د. خالد زغريت
العلاقات السياسية بين فرنسا والدول العرب تخضع لمنظور صنّاع السياسية الفرنسية لأنظمة الحكم في الدول العربية، و طبائع مجتمعاتها وسماتها، ومهما بدا الاختلاف في سياسة الأحزاب التي تحكم فرنسا. فهي تنطلق من رؤية ساستها لهذه الثنائية في بنية أنظمة الحكم العربية. و تكاد تكون نظرة لهذه الثنائية ثابتة. لا لأن سياستها لم تتطور، بل لأن تلك الثنائية تستولد نموذجها من غير انعطاف فارق عن ماضيها التقليدي . فمنذ معرفة الغرب بالعرب عبر العلاقات التاريخية، أو من خلال الاستشراق الذي نشأ لمعرفة المجتمع العربي من خلال ثقافته بهدف الهيمنة عليه ، أو بتعبير “إدوارد سعيد”: هو أسلوب غربي للهيمنة على الشرق، وإعادة صياغته وتشكيله وممارسة السلطة عليه.
يُخيّل للبعض أن منظور سياسة فرنسا للعرب تغيّر نتيجة انتقالها من طور السياسة التقليدية إلى السياسة الحدثة التي نشأت من حداثة التكنولوجيا ، فالسياسة الفرنسية بتعبير أحد صنّاعها المعاصرين “برتراند بادي” ولدت من رحم الحداثة التكنولوجية، وهي ” حداثة كلية وكونية ، وهي التي تخلق نمط حكم مصاحباً للحداثة التكنولوجية ” . وبرأيه هذا النمط من الحكم مرَّ بمراحل عدة ، ” استغرق زمناً طويلاً ، فقد اخترعت الدولة الغربية في الواقع خلال ستة قرون ، ثم جرى تصديرها ، وكان تصدير الحداثة السياسية، تصادفه مشكلات كثيرة خلافاً لتصدير حداثة التكنولوجيا”.
و يرى ” برتراند بادي” أن هذه الحداثة ولّدت نموذج دولة حديثة ، تأسست على علوم سياسية غربية أنشأت مصطلحات كونية كلية للسياسة، وهي قادرة على تفسير ما يجري في العالم كله”. وهذا يعني أن إسترتيجية السياسة الفرنسية ترى أن نموذج دولتها الحديث هو المَثل الأعلى للدولة الحديثة ، وهو مقياس للدولة ، وعلى أسس ونتائجها تبنى العلاقات السياسية.
وتفترض هذه الإستراتيجية الفرنسية وفق صنّاعها ، أن الدول العربية السائدة هي نقيض هذا النموذج، لأنها لم تبلغ صورة الدولة الحديثة النموذج ، والعلاقات بين السلطة العربية والمجتمع وأفراده شديدة التباين ” لدرجة يستحيل معها الحديث عن دولة بالمعنى الغربي للدولة”.
يتأسس على هذه المقارنة ، طبيعة العلاقات التي تقوم بين فرنسا و العرب ، وعليها تبنى سياسة الغرب تجاه العرب، وبتعبير محرج وجارح للعرب ، تنطلق علاقات الغرب السياسية بالعرب من علاقات دول مع مجتمعات لم ترق إلى شكل الدولة . وهذا ما يجعلها علاقات فوقية استعلائية ، غير متكافئة. تستثمر في هذا الخلل البنيوي للدول العربية، بطريقة تشبه العلاقات الاستعمارية للغرب بالعرب ، لكن بأساليب منمقة تجميلية .
تكاد هذه الأساليب أن تستعيد بصورة حديثة ، مفهوم الوصاية ، بمعنى أن السياسة الغربية تقوم على أساس دولة حديثة ، مع كيانات اجتماعية لا توازيها ، وبالتالي تكون سياستها تجاهها سياسة ذات مرجعية وصائية تعود نشأتها إلى أوائل القرن العشرين وهو تعبير عن وصف لعلاقات القوة بين الدول الكبرى والدول الأضعف غير القادرة على تشكيل قرين مواز . وبذلك تكون علاقات فرنسا بالعرب علاقات تؤدي إلى التبعية، و لا تهدف إلى تطوير المتبوع بل تبقيه في دائرة الاستلاب في تدوير حديث للهيمنة المستمدة من الروح الاستعمارية.


















































