مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي/الجزائر
دولة ما بعد الإستعمار
بعد الحرب العالمية الثانية،بدأت رياح التحرر من الاستعمار الأوروبي و من الهيمنة الامبريالية الغربية،تهب على إفريقيا و آسيا و حتى على أمريكا اللاتينية،حيث نشأت حركات وطنية مهمتها الأساسية هي طرد الاستعمار و بناء الدولة الوطنية الحديثة، و كل هذه الحركات الوطنية،كانت مهمتها مكتملة بخروج أخر جندي استعماري من أراضيها أي بتحقيق الاستقلال و استرجاع السيادة الوطنية. و هكذا تم إعادة تشكيل الخارطة الجيو/ سياسية للعالم من جديد،خاصة في القارات القديمة ،فظهر تقسيم جديد للعالم على أساس إيديولوجي،معسكر اشتراكي يقابله معسكر رأسمالي،كما تم تصنيف دول ما بعد الحرب الكونية الثانية،ولكن هذه المرة على أساس إقتصادي/ اجتماعي أو بعبارة أخرى تم التصنيف على مقياس التناقض الرئيس و هو التخلف و التقدم،و على أساس هذا التصنيف، تشكل ما يسمى بالعالم الثالث بحسبانه مجموعة من الكيانات السياسية الجديدة على الساحة الدولية جنبا إلى جنب العالم الأول أو ما كما يطلق عليه في أدبيات العلوم الاجتماعية بالغرب الرأسمالي إلى جانب العالم الثاني و كان يقصد به روسيا و أوروبا الشرقية. و لن نأت بجديد إذا قلنا،أن هذه الكيانات السياسية الوليدة قد واجهت حزمة من التحديات و الرهانات على المستوى السياسي و الاقتصادي كما كانت على موعد مع معضلات اجتماعية و ثقافية،حتى لا نقول تحديات حضارية، سواء على الصعيد الداخلي من قبيل بناء نظام سياسي/ديمقراطي و كذلك تحقيق الاندماج الوطني وحماية الوحدة الوطنية،و بالتالي الحفاظ على الإستقلال السياسي و السعي نحو بناء اقتصاد وطني و ممارسة السيادة الوطنية،و بعبارة أفصح التخلص من التبعية،كما كان هاجس التحديث حاضرا بقوة عند النخب السياسية الوطنية،أي تَحديّث الدولة من الناحية البيروقراطية و الإدارية و عصرنة المرافق العمومية و شَّق الطرقات و إنشاء الموانئ و المطارات و تطوير خطوط سكك الحديد،أما مسألة الدخول في الحداثة فقد كانت همًا بكل معاني الهّم،هّم بالمعنى النفسي و بالدلالا ت السياسية و الفكرية و الاجتماعية،هّمًّا أرق خطاب الإنتلجانسيا في دول العالم الثالث،خاصة و أن النخب في هذه الكيانات السياسية الجديدة أدركت منذ الوهلة الأولى أن تحقيق الاستقلال السياسي ممكن لكن بناء الدولة الوطنية الحديثة صعب إن لم نقل مستحيل. كما لا يجب أن ننسى التحديات على الصعيد الخارجي و على رأسها ضغوطات النظام الرأسمالي العالمي المستمرة و بأشكالها المختلفة و خاصة معضلة التبعية التامة للمركز الرأسمالي و بأذرعه المالية و الإقتصادية و العسكرية. الجدير بالملاحظة أن حركات التحرر في القارات الثلاث..إفريقيا ،أسيا و أمريكا اللاتينية حررت الأوطان فقط من الاستعمار القديم أي أنها أنجزت ما يسمى بالاستقلال الوطني،لكن الكثير من منها عجز تماما عن إقامة نظام سياسي/ديمقراطي و فشلت فشلا ذريعًا في بناء الدولة الوطنية الحديثة،دولة المؤسسات و سيادة القانون . و الغريب في الأمر أن كثير من الزعامات و القيادات التاريخية التي ناضلت طويلاً من أجل الإستقلال الوطني،ليس فقط وثبت على سدة الحكم و استولت على السلطة،بل و سَحقت المعارضة السياسية ،كل المعارضة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و احتكرت المجال العام و مارست قمعا غير مسبوق على الأفراد و الجماعات،قمع بلا هوادة للحقوق و الحريات،أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه قمع أسوأ في بعض من الأحيان حتى من القمع الذي مارسه الاستعمار الرأسمالي الغربي على هذه الشعوب و المجتمعات !
الديمقراطية أو الحمل الكاذب !
و لقد كانت الدولة الوطنية في المنطقة العربية على موعد مع هذه التحديات و خاصة التحدي المزدوج،التحديث la modernisation- – في مجال البنية التحتية و الحداثة-la modernité – في المجال السياسي و الثقافي و الإجتماعي. و الحقيقة التي لا خلاف عليها،أنه قد تمت محاولات في الحداثة و التحديث في دول العالم الثالث،لكن دون مراعاة شكل الدولة و الأخذ بعين الإعتبار طبيعة نظام الحكم و كذلك نوعية التشكيلات الاجتماعية/الاقتصادية،و دون وضع في الحسبان السياقات التاريخية و العوامل الجيو/ السياسية و حتى المحددات النفسية و الأنتروبولوجية للمجتمعات و الشعوب،كل ذلك ساهم بشكل أو بأخر في خصوصية وضع إشكالية الديمقراطية السياسية و الحالة الليبرالية ،بالنسبة للدولة الوطنية العربية الوليدة في المشرق العربي في عشرينيات القرن الماضي و في المغر العربي التي نشأت في الخمسينيات و الستينيات،و ساهم أيضا في صنع السياسات التي تصدت لمعضلة الحداثة و التحديث. و هكذا كانت الدولة في العالم الثالث،دولة ما بعد الاستعمار،دولة تسلطية/ إستبدادية/ قمعية،دولة تغوَّلت عل كل القوى السياسية و المدنية و على كافة الفئات و الشرائح و الطبقات الاجتماعية،دولة ابتلعت الجميع و دمرت الجميع،الأحزاب و الجمعيات و النقابات،استنادً على شرعية الكفاح من أجل الاستقلال و التحرر من الاستعمار. و لقد كانت الدولة في المنطقة العربية على موعد مع هذه التحديات و خاصة التحدي المزدوج،التحديث المادي و الحداثة السياسية،طبعا على حسب شكل الدولة و طبيعة نظام الحكم و حسب كذلك التشكيلات الاجتماعية/الاقتصادية،بالإضافة إلى الظروف التاريخية و العوامل الجيو/ السياسية و حتى الجغرافية السياسية،كل ذلك ساهم بشكل أو بأخر في خصوصية وضع إشكالية الديمقراطية السياسية ،بالنسبة للدولة الوطنية في العالم العربي، و ساهم أيضا في صنع السياسات التي تصدت لتلك المعضلة. و في هذه السلسلة من المقالات سنحاول مقاربة مسألة في غاية الأهمية لها علاقة بالحداثة السياسية و بالديمقراطية و الدستور و سيادة القانون و هي مسألة أصول الدولة التسلطية في المنطقة العربية،و بالأخص بلدان المغرب العربي الثلاث المغرب الجزائر و تونس.و ستكون المقاربة عامة بمعنى أننا لن ندخل في التفاصيل،و ذلك بتوظيف منهج التحليل التاريخي و القراءة التحليلية- النقدية . أما الإشكالية التي نتحرك في إطارها في هذه المقالات فهي مصاغة في سؤالين مركزيين كما يلي :
- لماذا و كيف ولدت الدولة الوطنية،دولة ما بعد الاستعمار في المغرب العربي دولة تسلطية/ إستبدادية على غرار الدولة العربية في المشرق العربي؟
- و لماذا عجزت النخب السياسية/الاجتماعية/الثقافية عن إدخال الدولة و المجتمع في نادي الحداثة السياسية؟ يتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدة أسئلة فرعية مثيرة للجدل.. منها:
- هل يمكن بناء دولة حديثة بمجتمع غير حديث؟
- و هل يمكن بناء مجتمع حديث بدولة غير حديثة؟
- و هل يمكن بناء دولة المؤسسات و سيادة القانون بدون نظام سياسي- ديمقراطي
و قبل تحليل هذه الأسئلة و الإجابة عليها،نرى من الضروري ضبط الكلمات-المفاتيح في هذه السلسلة من المقالات و هي: الدولة ،التحديث،الحداثة ،التسلطية ،الإستبداد ،الدكتاتورية،الشمولية و الديمقراطية.
المفهوم. .المعنى و السياقات
و مما لا شك فيه أن ضبط المفاهيم و المصطلحات مسألة في غاية الأهمية، و لنبدأ بمفهوم الدولة،فماذا يقصد بالدولة و بالمعنى الحديث؟ مفهوم الدولة مثل الكثير من المفاهيم و المصطلحات و حتى الكلمات في الفكر و الثقافة و الاجتماع العربي التي لها عدد من التعريفات،كما أنه مفهوم يكتنفه الغموض و لفظ تحيط به هالة من الإلتباس و سوء الفهم،عند العامة من الناس،و حتى عند بعض مايصطلح عليه الإنتلجانسيا. و في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى المشكلات الفكرية/اللغوية هي أن وجود اللفظ قديمًا في الثقافة العربية/الإسلامية و بالأخص ما ورد في النص القرآني من ألفاظ و كلمات،من قبيل الدولة،الأمة الحكم،الحزب..الخ فوجود اللفظ قديمًا لا يعني أنه كان يحمل نفس الدلالات و المعاني التي يحملها اليوم في العلوم السياسية. و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن من دلائل الغموض و الخلط في الثقافة و الاجتماع العرب،أن الكثير من الناس يستخدم لفظ الدولة قاصدًا بها السلطة الحاكمة،كأن يقال الدولة لا تريد معارضة سياسية،و هو يقصد في الحقيقة القول بأن السلطة لا تريد معارضة سياسية،هذا الخلط شائع في المفاهيم عند العامة و عند الخاصة سواء بسواء. و لهذا فالدولة بالمعنى الحديث،هي دولة وليدة الأزمنة الحديثة و بالضبط في الأربعة قرون الأخيرة في أوروبا حيث تبلور مفهوم الدولة الحديثة،و إذا أردنا تعريفا لمفهوم الدولة، كما تحددت في العلوم السياسية و علم الاجتماع السياسي و الفلسفة السياسية،نقول أنها كيان سياسي/قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها داخليًا و خارجيًا. أما مفهوم التسلطية،فيقصد به الشكل الحديث للاستبداد القديم،إستبداد القرون الوسطى في ظل الدولة السلطانية و هو نوع من الاستبداد معروف باسم الاستبداد الشرقي،فالتسلطية هي نمط من الاستبداد السياسي الحداثي،بمعنى أنها حالة استبدادية بأسلوب عصري،و في هذه الحالة الدولة التسلطية تستخدم في ممارساتها القمعية أخر ما توصل إليه العلم و التقنية من أدوات و وسائل و أجهزة حديثة و التسلطية هي ليست فقط نظام سياسي/اجتماعي نشأ و تشكل فقط في القرن العشرين بظهور الدولة الشمولية مثل الإيديولوجيات النازية في ألمانيا و الفاشية في إيطاليا و الستالينية في روسيا،بل إنها بالدرجة الأولى نظام ثقافي و طريقة في التفكير. كما نلفت الانتباه إلى أن هناك درجات من التسلط على حسب شكل الدولة و نظام الحكم،كما أن هناك عدة صيغ من التسلط،تتجلى في بعض النظم السياسية نذكر من بينها النظام.لسياسي الاستبدادي، و إذا شئنا تعريف الاستبداد لغة،نقول أنه هو الإنفراد بالرأي،فنقول استبد به و انفرد به و كذلك و استبد بالأمر بفلان،أي غلبه فلم يقدر على ضبطه،و اصطلاحا النظام الإستبدادي هو ذاك النظام السياسي الحاكم الذي يتميز بالقمع لكنه يترك هامش من حرية الإعلام و التعبير، كما أنه يسمح بقدر من المعارضة السياسية و يترك المجتمع المدني يتنفس و لكن في أضيق الحدود.أما النظام الدكتاتوري،فهو ذاك النظام الذي يضيق الخناق على الجميع،أفرادا و جماعات،و لا يسمح بأي شكل من أشكال المعارضة و الاختلاف و التعبير و التفكير الحر،فالمواطن في هذا النظام لا يستطيع أن يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان ! و يضاف إلى قائمة النظم السياسية الإستبدادية،النظام الشمولي : فهو نظام يتبنى إيديولوجية متطرفة يعتقد أنها صحيحة مائة في المائة و صالحة للتطبيق مائة في المائة و يعتقد أنصاره بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، و بالتالي كل من يعارض سياساته و إجراءاته و قراراته،فهو على خطأ مائة في المائة!! و لهذا فالنظام الشمولي- totalitarisme- لا يكتف بقمع المعارضين و لا يقنع بالتنكيل بالخصوم السياسيين،بل إنه يتدخل في أخص خصوصيات الأفراد و الجماعات،كأن يفرض عليهم نمط الغذاء الذي يجب أن يأكلوه و نوع اللباس الذي يجب أن يلبسوه بل و يجبرهمحتى على طريقة الزواج و شكل العرس ! و يستند النظام الشمولي عل شرعية القوة،و ذلك من خلال العزف على وتر إعادة أمجاد الماضي و انتصارات الأسلاف و انجازات الأجداد،و المثال البارز على ذلك هي الفاشية le fascisme- – في إيطاليا في عهد بينيتو موسوليني في عشرينيات و ثلاثينيات القرن العشرين التي أرادات إعادة أمجاد الأمبراطورية الرومانية،و كذلك الأمر في ألمانيا في حقبة حكم ادولف هتلر، إذ عمل الحزب النازي على أحكام قبضته على الدولة و المجتمع بكل ما يملك من أدوات السيطرة العسكرية و الهيمنة الإيديولوجية إلى تكرار إنتصارات بسمارك في القرن التاسع عشر،و هناك نموذج أخر للشمولية هو الستالينية في روسيا و التي و إن إختلفت في شكل نظام الحكم لكنها لا تختلف في المضمون عن روسيا القيصرية،فهناك تشابه كبير في طريقة البطش بالمعارضين السياسيين،و في المنطقة العربية ،و يمكن إعتبار حركات الإسلام السياسي عموما و جماعات الهوس الديني و فرق الإسلام الحزبي خصوصا،هي حركات و تنظيمات شمولية تتبنى إيديولوجية متطرفة و تريد إقامة دولة دينية على رأسها نظام حكم يحدد للناس ليس فقط نظام حياتهم من المهد إلى اللحد في الأكل و الشرب و اللباس بل و طريقة و قواعد الزواج و الطلاق و حتى شكل المعاشرة الزوجية ! و من البديهي القول أن حركات الإسلام السياسي،هي حركات إيديولوجية ملفوفة في بطانة دينية و بالتالي هي ليست تنظيمات دينية بل هي إن شئنا الدقة أحزاب سياسية تستخدم الدين كسلاح ايديدلوجي فتاك في تدافعها السياسي و صراعها الإيديولوجي،و الجدير بالذكر التيار السياسي الإسلامي في العالم العربي،و بكل ألوان الطيف التي يتركب منها،من أحزاب و جمعيات و مؤسسات،أقول كلها تلتقي كلها عند فكرة واحدة هي إعادة الخلافة الإسلامية، و بأي صيغة من الصيغ حتى كانت بصيغة معدلة،كما أن الإسلاميين يتبنون مسلمة أساسية، كُلُّ جماعات التيار الإسلامي،من الجماعة الأكثر تطرفا إلى الأكثر اعتدالا،و هي إقامة الدولة الإسلامية التي مهمتها الأساسية هي تطبيق الشريعة الإسلامية،الشريعة بالتأويل السلفي. و القاسم المشترك الذي يجمع هكذا نوع من الدول و الأنظمة هو السياسة القمعية المسلطة على جموع الجمهور و الشعب و الرعايا.
الجيش. . السلطة و الدولة
و في الحكم التسلطي لا يهم،لا شكل و لا تسمية الدولة،سواء أكانت جمهورية أو مملكة أو إمارة لأن نظام الحكم التسلطي قد يرتدي القبعة العسكرية،أي حكم العسكر،كما كان الأمر في دول أمريكا اللاتينية في الستينيات و السبعينيات و حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي،كما قد يضع على رأسه العمامة الدينية،أي الحكم الديني/الثيوقراطي كما هو الحال في بعض الدول في العالم الإسلامي مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية،حيث حكم رجال الدين و في دولة أفغانستان،تحت حكم حركة طالبان المتشددة دينيا و سياسيًا. و من المؤكد أن جميع أشكال التسلط و من خلال سياسيات القمع و إجراءات القهر و تدابير التسلط تنتهي كُلّها،لا محالة عند محطة الأزمة الخانقة و الإنسداد التاريخي و الدخول في النزاعات الأهلية المدمرة،بله الحرب الأهلية،و ما جرى في الجزائر و سوريا و العراق و يجري في السودان و ليبيا و اليمن،أكبر شاهد إثبات على ما نقول. و ثمة ملاحظة لا بد من الإشارة إليها هاهنا،هي أن هذه الدول التي عرفت حكومات استبدادية و أنظمة تسلطية، من الممكن أن تشهد هذه الأنظمة المستبدة إنتقال ديمقراطي ناجح،كما كان الأمر في أوروبا الشرقية في التسعينيات و بعض دول أمريكا اللاتينية في الثمانينيات من القرن الماضي،أو قد يكون هناك،إنتقال ديمقراطي فاشل كما حدث في كل الدول العربية،بلا استثناء،و خاصة بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي،و الأدهى و الأمر،أنه في أثناء أحداث الربيع العربي،ليس فقط سقط نظام الحكم في بعض الدول العربية، بل سقطت الدولة بأكملها،كما جرى الأمر في ليبيا و السودان و سوريا،إذ سقط النظام الحاكم و سقطت معه الدولة،إن كانت هناك دولة ! أخيرًا و ليس آخرًا،إن الدولة التسلطية هي نتاج ظواهر عالمية تجلت في القرن العشرين و أحداث سياسية/إقتصادية كبرى أدت إلى تدخل الدولة بشكل مكثف في الاقتصاد و الاجتماع . و في العالم العربي الدولة التسلطية كانت نتيجة طبيعية لفشل الفئات الارستقراطية و الطبقات البرجوازية و الأحزاب السياسية الليبرالية التي كانت لاعبًا أساسيا في تكوين و نشأة الدولة الوطنية في مصر و سوريا و العراق في عشرينيات القرن الماضي،كما قادت الطبقات البرجوازية و البرجوازية الصغيرة و بأحزابها الليبرالية،الحركات الوطنية من أجل الاستقلال،و لكن هذه الطبقات و الفئات الإجتماعية سرعان ما دخلت في تناقضات صارخة مع طبقات إجتماعية أخرى،و خاصة بعد إن إستلمت مقاليد الحكم في دولة ما بعد الاستعمار،إذ فشلت في حل مشكلة الفوارق الطبقية و في تحقيق العدالة الإجتماعية و في فك الإرتباط مع القوى الإستعمارية. و نتيجة لذلك قام العسكر في الخمسينيات و الستينيات بسلسلة من الإنقلابات العسكرية بهدف الإستيلاء بالقوة،ليس فقط على السلطة بل على الدولة،حدث ذلك في مصر مع جماعة الضباط الأحرار بقيادة الرائد جمال عبد الناصر عام 1952، كما عاشت سوريا على وقع ثلاث إنقلابات عسكرية متتالية في أقل من سنة ،مع إنقلاب العقيد حسني الزعيم عام في شهر مارس ،و إنقلاب العقيد سامي الحناوي في شهر أوت من نفس السنة،ثم أعقبه إنقلاب العقيد أديب الشيشكلي في ديسمبر و كلها في عام 1949 ،و سوف يتواصل مسلسل الإنقلابات ولكن هذه المرة في العراق أعوام 1958 ، 1963 و1968 أما في الجزائر فقد وقع انقلاب عسكري واحد وكان في عام 1965 ، أما في ليبيا فقد شهدت هي كذلك انقلاب واحد و كان في عام 1969 و اليمن عام 1961. و الحقيقة المرة أن العسكر إستولوا ليس فقط على السلطة في العالم العربي بل إبتلعوا الدولة و أمموا الإقتصاد و استخدموا الدين و سيطروا على المجتمع. و بعد أن إستتب لهم الآمر وضع العسكر أسس و قواعد نظام حكم تسلطي، بواسطة الإمساك بثلاثة مفاتيح أساسية هي: السلاح، السلطة و الثروة. و قد تم لهم ذلك عن طريق سلسلة من القرارات و الإجراءات من بينها اتخاذ إجراءات و قرارات اقتصادية مثل تأميم الشركات و المؤسسات الاقتصادية و مصادرة أملاك الطبقة البرجوازية،و لم تكتف دولة العسكر،بذلك بل إخترقت المجتمع عامة و المجتمع المدني خاصة من جمعيات و منظمات و احتكرت المجال العام و منعت الأحزاب السياسية من النشاط في العلن.التي تحولت إلى مجرد أذرع و أبواق للسلطة الحاكمة تمارس الهيمنة و السيطرة. و بعد سنوات قلائل كان المشهد العربي في غاية القتامة،تشرذم المجتمع و تفتت المنظمات الأهلية و تذرر الجماعات و تجريف الحياة السياسية،كما اهترأت مؤسسات الدولة و ترهلت و أصيبت الكيانات السياسية/الاجتماعية/الإعلامية و القضائية و القضائية بالشلل التام و عجزت عن مواجهة تحديات العصر و مشكلات الأزمنة الحاضرة..بل وعادت القوى الاستعمارية. و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن دولة العسكر التسلطية و بسبب العجز عن فك الارتباط بالتبعية و الفشل في مواجهة القوى الاستعمارية،أفرزت الأصولية الدينية وجماعات الإسلام السياسي الذي قام بإدخال المنطقة العربية في دوامة العنف و الإرهاب،بل و كانوا سببًا في جلب جيوش القوى الاستعمارية إلى المنطقة العربية.
ملاحظة: للمقال مصادر و مراجع



















































