الفن بين الإشباع الاستعاضي والرّؤية الإبداعية 

4 يونيو 2026
الفن بين الإشباع الاستعاضي والرّؤية الإبداعية 


شيماء اضباني

كاتبة من المغرب

تخصص فلسفة الفن والجماليات

لطالما ارتبط الفن بالجرح الإنساني. فالفنان، في جوهره ،إنسان يتألم. غير أن السؤال هنا الذي ظل يؤرق النقد الفني والفسلفي هو: ما وظيفة الألم داخل العمل الفني؟ هل يبقى الفنان دائما أسيرا لجرحه؛ يكتبه، يرسمه بحثا عن علاج لنفسه؟ أم أنه يتجاوزه ليحوله إلى رؤية مغايرة لنفسه وللعالم من حوله؟ 

هل يمكننا الحديث عن الفن كمنارة جديدة تكشف للإنسانية أبعادا مختلفة لم تكن تراها في الواقع؟ أم أن الألم يكون أقوى من أي شيء آخر؟ هذا ما يدفعنا للتساؤل عن الارتباط الوثيق بين الفن باعتباره من زاوية تعبيراً عن العالم الداخلي للفنان، ومن جانب آخر كرؤية إبداعية فنية. من هنا يبقى السؤال: لماذا يرسم الإنسان؟ في خضم هذا الصّراع القديم في فلسفة الفن نحن بصدد رؤية ترى: أن الفن بوصفه وسيلة للإشباع التّعويضي.

الفن يلعب دوراً مهما في الإشباع العاطفي والنقص الداخلي، بحيث يمكنه أن يكون وسيلة يعوض بها الإنسان عن نواقص أو صعوبات في الحياة؛ بعبارة أخرى كل عمل فني يهدف إلى أن يكون تطويراً للحياة وتعويضا عن نقائصها. ” كان كثير من السرياليين متأثرين إلى حد كبير بما كتبه سيغموند فرويد الذي بين أن الطفل والمتوحش فينا يسيطران علينا عندما ترقد أفكارنا الصاحية. وهاهي ذي الفكرة التي جعلت السرياليين يعلنون أن الفن لا يمكن إبداعه أبدا في حالة اليقظة التامة للعقل. ولعلَّهم أقرُّوا بأنَّ العقل يمكن أن يعطينا العلم، وبأن اللاعقل فحسب يمكن أن يعطينا الفن.”[1]   

يمكننا القول بأن الفن يحاكي العالم الداخلي للفنان، أي محاكاة للأعماق النفسية للفنان، على سبيل المثال رسام يعبر عن معاناته عبر لوحاته، فالفن في سياق التحليل النفسي عند سيغموند فرويد تعويض عن الرغبات المكبوتة، ينتج الفن من الكبت والتسامي. الفنان يحقق رغباته المكبوتة في اللوحة بدل الواقع. هنا يتجلى لنا “الإشباع الاستعاضي” بأوضح صوره في تجربة الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو، فبعد حادث الباص  1924م، الذي حطم عمودها الفقري وحوضها، تحولت غرفة نومها إلى مرسم ومرآة، وبالتالي تحولت معه تجربة الألم إلى إبداع غني من نوعه، وهذا ما اتضح لنا في لوحة العمود الفقري وباقي لوحاتها، لم تقدم لنا الفنانة المكسيكية رؤية جمالية للعالم الخارجي بقدر ما قدمت رؤية جمالية للعالم الداخلي بكل صراعاته وتناقضاته، الفن هنا لم يكن رسالة للآخر بل رسالة من الذات إلى الذات نفسها؛ أي دواء للذات الإنسانية المكسورة  والمنكسرة. فريدا كاهلو قصة إبداع ثائر صنعها الألم، ومن رحم الألم إلى قلب الفن، من خلال تجربة جسدها المجروح.

 فريدا كاهلو لم ترسم لوحة العمود الفقري من أجل رؤية جديدة ومغايرة للعالم بل من أجل علاج ذاتها، حيث حولت الجسد من ألم إلى إبداع فني. مع تجربتها نحن بصدد تحويل الألم لفن، تحويل ألم الجسد إلى إبداع فني، بالتالي فالألم هنا هو مصدر إلهام كاهلو؛ نقلت ألمها عبر لوحاتها الفنية، كانت طبيعة الموضوعات الغالبة على رسومات فريدا هي فريدا نفسها، حيث قدمت المرأة في ؛ صراعها وألمها ورغباتها.

استطاعت الرسامة المكسيكية التعبير عن ذاتها بكل آلامها من خلال لوحات تركت آثارا لا تمحى، حولت جراحها إلى لوحات ومعاناتها إلى ألوان.  ومن هنا يتضح لنا أن أدوات الرسم من؛ ألوان، فرشاة هي أدوات للعلاج في الآن ذاته. وبالتالي الجرح عند فريدا لم يكن عائقا، بل تحول إلى أداة الرسم الأساسية “نعلم علم اليقين أن الفن يصل في الغالب إلى تحقيق أعمق تأثير له وذلك عن طريق تركيزه للألم الذي نعانيه وحملنا على الوعي به وعيا كاملا”[2]

جعلت فريدا كاهلو الإنسان الآخر يرى الألم حيا واقعيا، كان الرسم هو الملجأ الوحيد للتعبير عن معاناتها عبر خيالها: “رسمت نفسي، لأنني الشخص الذي أعرفه أكثر”.  الإبداع يولد من رحم المعاناة، وهذا ما اتضح لنا من خلال التجربة الذاتية والشخصية لأشهر رسامة مكسيكية، التي تجاوزت حدود الزمان والمكان.  وجعلت من الحزن مرآة تعكس أعماق التجربة الفنية.

من خلال تجربة فريدا كاهلو على سبيل المثال لا الحصر، اتضحت لنا جوهر العلاقة بين الفن والمعاناة، وكيف أن الفن يمكنه أن يكون وسيلة للتعبير عن الذات الإنسانية في أضعف صورها وهشاشتها، وأن يكون مصدرا للقوة من خلال تحويل تجربة الألم المعاشة إلى رؤية فنية ممزوجة بألم. “إنالفن يبدو الملجأ الوحيد الذي مازال متاحا فيه للفرد أن يعبر عن أهوائه المتقلبة وخصاله المتميزة، وأن يكنزها أيضا.”[3]  الفن هو الملجأ الذي يعبر فيه الإنسان عن إنسانيته والعالم من حوله.

إن العمل الفني يحمل على الدوام أكثر من معنى ؛ واختزاله في كونه إشباع تعويضي يمكن أن يضع الفن بصدد تأطير يقلل من قيمة العمل الأدبي، من هنا تطرح لنا مسألة الحديث عن الفن من زاوية أخرى التي ترى بأنه رؤية إبداعية محضة،  وتحمل في داخلها دلالة فنية عميقة: الواقع أن النظر للفن على أنه تعويض عن فرص ضائعة أو عن زمن أو نعيم مفتقدين قد يجعلنا نرى في كل نجاح في الحياة إجهاضا لأثر فني، ولا جدال في أن هذا الاختزال  يمكن أن يقلل من قيمة العمل الفني ويسلبه رؤيته الإبداعية الفنية. 

في لوحة “ليلة النجوم” لفان كوخ 1889م،  لم يرسم فقط ليشفي نفسه  بل رسم ليعطي البشرية عدسة جديدة ترى بها السماء، فالسماء العادية التي رآها من نافذته في مستشفى الأمراض العقلية، ليست هي نفسها السماء التي رسمها، هنا الجرح كان نقطة الانطلاق ولكن الرؤية كانت نقطة الوصول، رسم فان كوخ السماء ليس كما هي بل كما يجب أن تكون، رسم رؤيته للكون، رسم الكون الخارجي بنظرة جديدة؛ فالسماء ليست ساكنة بل عندها نبض، النجوم ليست نقاط بيضاء فقط بل ضوء حي، الكون هنا حي وليس ميكانيكي، أعطى للسماء روح جديدة وحول دوامة اكتئابه إلى رؤية كونية تنير البشرية جمعاء، الفن هنا تجاوز الإشباع التعويضي ليصل لقلب الرؤية الإبداعية.   

يتجلى هذا التداخل بقوة في تجربة فان كوخ، فمعاناته النفسية لم تكن المصدر الوحيد الذي استقى منه، بل كانت أحد الروافد التي شكلت رؤيته للعالم. فالألوان الصارخة التي ميزت لوحاته، كـ”عباد الشمس” و”ليلة النُّجوم”، قد تعكس جانباً من الصَّخب الدَّاخلي الذي عاشه، وفي الوقت نفسه تكشف عن قدرة الفنان على تحويل هذا الاضطراب إلى فن، وهكذا لم يكن فان كوخ مجرد ناقل لآلامه، بل كان مبدعا يعيد تشكيل واقعه بريشته، ليمنحنا عالما أكثر تعبيرا من الواقع نفسه.        

إن مسار الفن العظيم كثيرا ما ينطلق من جرح الذات. فكما كشفت فريدا كاهلو، يمثل “الإشباع الاستعاضي” أحد المنابع الأساسية، حيث يستمد صدقه من الجرح فيتحول الجسد والمرآة إلى أدوات نجاة من الانهيار. في حين أن تجربة فان كوخ تكشف إمكانية تجاوز عتبة الذات، ليستمد كونيته من الرؤية. ورغم ذلك، لا يختزل الإبداع عند حدود الألم. بل قد يتجاوزه الفنان أحيانا ليصل إلى ما يمكن تسميته بالإبداع الخالص. فالفرح، والتأمل، والاندهاش بالطبيعة، كلها روافد أخرى تغذي الفن وتمنحه ألوانا يمكن أن تكون أوسع من تجربة الألم، وأقدر عل استيعاب تعدد المشاعر الإنسانية.

 ____________

 إرنست غومبرتش، قصة الفن، ترجمة عارف حديفة، هيئة البحرين للثقافة والآثار، الطبعة الثالثة، ص: 592.[1]

 آرنولد هاوزر، فلسفة تاريخ، ترجمة رمزي عبده جرجس، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية، ص: 73.[2]

 قصة الفن، مرجع سابق، ص:613.[3]

مقال خاص لصحيفة قريش- لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com