دراسة في الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية وتحولات النظام الدولي
بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، يعيش العالم منذ بداية القرن الحادي والعشرين سلسلة متلاحقة من الأزمات: الحروب والنزاعات المسلحة، التوتر بين القوى الكبرى، الأزمات الاقتصادية والمالية، اضطرابات الطاقة والغذاء، الهجرة الجماعية، الإرهاب والجريمة المنظمة، الأزمات المناخية، والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. غير أن الجديد في المرحلة الراهنة هو تداخل هذه الأزمات وتغذيتها بعضها لبعض؛ فأزمة سياسية يمكن أن تتحول إلى أزمة اقتصادية، والأزمة الاقتصادية قد تنتج اضطراباً اجتماعياً، والاضطراب الاجتماعي قد يتحول إلى أزمة أمنية أو سياسية. فهل يعيش العالم أزمة عابرة أم أنه يدخل مرحلة تاريخية جديدة تتسم بإعادة توزيع القوة، وتراجع قواعد النظام الدولي القديم، وصعود نظام عالمي أكثر تعددية وتنافساً وغير مستقر؟
أولاً: من أزمة عالمية إلى «عصر الأزمات»، ان العالم لا يعيش أزمة واحدة، وإنما يعيش منظومة أزمات. وتتفاعل داخلها خمسة مستويات: أزمة النظام السياسي الدولي، أزمة الاقتصاد العالمي، أزمة الأمن الدولي، أزمة الثقة في المؤسسات الدولية، وأزمة النموذج الاجتماعي والسياسي داخل الدول، وهذا يجعل مفهوم «الأزمة العالمية» أكثر دقة من الحديث عن أزمة اقتصادية أو سياسية منفردة.
ثانياً: الأزمة السياسية، هل يتراجع النظام الدولي القديم؟ فمنذ نهاية الحرب الباردة، بدا أن العالم يتجه نحو نظام تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، مع توسع المؤسسات الدولية والعولمة الاقتصادية. لكن السنوات الأخيرة أظهرت حدود هذا النموذج، فقد أصبحت العلاقات الدولية أكثر تنافساً بين: الولايات المتحدة الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والقوى الإقليمية الصاعدة. فهل انتهى زمن الهيمنة الأحادية؟ هل نحن أمام عودة الحرب الباردة؟ أم أمام نظام متعدد الأقطاب؟
هل تستطيع الأمم المتحدة مواكبة التحولات الجديدة؟
ماذا بقي من قواعد القانون الدولي؟ وهل أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية أهم من المؤسسات الدولية؟
ان المشكلة الأساسية أن النظام الدولي ما زال يعمل بمؤسسات أنشئت في القرن العشرين، بينما موازين القوة تتشكل في القرن الحادي والعشرين.
ثالثاً: الحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل العالم، ان الحروب المعاصرة لم تعد مجرد صراع على الأرض. بل إنها أصبحت صراعاً على: الطاقة، الممرات التجارية،
التكنولوجيا، الأسواق، الموارد، المعلومات، النفوذ الجيوسياسي، والأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار بؤر الصراع في العالم مختبرات للنظام الدولي الجديد: أوكرانيا، الشرق الأوسط، البحر الأحمر، تايوان، الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي. لكن الأهم: هل نحن أمام سلسلة حروب منفصلة، أم أن هذه النزاعات أصبحت أجزاءً من صراع عالمي أكبر على إعادة توزيع القوة؟
رابعاً: الأزمة الاقتصادية، هل انتهى عصر العولمة؟ ان العولمة التي قامت على حرية التجارة، وانفتاح الأسواق، وسلاسل الإنتاج العالمية، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات قوية منها: جائحة كورونا التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد. الحروب والعقوبات الاقتصادية التي أعادت الاعتبار إلى مفهوم الأمن الاقتصادي. التنافس الأمريكي–الصيني الذي دفع الدول إلى إعادة التفكير في: أشباه الموصلات، المعادن النادرة، الطاقة
الصناعات الاستراتيجية، الأمن الغذائي، والتكنولوجيا المتقدمة. وهكذا بدأ العالم ينتقل تدريجياً من:
اقتصاد العولمة إلى اقتصاد التنافس الجيوسياسي. ولربما هذه قد تكون واحدة من أهم التحولات الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
خامساً: الدولار والنظام المالي العالمي، هل يتجه العالم نحو نظام مالي متعدد العملات؟ ان الدولار ما زال يحتل موقعاً مركزياً في النظام المالي العالمي، الا ان الصين وروسيا ومجموعة بريكس وعدداً من الاقتصادات الناشئة تدفع باتجاه زيادة استخدام العملات الوطنية وتنويع أدوات التجارة والتمويل. ولا يعني ذلك اننا امام
«نهاية الدولار»، بل نحن أمام: محاولة لتقليص احتكار النظام المالي العالمي، وليس بالضرورة إسقاط الدولار.
سادساً: الأزمة الأمنية، من الحرب التقليدية إلى الحرب الهجينة، فالأمن العالمي تغير بصورة جذرية، ولم تعد الدولة تواجه الدبابات والطائرات فقط، بل تواجه أيضاً:
الهجمات السيبرانية، الطائرات المسيرة، الحرب الإلكترونية، التضليل الإعلامي، الذكاء الاصطناعي،
التجسس التكنولوجي، شبكات الجريمة المنظمة والحروب بالوكالة. وبذلك أصبح مفهوم الأمن أكثر اتساعاً. فأمن الدولة لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح رقمياً واقتصادياً وغذائياً وطاقياً ومعلوماتياً.
سابعاً: الذكاء الاصطناعي — الأزمة القادمة؟ وتعتبر هذه
واحدة من أكثر القضايا أهمية، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للنمو العلمي والاقتصادي، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح أداة لإعادة توزيع القوة العالمية. فالدول التي تتحكم في: البيانات، الرقائق الإلكترونية، الحوسبة، الخوارزميات، الطاقة.. قد تمتلك جزءاً مهماً من القوة العالمية في العقود المقبلة. ومن ثم فإن السؤال ليس:
هل سيغير الذكاء الاصطناعي العالم؟ بل، من سيملك الذكاء الاصطناعي، ومن سيضع قواعده، ومن سيتحمل تكلفته الاجتماعية والسياسية؟
ثامناً: أزمة الديمقراطية والثقة، وهي من أشد الازمات خطورة: فأزمة الثقة، في الحكومات، الأحزاب، البرلمانات
الإعلام، المؤسسات الدولية، والنخب السياسية. وهذا ما يفسر صعود الشعبوية والتطرف السياسي في عدد من المجتمعات.
ان المشكلة أن الديمقراطية قد لا تنهار بالضرورة عبر الانقلابات، وإنما يمكن أن تتآكل من الداخل عندما يفقد المواطن ثقته في المؤسسات.
تاسعاً: الجنوب العالمي وصعود عالم جديد، انه لا يمكن فهم الأزمة العالمية دون دراسة صعود: الصين، الهند، البرازيل، إندونيسيا، تركيا، دول الخليج، جنوب إفريقيا وغيرها. وهنا تبرز أهمية بريكس ليس باعتبارها بديلاً جاهزاً للنظام الغربي، وإنما باعتبارها مؤشراً على رغبة جزء متزايد من العالم في إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية. فهل يتجه العالم إلى تعددية حقيقية، أم إلى تعددية تنافسية تقوم على مناطق نفوذ متصارعة؟
عاشراً: إفريقيا — القارة التي أصبحت في قلب التحولات، ان إفريقيا لم تعد هامشاً في السياسة العالمية. فالقارة تمتلك: موارد طبيعية استراتيجية،
معادن حيوية، طاقة، موقعاً جغرافياً مهماً، سوقاً سكانية ضخمة، وإمكانات زراعية هائلة.
لكنها في المقابل تواجه: عدم الاستقرار السياسي،
الانقلابات، النزاعات المسلحة، الإرهاب، الفقر، أزمة الديون، والهجرة. فهل تصبح إفريقيا إحدى ساحات الصراع الأساسية في النظام الدولي الجديد؟
الحادي عشر: الهجرة، من ظاهرة اجتماعية إلى ورقة جيوسياسية، لقد اصبخت الهجرة جزءاً من الصراع الدولي. فهي ترتبط بـ: الفقر، الحروب، المناخ،الاقتصاد، الأمن، والسياسة. بحيث أصبحت بعض الدول تستخدم ملف الهجرة في التفاوض السياسي والضغط الدبلوماسي. وبالتالي فإن مفهوم: «الهجرة غير النظامية» لم يعد كافياً وحده لفهم الظاهرة. بل نحتاج إلى دراسة: جيوسياسة الهجرة.
الثاني عشر: الأزمة المناخية وأزمة الموارد،
مما لا شك فيه ان الأزمة المناخية ستصبح من أهم مصادر عدم الاستقرار خلال العقود المقبلة. فالماء، الغذاء، الطاقة والأراضي الزراعية قد تتحول هي ايضا إلى عناصر للصراع. ومن هنا يمكن الربط بين: المناخ، الهجرة، الفقر، النزاعات، وعدم الاستقرار السياسي. أي أن الأزمة المناخية ليست بيئية فقط، بل أزمة أمن قومي وأمن دولي.
الثالث عشر: ماذا يعني ذلك بالنسبة للمغرب؟ ان المغرب لا يستطيع تغيير موازين القوى العالمية. لكنه يستطيع تحويل موقعه إلى مصدر قوة. ويمكن تحديد خمس مزايا استراتيجية:
1. الموقع، فالمغرب يوجد عند ملتقى: أوروبا، إفريقيا، الأطلسي، المتوسط، والعالم العربي.
2. الاستقرار، ففي عالم مضطرب، يصبح الاستقرار السياسي والأمني قيمة جيوسياسية بحد ذاتها.
3. البنية التحتية، فالموانئ والطرق والمناطق الصناعية والطاقة المتجددة يمكن أن تجعل من المغرب منصة إقليمية.
4. إفريقيا، فكلما ازدادت أهمية إفريقيا في النظام العالمي، ازدادت أهمية الدول التي تمتلك قدرة على العمل داخلها.
5. العلاقات المتعددة، حيث يمكن للمغرب أن يحافظ على علاقات قوية مع: أوروبا، الولايات المتحدة، إفريقيا، العالم العربي، الصين، ودول آسيوية أخرى. وهذه ليست رفاهية دبلوماسية. بل قد تصبح ضرورة استراتيجية في عالم متعدد الأقطاب.
الرابع عشر: الخطر الأكبر على المغرب، ان الخطر ليس فقط في أن تحدث أزمة عالمية. بل الخطر هو أن تتحول الأزمات العالمية إلى أزمات داخلية عبر: الطاقة، الأسعار، التضخم، البطالة، والتوتر الاجتماعي، أو: الحروب، الهجرة، الأمن، والضغط على الحدود، أو: التنافس التكنولوجي، تبعية تقنية، فقدان القدرة التنافسية. لذلك فإن السياسة الخارجية المغربية في المرحلة المقبلة ينبغي ألا تنفصل عن: السياسة الاقتصادية، السياسة الطاقية، الأمن الغذائي، الأمن المائي، الأمن الرقمي، والبحث العلمي. وهنا تصبح السياسة الخارجية امتداداً للسياسة التنموية.
الخامس عشر: إلى أين يسير العالم؟ في هذا الإطار يمكن بناء أربعة تصورات كبرى:
الأول: عودة الاستقرار، حيث تنجح القوى الكبرى في إعادة بناء قواعد التفاهم، ويتم إصلاح المؤسسات الدولية، وتراجع الحروب. وهذا التصور يحتاج إلى تسويات كبرى.
الثاني: عالم متعدد الأقطاب، حيث تستمر الولايات المتحدة كقوة رئيسية، لكن الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية أخرى ستصبح أكثر تأثيراً. وهذا التصور قد يكون الأكثر واقعية.
الثالث: عالم من الكتل، حيث يتشكل العالم في صورة مناطق متنافسة: كتلة غربية، كتلة صينية/آسيوية، روسيا وشركاؤها، الجنوب العالمي. وهنا تصبح التجارة والتكنولوجيا والطاقة أدوات للصراع.
الرابع: الفوضى الجيوسياسية، حيث تتوسع الحروب الإقليمية، وتتراجع المؤسسات الدولية، وتتزايد الحروب السيبرانية وحروب المعلومات، ويصبح العالم أكثر فوضى واضطراب. وهو التصور الأخطر.
في الختام، ربما يكون من الخطأ وصف ما يحدث بأنه مجرد «أزمة عالمية». بل الأدق أننا أمام مرحلة انتقال تاريخي من نظام دولي إلى نظام دولي آخر لم تتحدد ملامحه النهائية بعد. فالعالم القديم لم ينتهِ بالكامل، والعالم الجديد لم يولد بالكامل. الا ان هذه المنطقة الانتقالية هي الأخطر. ففيها تتصارع: القوة مع القانون،
والعولمة مع الحمائية، والأحادية مع التعددية، والديمقراطية مع الشعبوية، والاقتصاد مع الجغرافيا السياسية، والتكنولوجيا مع الإنسان. ومن ثم فإن السؤال المركزي ألاكثر عمقاً هو: هل نحن أمام نهاية نظام دولي أم ولادة نظام عالمي جديد؟
اننا نحن تحول تاريخي يمكن صياغته في المعادلة التالية: القرن العشرون كان قرن القطبية والصراع الإيديولوجي؛ أما القرن الحادي والعشرون فيتجه إلى أن يكون قرن التنافس على التكنولوجيا والموارد والممرات والأسواق والبيانات. والقوة القادمة لن تكون لمن يملك أكبر جيش فقط، وإنما لمن يستطيع الجمع بين: المعرفة، التكنولوجيا، الاقتصاد، الأمن، الدبلوماسية، ةالإنسان.
أما المغرب، فإن التحدي أمامه ليس أن يختار بالضرورة بين واشنطن وبكين أو بين أوروبا وآسيا، وإنما أن يبني استقلالية استراتيجية تسمح له بالتعامل مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية.
«ففي عالم ينتقل من الهيمنة إلى التعددية التنافسية، لن تكون الدول المتوسطة مجرد متلقية لتحولات النظام الدولي؛ بل يمكن لبعضها أن تتحول إلى قوى وازنة إذا نجحت في تحويل موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، واقتصادها، وطاقتها البشرية، وشبكاتها الدبلوماسية إلى قوة استراتيجية مركبة.»
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































