زئير حجر صامت
قصة:
عبد اللطيف مبارك

كاتب من مصر
لم يكن زلزالًا بقوة سبع درجات على مقياس ريختر، بل كان شيئًا أعمق بكثير هزّ روح الأرض نفسها. في تمام الساعة الثالثة فجرًا، بينما كان حراس الموقع الأثري غارقين في النوم، وأنوار عرض “الصوت والضوء” قد أُطفئت منذ زمن، تحرّك الحجر.
تنهّد أبو الهول. تنهيدة بدت وكأنها عاصفة رملية مصغرة، دفعها الرياح نحو حييّ الهرم وفيصل. شعر بجسده الرابض في تلك الحفرة منذ آلاف السنين يكتسب مرونة، وسرى في أطرافه الحجرية دماء من ضوء قديم. نفض غبار القرون عن لِبدته الأسدية، ورفع رأسه البشري نحو السماء. لم تكن هذه هي السماء التي يذكرها؛ كانت رمادية، مخنوقة بدخان المصانع وعوادم السيارات، خالية من النجوم التي كان يهتدي بها السائرون.
انتصب واقفًا، فبدت قامته المهيبة كجبل عتيق. التفت لينظر إلى الأهرامات الثلاثة خلفه؛ فبدت له كأخوة كبار مستغرقين في نوم عميق لم يشأ أن يزعجه. خطا خطوته الأولى خارج سجنه، وتوجه جسده الضخم المنحوت من الحجر الجيري شرقًا، نحو بريق غريب لنداءات قاهرة صاخبة.
عندما وصل أبو الهول إلى أطراف شارع الهرم، تجمّد في مكانه. بدت له الأرض مغطاة بنهر أسود طويل (الأسفلت)، تزحف فوقه خنافس معدنية مضيئة تطلق أصواتًا حادة ومزعجة (السيارات والتكاتك).
لم يكن أحد ليتخيل أبدًا أن الحجر يمكنه السير. وكان أول من رآه سائق تاكسي يُدعى “العم مصطفى”. كان يرتشف شاي الفجر عندما رأى ظلالاً داكنة تغطي الشارع بأكمله. نظر من نافذته فسقط الكوب من يده؛ جسد أسد برأس ملك، وبذلك الأنف المكسور الذي يعرفه كل طفل منذ المدرسة الابتدائية، واقفًا في منتصف الطريق.
• المشهد: توقفت السيارات فجأة، وملأ صرير المكابح الأجواء.
• رد الفعل: لم يهرب الناس خوفًا، بل تملكتهم حالة من الدهشة المصرية الخالصة. ترجل الشباب من سياراتهم والهواتف في أيديهم لالتقاط صور “سيلفي” مع الأسطورة الحية.
نظر إليهم أبو الهول بعينيه الكبيرتين اللتين رأتا ملوكًا وأنبياء وغزاة. لم يفهم تلك العلب المضيئة الصغيرة بين أيديهم، لكنه لمس أمانًا غريبًا في وجوههم؛ كانت لهم نفس البشرة السمراء الملوّحة بالشمس، ونفس العيون اللوزية التي نحتها أجدادهم على جدران المعابد.
قرر أبو الهول تجنب الشوارع الرئيسية، ودفعه الفضول نحو الأزقة الضيقة، حيث تتراكم مبانٍ من الطوب الأحمر العاري والخرسانة. توغل في قلب حي شعبي فقير للغاية، واضطر إلى ضم كتفيه الحجريين العريضين ليمر بين البيوت.
وهنا تجلت الحقيقة عارية تمامًا أمام عينيه الحجريتين:
• حبال الغسيل الممتدة بين النوافذ بدت كأعلام ملونة تلخص الفقر والصبر.
• امتزجت رائحة الفول المدمس ونسمة الصباح برائحة القمامة المتراكمة في زوايا الشوارع.
• أطفال بملابس رثة يركضون خلف بعضهم البعض؛ توقفوا فجأة يشيرون إليه بأيديهم الصغيرة بين الدهشة والفرح.
رأى أمًا تجلس على عتبة بيتها تخبز العيش البلدي في فرن صغير. لم تفزع، بل نظرت إلى ذلك الوجه الملوكي وقالت بتلقائية وعفوية: “الله يعيننا… حتى أنت صِحيت يا أبو الهول عشان تشوف حالنا؟”
شعر الحجر بقلبه يلين. هذا الفقر لم يره قط في عصر الفراعنة؛ ففي زمنه كان البؤس مغلفًا بالطاعة والقرابين، أما هنا فالإنسان يصارع الحياة بابتسامة مكسورة.
تابع مسيرته حتى وصل إلى ميدان صغير في حي السيدة زينب. هناك، كانت قهوة بلدي تبدأ في استقبال زبائن الصباح الباكر. اختار أبو الهول أن يجلس بجسده الضخم رابضًا على الأرض بجوار المقهى، بحيث صار رأسه بمحاذاة الطابق الأول من البنايات.
سرعان ما تجاوز صاحب المقهى، “المعلم كرم”، صدمته بفضل “الفهلوة” المصرية الشهيرة. وبدأت الحشود تتجمع بالآلاف. أحضر المعلم كرم برميلاً كبيرًا ملأه بالماء المغلي، وسكب فيه كيلوجرامًا من الشاي والسكر، وقدمه لأبو الهول كضيافة تليق بالملوك.
تحدث أبو الهول لأول مرة. بدا صوته كصوت رعد في وادٍ سحيق، لكنه كان مفهومًا، بلغة عربية فصحى تمتزج بها لكنة قديمة:
“يا معشر البشر… كيف ضاقت بكم الأرض هكذا حتى سكنتم فوق بعضكم كأبراج الحمام؟ وأين ذهب الذهب الذي كان يغطي مسلاتي؟”
أجابه رجل عجوز يرتدي جلبابًا ويجلس على كرسي خشبي: “يا جلالة الملك، الذهب ذهب مع أصحابه، ونحن ورثنا الصبر. الأرض لم تضق، بل قلوب الحكام هي التي صغرت، فبنينا بالطوب الأحمر ما يستر بؤسنا”.
غادر أبو الهول السيدة زينب وتوجه نحو النهر، نحو ذلك الشريان الحيوي الذي يعرفه جيدًا: النيل. سار فوق كوبري قصر النيل وتوقف أمام الأسود الأربعة التي تحرس أول الكوبري وآخره.
نظر إليهم أبو الهول ونظروا إليه (أسود البرونز التي أمر بصهرها الخديوي إسماعيل). شعر بنوع من القرابة معهم، لكنهم كانوا صامتين، باردين، مصنوعين من معدن حديث لا يحفظ روح الأرض كما تحفظها حجارته الجيرية.
تحت الكوبري، رأى العشاق من الشباب يجلسون على المقاعد الخشبية يقتسمون قرطاسًا رخيصًا من الترمس. ورأى الصيادين يلقون شباكهم في مياه لم تعد زرقاء وصافية كما تركها، بل محملة بالطمي والمخلفات. ومع ذلك، كان النيل يتدفق بإصرار.
مدّ أبو الهول كفه الحجرية الكبيرة، واغترف قليلاً من ماء النهر وشرب. شعر بطعم التاريخ، طعم عرق الفلاحين، دموع المظلومين، وأغاني الصيادين. التفت إلى الحشود وقال: “النيل لا يزال حيًا… وطالما أن النيل يتدفق، فلن تموتوا”.
عبر أبو الهول نحو منطقة “وسط البلد”؛ ميدان التحرير وميدان طلعت حرب. هنا تجلت له الحداثة بكل شراستها وجمالها:
• البنايات المصممة على الطراز الأوروبي تذكر بأمجاد قريبة.
• الإعلانات المضيئة العملاقة تعرض ملابس فاخرة، وهواتف ذكية، وشققًا في مجمعات سكنية مغلقة (كومباوندز) معزولة خلف أسوار عالية.
قارن أبو الهول بين الصور البراقة في الإعلانات وبين الباعة الجائلين الذين يفترشون الرصيف تحتها لبيع الجوارب والملابس الزهيدة. رأى شريحة من المجتمع تعيش في أبراج عاجية، وملايين يركضون وراء لقمة العيش.
شُلّت حركة المرور تمامًا في قلب العاصمة. وصلت قوات الشرطة وحاصرت المنطقة بسياراتها المدرعة. أمسك ضابط شاب مرتبك بمكبر الصوت وقال بنبرة ضائعة: “يا فندم… يا سيادة أبو الهول… لو سمحت ارجع مكانك في الحرم الأثري بالهرم… أنت معطل المرور ومخل بالأمن العام!”
ابتسم أبو الهول؛ ابتسامته الغامضة الشهيرة. لم يتحرك، بل ظل يتأمل ناطحات السحاب التي تحاول تحدي السماء مثل الأهرامات، ولكن بلا شرف وبلا خلود.
في زاوية مظلمة بالقرب من ميدان رمسيس، تحت كوبري خرساني ضخم، رأى أبو الهول مجموعة من الأطفال ينكمشون حول نار أشعلوها بالورق والكرتون. كانوا “أطفال الشوارع”، الذين نسيَهم المجتمع في صخبه.
اقترب منهم ببطء، وجعل خطواته خفيفة حتى لا يفزعهم. انتبه الأطفال لوجوده، لكن البرد والجوع جعلاهم غير مبالين بأي خطر. نظر إليهم أبو الهول بحزن عميق؛ هؤلاء هم بناة المستقبل، لكنهم تائهون.
• أحنى جسده الضخم حتى لامس الأرض.
• بسط ذراعيه الحجريتين العريضتين ليصنع درعًا يحميهم من رياح الليل الباردة.
• استند الأطفال إلى أطرافه الحجرية، التي كانت دافئة بفعل شمس النهار التي امتصتها الصخور.
لأول مرة منذ آلاف السنين، شعر أبو الهول بجدوى حقيقية لوجوده؛ ليس كرمز للملكية أو الحراسة، بل كملاذ ودفء لأطفال بلا مأوى. نام الأطفال في حضن التاريخ، وسالت دمعة حجرية وحيدة على وجه أبو الهول، سقطت على الأرض فأنبتت زهرة لوتس صغيرة من بين شقوق الخرسانة.
مع فجر اليوم الثاني، أراد أبو الهول أن يفهم كيف يمكن لملايين البشر أن يتحركوا داخل هذه المدينة السرطانية. سمع هدوءًا يمزقه دويّ قادم من تحت الأرض: إنه مترو الأنفاق.
أحدث فجوة رقيقة في السقف الخرساني لإحدى المحطات العلوية ونظر إلى الأسفل. رأى قطارًا معدنيًا طويلًا يبتلع آلاف البشر ثم يقذفهم في ثوانٍ معدودات. كان مشهد التكدس مرعبًا: الوجوه متعبة، العيون غارقة في التفكير بتدبير المصاريف، والأمراض، والمدارس.
رأى رجلاً يحمل حقيبة أوراق مهترئة، يبدو أنه موظف حكومي بسيط، يتشاجر مع آخر من أجل سنتيمترات قليلة يقف فيها. صرخ أبو الهول من الأعلى:
“لماذا تتشاجرون على الضيق وعندكم صحراء شاسعة تحيط بكم؟ لقد بنينا الأهرامات في الفراغ لتتسع للخلود، وأنتم تحشرون أرواحكم في جحور النمل!”
ساد صمت مفاجئ في المحطة. نظر الموظف إلى الأعلى، ومسح عرقه وقال: “الصحراء لمن يملك ثمنها يا أبو الهول… نحن لا نملك سوى ثمن هذه التذكرة”.
قضى أبو الهول يومًا آخر يتجول في أزقة القاهرة. زار مسجد الحسين، واستنشق رائحة البخور في خان الخليلي، واستمع إلى أصوات المؤذنين وهي تتمازج مع أغاني أم كلثوم المنبعثة من المقاهي. واكتشف التناقض الصارخ للمدينة:
• الفقر المدقع: الذي يقصم الظهر، لكنه لا يكسر الكبرياء.
• الشهامة والجدعنة: حيث يقتسم الفقير لقمته مع الغريب.
• الضوضاء والفوضى: التي تمثل النبض المستمر لحياة لا تعرف الموت.
أدرك أبو الهول أن سر بقاء هذا الشعب لا يكمن في الحجارة التي تركها الملوك، بل في هذه الروح المرنة التي تجعلهم يضحكون في قلب البكاء، وتحول الفقر إلى نكتة يهزمون بها قسوة الأيام. لقد رأى مدينته القديمة (منف) تموت وتندثر، ويرى هذه المدينة الجديدة (القاهرة) تعيش وتتجدد رغماً عن الألم.
مع اقتراب الليل، شعر أبو الهول بإنهاك شديد؛ ربما كانت “لعنة الحداثة” أو ثقل الهموم التي رآها في عيون الناس، وهو ثقل يفوق وزن حجارته نفسها. بدأ جسده يتصلب تدريجيًا؛ وأدرك أن السحر المؤقت يوشك على الانتهاء، وأن مكانه الحقيقي هو حراسة التاريخ، لا الانغماس في الحاضر.
سار بخطى وئيدة نحو هضبة الجيزة. وتبعه آلاف المواطنين في مسيرة صامتة، كأنهم يودعون ملكًا عاد ليطمئن على شعبه ثم رحل.
أعاد اتخاذ وضعية جسده في حفرته الشهيرة، ووجّه وجهه شطر الشرق مجددًا. تماسك الحجر، والتحمت الشقوق التي أحدثتها الحركة. وعندما أشرقت شمس اليوم الجديد، كان أبو الهول في مكانه تمامًا كما كان منذ آلاف السنين: مادّاً ذراعيه للأمام، وشاخصًا ببصره نحو الأفق.
لكن المسافرين والزوار في ذلك اليوم لاحظوا شيئًا جديدًا: لم يعد نظرة أبو الهول غامضة أو باردة كما كانت. كانت هناك انحناءة طفيفة للغاية عند طرف فمه… ابتسامة دافئة، مسحة من حزن وفخر، تحمل في طياتها سر القاهرة وأهلها الفقراء الطيبين.

















































