صديقُنا الخروفُ
ميَّادة مهنَّا سليمان

قاصة من سورية
عندما كنَّا صغارًا، اشترى أبي خروفًا صغيرًا جدًّا، كي يكونَ أُضحيةً.
وحينَ أتى بهِ إلى بيتِنا العربيِّ، في منطقةِ (الحجرِ الأسودِ)، بريفِ دمشقَ، وأطلقَهُ في أرضِ الدَّارِ، شعرتُ بالخوفِ، فهربتُ، واختبأتُ في غرفةِ الجلوسِ، وصرتُ أتلصَّصُ عليهِ من شِقِّ البابِ، بينَما أبي يقولُ ضاحكًا:
لا تخافي، إنَّهُ خروفٌ صغيرٌ، لا يؤذي أحدًا!
ورغمَ أنَّهُ كانَ جميلًا، يُشبهُ الأرنبَ بِلونِهِ، وحجمِهِ، إلَّا أنِّي تردَّدتُ في الخروجِ لمداعبتهِ مثلَ أخوَيَّ.
مرَّتِ الأيَّامُ، وأحبَبنا ذلكَ الخروفَ الصَّغيرَ كثيرًا، فكُنَّا نأخذُهُ معنا في مشاويرِنا، حيثُ نخرجُ لنتمشَّى بينَ بساتينِ الحجرِ الأسودِ، وكانَ ذلكَ في ثمانينيَّاتِ القرنِ الماضي، قبلَ أنْ تنتشرَ الأبنيةُ السَّكنيَّةُ العاليةُ، وتحلَّ محلَّ مساحاتِ البساتينِ الخضراءِ.
وكانَ خروفُنا يمشي بجانبِنا، يرعى منَ الحشائشِ على طرفَي الطَّريقِ، وكم كانَ نظيفًا؛ لم يأكلْ يومًا أشياءَ تأكلُها الخرافُ عادةً في سيرِها، ولم يشربْ ماءً آسنًا يُصادِفهُ على الأرضِ.
ولكنَّ ما لم يكنْ بالحسبانِ أن يتحوَّلَ هذا الكائنُ اللطيفُ إلى كبشٍ شرسٍ، يهمُّ بنَطحِنا كُلَّما رآنا!
لقد حدثَ هذا التَّغيُّرُ لأنَّ أبي أصيبَ بحادثةِ تدهورِ دبَّابةٍ كانَ يقودُها، وبعدَها لازَمَ المستشفى كثيرًا، وفي تلكَ الأثناءِ كانَ الخروفُ الصَّغيرُ -المعتادُ على الحُرِّيَّةِ، والمشاويرِ- مربوطًا في آخرِ الممرِّ الطَّويلِ لبيتِنا، تمامًا قربَ بابِ الدَّارِ.
وقد أصبحَ أصفرَ الصَّوفِ، كثيفَهُ، وطالَ قَرناهُ كثيرًا، والتفَّا بِشكلٍ مُخيفٍ، كما أنَّهُ غدا عدائيًّا لِدَوامِ ملازمتِهِ ذلكَ المكانَ الضَّيِّقَ.
وأكثرُ حدثٍ مؤلمٍ لا أستطيعُ نسيانَهُ، عندما خرجَ أبي من المستشفى فجأةً، وكانتْ أمِّي ذاهبةً لِزيارتِهِ، فطرقَ بابَ البيتِ متحمِّسًا، ووفقًا لتوصياتِ أمِّي: “لا تفتحوا الباب لحدا”!
وكوني الكبيرةَ، اقتربتُ قليلًا، ووقفتُ في منتصفِ الممرِّ الطَّويلِ قائلةً بصوتٍ مرتجفٍ:
مين؟
_ افتحي، أنا بابا!
كانتْ لحظةً رهيبةً، اختلطَ فيها الفرحُ، بالخوفِ؛ مشتاقونَ جدًّا لأبي، لكنَّ الخروفَ لمْ يعُدْ صديقًا، ولا ألومُهُ؛ فكلَّما اقتربنا قليلًا، وهمَمنا بفتحِ البابِ، هجمَ نحوَنا، فتسمَّرْنا في منتصفِ الممرِّ، ورغمَ أنَّهُ كانَ مربوطًا، إلَّا أنَّ منظرَهُ كانَ مُرعبًا، فصرَخْنا ثلاثتُنا، ولمَّا سمعَ جارُنا الحورانيُّ الطَّيِّبُ أبو گاسمٍ أصواتَنا، وحكَينا لهُ ما جرى، نزلَ من حائطِ بيتِهِ المُطِلِّ على ممرِّ بيتِنا، وفتحَ البابَ لأبي مُسلِّمًا عليهِ، خجلًا من شُكرِهِ الكثيرةِ لهُ، ثمَّ تاركًا إيَّانا في عناقٍ جميلٍ معهُ، عناقٍ مُمتزجٍ بدموعِ الفرحِ، والرَّهبةِ منَ الخروفِ الَّذي ضُحِّيَ بهِ لاحقًا، وبقيَ جلدُهُ ذكرىً لنا، حيثُ خرجَ منَ الدِّباغةِ جميلًا، لامعًا، لازَمنا مدَّةً في غرفةِ الجلوسِ، ثمَّ تخلَّصتْ منهُ أمِّي لتغيُّرِ شكلِهِ، ورائحتِهِ، فانتهى كلُّ أثرٍ لذلكَ الخروفِ، لكنَّ دعَساتِ أقدامِهِ- إلى اليومِ- ما تزالُ تطأُ بساتينَ ذاكِرتي النَّديَّةَ.
القصة القصيرة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

















































عذراً التعليقات مغلقة