هدنة هشة بين عناد النظام الايراني وضجيج بلا قوة

8 أبريل 2026
هدنة هشة بين عناد النظام الايراني وضجيج بلا قوة

افتتاحية الفوكوس السويدية /

فاروق الدباغ 

ما يُوصَف اليوم بوقفٍ لإطلاق النار ليس أكثر من استراحة تكتيكية مشبعة بالتناقضات والرسائل المزدوجة. فبين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، يبدو أن الصراع لم يتجه نحو الحل بقدر ما غيّر شكله. هدنةٌ معلنة، لكنها في العمق تعكس خللاً في موازين الفعل: نظام يرفع سقف الخطاب إلى أقصاه، ومجتمع دولي يردّ بضجيج مرتفع لا يغيّر كثيراً في الوقائع.

منذ الثورة الإيرانية 1979 وصعود روح الله الخميني إلى سدة الحكم، لم تكتفِ إيران بإعادة تشكيل نظامها الداخلي، بل انطلقت في مشروع أوسع قوامه “تصدير الثورة”. هذا المشروع لم يبقَ شعاراً أيديولوجياً، بل تحوّل إلى سياسة نفوذ عابرة للحدود، تركت بصماتها العميقة على خريطة الشرق الأوسط. في لبنان، برز حزب الله لاعباً يتجاوز حدود الدولة. في العراق، تداخلت بنية الدولة مع مراكز قوى موازية. في سوريا، اتسع الصراع ليصبح ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية. وفي اليمن، استحالت الحرب إلى استنزاف طويل الأمد. إنها حلقات في سلسلة واحدة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن رؤية توسعية تتغذى على هشاشة الدول.

في هذا السياق، تبدو الهدنة الراهنة انعكاساً لهذه الازدواجية. إذ تقدّم طهران روايتين لشروطها: نسخة باللغة الإنجليزية موجّهة للخارج، تتحدث عن وقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، وتخفيف العقوبات، وضمانات أمنية متبادلة؛ ونسخة باللغة الفارسية موجّهة للداخل، تتضمن مطالب أكثر صراحة وصرامة، من بينها الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، والسعي إلى بسط السيطرة على مضيق هرمز، ورفع شامل للعقوبات، وإلغاء قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحصول على تعويضات اقتصادية، إلى جانب انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران وتكريس نفوذها الإقليمي كأمر واقع. هذا التباين لا يعكس اختلافاً في الصياغة فحسب، بل يكشف عن استراتيجية مزدوجة: خطاب تهدئة للخارج، ورسالة تعبئة داخلية قائمة على فكرة الانتصار.

بالتوازي مع ذلك، تواصل إيران تطوير منظوماتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وهي أدوات لم تعد تُقدَّم بوصفها وسائل ردع دفاعية فحسب، بل تحوّلت إلى أوراق ضغط تُدار عبر شبكات إقليمية، حيث تتداخل حدود الدولة مع أدوار الفاعلين غير الرسميين. وبهذا، يصبح المدنيون في أكثر من ساحة ضمن دائرة الخطر، في نزاع لا يُعلَن بالكامل، لكنه لا يتوقف.

أما مضيق هرمز، الذي تسعى إيران إلى جعله جزءاً من معادلة التفاوض، فلا يمكن النظر إليه بوصفه ورقة إقليمية عادية. إنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي محاولة لإخضاعه لحسابات سياسية ضيقة تعني عملياً رهن الاستقرار الاقتصادي العالمي بقرار أحادي.

المفارقة أن هذا الخطاب المتشدد يتزامن مع تحديات داخلية متزايدة تواجهها إيران، من ضغوط اقتصادية إلى احتقان اجتماعي، ما يضع النظام أمام معادلة معقدة: لا يستطيع التراجع دون كلفة سياسية داخلية، ولا يملك في الوقت ذاته القدرة على فرض معادلة حسم واضحة. في المقابل، يبدو أن الرد الدولي، رغم حدّة لغته، لا يزال عاجزاً عن إنتاج توازن فعلي يحدّ من هذا المسار.

وعليه، فإن هذه الهدنة لا تمثّل بداية حل، بل تكشف حدود الممكن في سياق سياسي يقوم على روايتين متوازيتين للواقع. فحين تختلف أطراف الصراع حتى في تعريف ما تم الاتفاق عليه، تصبح أي هدنة بطبيعتها مؤقتة، وأي استقرار عرضة للانهيار.

في المحصلة، ليست المشكلة في هشاشة الهدنة بحد ذاتها، بل في الأسس التي تقوم عليها. فبين خطاب يَعِد بالسلام وممارسة تُبقي الصراع حيّاً، تبقى المنطقة أسيرة دائرة مفرغة. حقيقة واحدة تفرض نفسها: ليس كل صوت مرتفع دليلاً على القوة، وأحياناً يكون الضجيج مجرد محاولة لإخفاء حدودها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com