردية، ثم نحو المجال المتوسطي والشرق أوسطي بما يحمله من موسيقى عربية وأناضولية وأندلسية. ولهذا يمكن فهم مشروعها من خلال ثلاث دوائر متداخلة: الباروك الأوروبي وهو الذي منحها أدواتها الفنية، ثم الذاكرة اليهودية والعبرية والسفاردية التي تربطها بجذورها، ثم الشرق والمتوسط بوصفهما مجالًا مفتوحًا للقاء والحوار وإنتاج لغة موسيقية جديدة.

الباروك الأوروبي: القاعدة التي انطلقت منها

تمثل موسيقى الباروك الدائرة الأولى والأكثر رسوخًا في تجربة مايا أمير، فهي لم تصل إليها من باب الفضول أو التجريب، وإنما درستها بأعتبارها تخصصًا أكاديميًا ومهنيًا. بدأت دراستها الموسيقية العليا فيتل أبيب، ثم واصلت تكوينها في ألمانيا وسويسرا، واهتمت بصورة خاصة بما يعرف بالأداء التاريخي، أي محاولة الاقتراب من الطريقة التي كانت تؤدى بها موسيقى القرنين السابع عشر والثامن عشر، من حيث تقنيات الصوت والآلات وأسلوب التعبير. وبهذا أصبحت أعمال فيفالدي ومونتيفيردي وهاندل وغيرهم جزءًا أصيلًا من ثقافتها الموسيقية.

شاركت في عروض أوبرالية وحفلات في عدد من المدن والمهرجانات الأوروبية، وأدت أدوارًا تتطلب معرفة دقيقة بأسلوب الغناء القديم. كما عملت مع فرق متخصصة في الباروك ومع موسيقيين وقادة أوركسترا ينتمون إلى مدارس أوروبية مختلفة. هذه التجربة الطويلة بالتأكيد منحتها معرفة لا تتوقف عند الغناء، فهي تشمل بناء البرنامج الموسيقي واختيار الأعمال وفهم العلاقة بين الصوت والآلة والنص.

لكن أهمية هذا التكوين تظهر أكثر عندما بدأت مايا تتجاوز دور المؤدية. فعندما أسست فرقتها «مغامرة باروكية»، لم تتخل عن الباروك، وإنما جعلته نقطة انطلاق للقاء موسيقات أخرى. وهذا فارق أساسي في تجربتها؛ فهي لم تعمل على استبدال هويتها الموسيقية الأوروبية بهوية شرقية، وإنما تستخدم خبرتها في الموسيقى القديمة كي تبحث عن أوجه التشابه والحوار بينها وبين تراث المتوسط والشرق.

وهكذا يتحول الباروك عندها من عالم مغلق مرتبط بالتاريخ الأوروبي إلى لغة يمكنها السفر والاقتراب من تقاليد أخرى. وربما هنا تكمن واحدة من أكثر خصائص مشروعها إثارة، أي احترامها للأصل والأصالة دون تحويل ذلك إلى جدار، والمحافظة على المعرفة الأكاديمية مع السماح لها بأن تدخل في حوار مع أصوات وآلات وذاكرات تنتمي إلى فضاءات بعيدة عنه ظاهريًا.

الذاكرة اليهودية والعبرية والسفاردية: العودة إلى الجذور

أما الدائرة الثانية فتتصل بالذاكرة اليهودية والعبرية والسفاردية التي تظهر تدريجيًا وبقوة أكبر داخل مشروع مايا أمير. فالفنانة التي تلقت جزءًا كبيرًا من تكوينها في المؤسسات الموسيقية الأوروبية لم تفصل هذا المسار عن تاريخ عائلتها وبيئتها العبرية. وتشير سيرتها العائلية إلى جذور سفاردية مرتبطة بيهود إسبانيا، وإلى حضور قديم للعائلة من جهة الأم في مدن مثل طبريا وصفد. لذلك لا تبدو عودتها إلى الأغنية السفاردية والعبرية مجرد اختيار فني من بين اختيارات كثيرة، ولكن يمكن قراءتها أيضًا باعتبارها بحثًا في طبقات الذاكرة الشخصية والجماعية.

وتظهر هذه الصلة في البرامج التي تقدمها، حيث تدخل أغانٍ من تراث اللادينو إلى جانب نصوص عبرية ومؤلفات يهودية قديمة. ومن الأعمال التي أدتها أغنية اللادينو «يو ميناموري دون آيري»، إلى جانب أغانٍ سفاردية من تراث رودس، كما ضمت بعض برامجها أعمال الملحن اليهودي الإيطالي سالوموني روسي ونصوصًا مرتبطة بـ«نشيد الأنشاد». وهنا سنلمس أن اليهودية الأوروبية والذاكرة السفاردية واللغة العبرية تلتقي كلها داخل صوت فنانة معاصرة لا تتعامل معها كمتحف موسيقي جامد.

ويزداد هذا البعد وضوحًا في تعاونها مع والدتها أفيفا أمير، التي تكتب وتلحن عددًا من الأعمال الأصلية. فمشروع «ليلة على المياه» لم يقوم فقط على لقاء أجناس موسيقية متعددة، فهو يحمل كذلك ملمحًا عائليًا شديد الخصوصية؛ أم وابنتها تستعيدان الذاكرة عبر التأليف والغناء. ومن هذه التجربة جاءت أعمال مثل «عينيني» و«مياه حاييم»، التي واصلت مايا تقديمها لاحقًا في برامج أوسع.

لهذا يمكن القول إن الذاكرة عند مايا ليست رجوعًا حنينيا إلى الماضي، وإنما مادة لإنتاج الحاضر. فهي لا تعيد الأغنية السفاردية أو النص العبري بهدف حفظهما فقط، الأكثر أهمية أنها تضعهما بجوار فيفالدي ومونتيفيردي والموسيقى العربية والتركية، وبذلك تصبح الهوية اليهودية نفسها جزءًا من شبكة علاقات أوسع. 

وهذا يساعدنا على فهم جانب من الثقافة العبرية المعاصرة، حيث لا تعمل الذاكرة اليهودية باعتبارها كتلة واحدة، سنلاحظ أنها تتفرع إلى مسارات أوروبية وسفاردية ومتوسطية وشرقية تتقاطع باستمرار.

المتوسط والشرق: دخول العربية والعود والقانون إلى المشهد

تكتمل الدائرة الثالثة عندما تتجه مايا أمير نحو المجال المتوسطي والشرق أوسطي. وهذه الخطوة هي التي تمنح تجربتها خصوصيتها الأوضح، لأن حضور الشرق عندها لا يتوقف عند استخدام مقام أو آلة شرقية لإضفاء لون مختلف على الموسيقى الأوروبية. لقد أصبحت الموسيقى العربية والسفاردية والعثمانية جزءًا من البناء الفعلي لعدد من برامجها، ولا سيما مشروع «الباروك يلتقي الشرق الأوسط» الذي طورته مع فرقتها.

في هذه البرامج يمكن أن نسمع مونتيفيردي وفيفالدي إلى جانب الموشح العربي الأندلسي «لما بدا يتثنى»، وأغاني اللادينو، وألحان من التراث العثماني. كما تلتقي آلات الباروك مثل العود الأوروبي والفيولا دا غامبا والهاربسكورد بآلات مرتبطة بالموسيقى الشرقية مثل العود العربي والقانون والكمانجة والإيقاعات. وهنا يصبح الحوار مسموعًا ومرئيًا في الوقت نفسه: آلات جاءت من تقاليد مختلفة تجلس في فضاء واحد وتحاول أن تجد لغة مشتركة.

وليس هذا التوجه منفصلًا عن نشاطها داخل بلدها؛ فقد تعاونت أيضًا مع فرقة الموسيقي بيريس إلياهو، الذي يمثل تيارًا مهمًا في البحث الإسرائيلي داخل المقامات والموسيقى الشرقية. مثل هذه اللقاءات تؤكد أن انجذاب مايا إلى الشرق لم يكن محطة عابرة فرضتها عروض المهرجانات الأوروبية، يبدو لنا أنه اتجاه يتكرر في مسيرتها ويزداد وضوحًا.

وتكشف تركيبة فرقتها نفسها عن الفكرة التي تدافع عنها؛ فهي تعمل مع موسيقيين من خلفيات وبلدان متعددة، وتنظر إلى صناعة الموسيقى باعتبارها وسيلة لخلق تواصل إنساني. لذلك تصبح عبارة «الشرق يلتقي الغرب» عندها بمثابة طريقة لفهم الفن بكونه مساحة يستطيع فيها المختلفون أن يلتقوا دون أن يفقد أي منهم خصوصيته.

ومن هنا تكتسب تجربة مايا أمير أهمية خاصة للباحث في الثقافة العبرية. فهي تكشف أن هذه الثقافة لا تتحرك فقط بين «شرقي» و«غربي» كطرفين متعارضين، إننا في داخل شبكة أكثر تعقيدًا تضم الأوروبي واليهودي والسفاردي والعربي والعثماني والمتوسطي واليمني. وما تنتجه مايا من هذه الشبكة ليس خليطًا بلا ملامح، إنه في نظرنا محاولة واعية للعثور على الصلات القديمة والجديدة بين ثقافات عاشت قرونًا متجاورة، وافترقت أحيانًا، ثم تعود الموسيقى لتفتح بينها أبواب اللقاء.

مداخلة نقدية موسعة عن تجربة الفنانة

خاتمة: صوت يبحث عن نور آخر

عند الاستماع إلى أغاني مايا أمير، وخصوصًا «عينيني»، و«غرف»، و«مياه حاييم»، و«نهاية شهر أيلول»، و«ليلة على المياه»، نلاحظ أن تجربتها لا تقوم على استعراض قدراتها الصوتية وحدها. هناك هدوء وتأمل وحنين إلى الماء والأرض والذاكرة، ويأتي صوتها المدرب على الأوبرا والباروك ليمنح هذه الأعمال طابعًا خاصًا. وحتى عندما تغني باللادينو أو تعود إلى مؤلفات أوروبية قديمة، تبدو كأنها تبحث عن نور آخر خلف الحدود الموسيقية المعروفة. ولعل أجمل مثال على ذلك تجربتها مع مقطوعة «ما الذي يمكن فعله؟» لباربرا ستروتسي. فقد روت أنها كانت تتدرب عليها ليلًا، وفجأة بدأت ترتجل موالًا، ثم تخيلت الصحراء والنجوم، وشعرت بأن الموال والكمانجة والعود والقانون يمكن أن تدخل جميعها إلى قلب المؤلفة الباروكية. 

هذه اللحظة كشفت طبيعة مشروعها أكثر من أي وصف نظري؛ فالشرق لا يأتي عندها زينة تضاف بعد اكتمال العمل، سنجده يظهر أحيانًا أثناء لحظة الخلق نفسها.

ويؤكد برنامج «الباروك يلتقي التقاليد الشرقية: زنويمو واليهود» اتساع هذه الرؤية. فالرحلة التي تقترحها مايا تمتد لأكثر من أربعة قرون، وتبدأ من المزامير العبرية عند سالوموني روسي والعمل الغنائي «إستير» لليدارتي، ثم تمر بالتقاليد السفاردية والعثمانية، وتصل إلى فيفالدي ولولي، قبل أن تنفتح على مؤلفات معاصرة لأفيفا أمير وإيلام روتم. هنا لا يعود الحوار بين الشرق والغرب فقط، بل يصبح حوارًا بين الأزمنة أيضًا؛ فالماضي اليهودي والأوروبي والعثماني والسفاردي يلتقي بالحاضر داخل حفل واحد. وفي 11 يوليو/تموز 2026 قدمت مايا وفرقتها «أففنتورا باروكا» هذا المشروع في مهرجان زنويمو الموسيقي في التشيك، مواصلة الطريق نفسه الذي أخذ يتضح في أعمالها الأخيرة.

وتواصل مايا في الوقت نفسه تسجيل أعمال جديدة مع فرقتها، إلى جانب اشتغالها على مؤلفات فيفالدي وإليزابيث جاكيه دو لا غير وغيرها، مع استمرار مشروعها في التوسع. ولهذا يصعب النظر إلى مسيرتها بأو أن نصفها بأنها تجربة وصلت إلى صورتها النهائية. الأهم فيها ربما هو أنها ما تزال تكتشف الطريق أثناء السير فيه. تحمل معها معرفتها الدقيقة بالباروك، لكنها لا تجعل منها سورًا، هي تعتبر كل هذا نافذة تطل منها على العبرية واللادينو والموسيقى العربية والعثمانية والمتوسطية.

من هنا تبدو مايا أمير نموذجًا مهمًا لفهم جانب من ثراء الثقافة العبرية المعاصرة؛ ثقافة تشكلت من هجرات وذاكرات ولغات متعددة، ولا يمكن اختصارها في مصدر واحد. ومايا لا تلغي المسافات بين هذه العوالم، وتؤكد في حواراتها أنها تستمع إليها وتحاول العثور على مناطق اللقاء بينها. وربما يكون السؤال الأجمل الذي تتركه تجربتها مفتوحًا ليس: هل هذه الموسيقى شرقية أم غربية؟ ولكن: ماذا يمكن أن نكتشف في أنفسنا وفي الآخرين عندما يلتقي موال عربي بمؤلفة باروكية، ويجلس العود والقانون إلى جوار آلات عمرها قرون، وتتحول الاختلافات من حدود 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com