معالجة مضافة لبنيوية المرأة في خطاب المجتمع

16 أبريل 2026
معالجة مضافة لبنيوية المرأة في خطاب المجتمع

قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (2):

في المفارقة البنيوية بين تقدّم الخطاب واستمرار التمييز، أو حين يُنتج التحول صورته بدل أثره

د. إيمان غانمي

باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي

لعل من أكثر المواقف إرباكاً للفكر، أن يتبنى المجتمع خطابا متقدما قد يوحي بأنه قد حسم بالفعل في اختياراته الكبرى لفائدة المساواة والإنصاف والعدالة، بينما يظل، في عمق اشتغاله اليومي، يعيد إنتاج التفاوتات نفسها، أو يعيد ترتيبها في صيغ أكثر نعومة و قدرة على التكيف مع لغة العصر. 

فهنا لا تصبح المشكلة كامنة في ضعف الخطاب أو في محدودية الوعي المجتمعي أو “الجمود” على مستوى التمثلات، أو في بطء التنزيل فحسب، بل تغدو أعمق من ذلك بكثير، لكونها تمسّ طبيعة التحول ذاته، لأنها تكشف حجم الفجوة بين ما يعلنه المجتمع عن نفسه وما يسمح فعلياً بحدوثه داخل بنياته ومؤسساته وتمثلاته وتوزيع السلطة داخله.

وهنا  ينبغي تجاوز منطق الاستسهال، كأن نكتفي بالقول إن هناك فجوة بين الخطاب والواقع، لكون هذا التوصيف، على الرغم من وجاهته، يظل غير كاف لتفسير ما يحدث بالفعل. ذلك أن الحديث عن فجوة قد يوحي، ضمنياً، بأن لدينا مستويين منفصلين: خطاباً يتقدم في جهة، وواقعاً يتأخر في جهة أخرى، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون خللا في درجة التزامن بين الوعي والممارسة، أو تأخراً في تنزيل ما تم إقراره على المستوى النظري. والحال أن الأمر من الزاوية التحليلية هو أشد تعقيدا، لأن العلاقة بين هذين المستويين ليست علاقة انفصال بسيط، بل هي علاقة جد مركبة، لكون الخطاب لا يصبح في هده الحالة خارج البنية ولا في مواجهتها من الخارج، ولكنه يغدو جزءاً من آليات اشتغالها، ووسيطاً من وسائط إعادة تنظيمها، وأحياناً أداة من الأدوات التي تجعلها أكثر قدرة على امتصاص عناصر التغيير دون المساس بأسس المنظومة الأبوية السائدة.

وبناء عليه، فإن أول ما ينبغي التحرر منه، في تقديري، هو هذا التصور الخطي للتحول. ذلك المنطق الذي يفترض وجود ارتباطٍ شرطي بين تراكم النصوص التشريعية المتقدمة، أو اتساع دائرة الاعتراف الحقوقي، وبين إعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أسسٍ مغايرة. فمثل هذا الفهم لا يلامس سوى القشور الخارجية للدينامية التحولية، ولا يميز بين نوعين مختلفين من التغيير: تغييرٍ مظهري يقتصر على الحيز الرمزي والتمثلات الخطابية، وتغييرٍ بنيوي ينفذ إلى القواعد الإجرائية التي تحكم آليات الاستقطاب والولوج إلى مراكز النفوذ والموارد والشرعية الاجتماعية… والحال أن ما يميز كثيراً من التحولات المعاصرة ليس غياب التغيير، بل تناقضه و التباسه؛ فهو يتحرك في اتجاهين متعاكسين في الآن نفسه، إذ يوسّع الاعتراف من جهة، ويُبقي على البنية الاجتماعية لإنتاج التفاوت من جهة ثانية. وتلك في تقديري هي نقطة الانطلاق الحقيقية في بناء الإشكالية.

إننا أمام ما يمكن تسميته ب“مفارقة التحوّل الوظيفي”، والمقصود هنا ليس مجرد التناقض الظاهري بين قيمٍ مُعلنة وممارساتٍ قائمة، بل نحن بصدد بنيةٍ مركبة يصبح فيها التقدم الخطابي بحد ذاته جزءاً من دينامية ذاتية لا تفضي بالضرورة إلى تحولٍ بنيوي. بل إن هذا الخطاب قد يتحول، في حالات بعينها، إلى آليةٍ لاستيعاب التغيير وضبط مآلاته ومن ثمَّ تذويبهداخل النسق القائم. وبتعبيرٍ آخر، فإن المجتمع لا يمارس النقيض الصارخ لما يقوله دائماً، وإنما يتبنى خطاباً يتيح له قدرةً عالية على التكييف الجزئي، فيُفعّل منه ما لا يمسُّ الجوهر، ويُعطل مفاصله الحاسمة، ثم يُعيد صهر ما تبقى ضمن قوالب جديدة تحافظ على تراتبية توزيع السلطة داخل الفضاءات الخاصة والعامة. وبذلك، لا يغدو الخطاب الحداثي مرآةً للتحول أو مجرد أداةٍ له، بل يتحول إلى آلية كبحٍ بنيوية.

وتأسيساً على ما سبق، فإن التحليل الذي يكتفي بالاحتفاء بتراكم المنجزات الحقوقية، أوعلى النقيض، يغرق في التشكيك المبدئي في صدقية الإرادة السياسية، يظل في تقديري، تحليلاً قاصراً من الناحية الابستيمولوجية في كلتي الحالتين. فبينما يخلط المنظور الأول بين التوسّع الخطابي والامتداد الأثري، يسقط المنظور الثاني في عدميةٍ اختزالية ترى في كل تحوّلٍ مجرد إزاحة صورية. إن المقاربة التحليلية الراهنة تقتضي الانتقال نحو فهم ميكانيزمات الاستدخال المجتمعي لعناصر التغيير، أي الكيفية التي يُدبّر بها النسق استقبال “الجديد” دون السماح له بإحداث قطيعةٍ بنيوية مع ثوابته النسقية. إننا مدعوون(ات) لفهم التحول، لا بوصفه رسماً بيانياً للمنجزات ولا وعداً مؤجلاً، بل باعتباره فضاءً للصراع الرمزي يُعاد داخله التفاوض المضمر على تخوم الممكن، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم ضمن إكراهات النسق ذاته.

من هنا تكتسب فكرة “امتصاص التحول” ثقلها المفاهيمي الذي لا يحيل إلى المقاومة السلبية أو الرفض الصريح، ولا حتى إلى حالة الجمود، بل يشير إلى مرونة البنية المجتمعية في استيعاب عناصر التحول، ثم تحييد طاقته القطيعية، وإعادة تأويله وهندسته، وبذلك، تُستدمج هذه العناصر وفق منطقٍ وظيفي يمنح النسق قدرةً على التجدد النسبي، دون أن تبلغ هذه العناصر العتبة التي تسمح لها بخلخلة القواعد الفعلية المنظِّمة للممارسة في عمقها. فالتحول، وفق هذا المنظور، لا يواجه دائماً انغلاقاً أو ممانعةً صريحة، بل يميلُ النسقُ إلى استدخاله ضمن مساماته العميقة، حيث تتبدد طاقته التغييرية وتستقر في قوالب تضمن لها الاندماج دون المساس بالقواعد المنظمة للممارسة.

وتوخياً للدقة، فإن هذا المفهوم لا يمثل مرادفاً بسيطاً ل”الاحتواء السياسي” بمعناه الضيق، ولا على “إعادة الإنتاج” كآلية سوسيولوجية نمطية، بقدر ما يعبر عن “ميكانيزم” يشتغل من داخل دينامية التحول ذاتها. فالرهان هنا ليس على بنية مغلقة ترفض التجديد، بل على نسقٍ استيعابي يتلقى عناصر التغيير، ويُعيد ضبط إحداثياتها، ويسمح بتمظهرها في مستوياتٍ لا تمسُّ القواعد المنظمة للممارسة. ومن هنا تكمن مفارقته النظرية. فهو لا يستمد قوته دوما من مقاومة التغيير، بل من “إعادة توجيهه” بحيث تتحول إمكانية القطيعة إلى عنصرٍ من عناصر التكيف النسقي.

ولعل أولى آليات هذا الامتصاص هي الفرز الانتقائي. فالنسق لا يستوعب عناصر التحول بوصفها وحدةً متكاملة، بل تجري داخله عملية تفاضل بنيوي بين ما يقبل الاستدخال وما يستعصي على الاحتواء. وهكذا، تجدُ لغة المساواة أو تمكين النساء طريقاً ممهداً للعبور طالما ظلت في حيزها الدلالي العام، دون أن تزحزح نظام التفوّق البطريركي الرمزي. كما قد يرتفع منسوب الانفتاح الجندري في سياقاتٍ معينة ليُعاد تقديمه كمؤشرٍ صوري على الحداثة، بينما تتوقف فاعليته تلقائياً حين يصل إلى عتبة إعادة توزيع المواقع داخل الأسرة أو العمل، أو حين يطمح لتحويل المساواة من تمثّلٍ خطابي إلى قاعدةٍ ناظمة للعلاقات الاجتماعية. وبمقتضى هذا المنطق، لا يواجه “الجديد” دوما ممانعةً في ذاته، بل يتمُّ استبقاء ما يمكن تحويله إلى مكونٍ جمالي للصورة المحدثة، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في المنطق العميق الذي يحكم علاقات القوى بين الجنسين.

غير أن الانتقاء وحده لا يكفي. ذلك أن عناصر التغيير، لكي تصبح قابلة للاستدخال، تحتاج أيضاً إلى إعادة تأويل دلالي. فالمفاهيم لا تلجُ النسق في صورتها الخام، بل يُعاد تفسيرها داخل المدونة القيمية والرمزية السائدة. فالمساواة لا تستدمج بوصفها مبدأً جذرياً، بل قد تُعاد صياغتها بما يجعلها تقف عند حدود التكافؤ الظاهري والإجرائي في الفرص، دون مساس حقيقي بالقواعد التي تنتج التمييز واللا مساواة. والتمكين قد يُختزل إلى تحسين شروط الاندماج في المواقع القائمة، بدل أن يصير أفقاً لإعادة التفكير في من يحتكر أصلاً قواعد هذا الاندماج. والمشاركة قد تتحول إلى تمثيلية عددية أو حضور رمزي، لا إلى قدرة على إعادة تشكيل سبل الوصول إلى مراكز التأثير. وهنا يفقد الخطاب، تدريجياً، جزءاً كبيرا من زخمه التحويلي، ليس بإلغائه المباشر، بل عن طريق إعادة تعريفه بطريقة تُفرغه من أكثر أبعاده إزعاجاً وإرباكاً للنسق.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي إعادة الإدماج النسقي. ففي هذه المرحلة، لا تظلُّ عناصر التغيير خارج المؤسسات والخطابات والممارسات، بل تُستدخلُ ضمنها، لتصبح جزءاً من الصورة الجديدة التي يشكلها المجتمع عن ذاته. عندئذٍ، يبدو النسق القائم وكأنه قد استجاب للتحول، ليس عبر إعادة بناء منطقه العميق، بل من خلال قدرته على التمظهر في هيئة أكثر حداثة. وهنا تحديداً يبلغ الامتصاص ذروته: حين يصبح التغيير حاضراً في الواجهة، ومرئياً في الخطاب، وملموساً بشكل جزئي في بعض المؤشرات، لكنه يظل عاجزاً عن نقل العدالة من حيز الاعتراف الرمزي إلى حيز التوزيع المادي والمنصف للقوة والموارد والمكانة.

وفي هذا الإطار، يكتسب المعطى الجندري دلالة تحليلية استثنائية. فالنساء لا يظهرن هنا فقط بوصفهن موضوعاً حقوقياً أو فئة مستهدفة بالسياسات العمومية، بل باعتبارهن مختبراً بنيوياً لاختبار عمق التحول وحدوده. فإذا كان النسق قد استوعب خطاب المساواة، وأتاح مساحاتٍ أرحب لحضور النساء في الفضاء العام، وأدمج مفردات “المناصفة” و”التمكين” في نسيجه الدلالي، فإن السؤال الحاسم لا يكمن في رصد هذا الحضور، بل في كشف مدى أثره في إعادة توزيع شروط القوة الفعلية. وهنا يطرح السؤال المنهجي: “هل تغيرت القواعد المؤسِّسة للوصول إلى مواقع التأثير، أم أن الأمر لم يتجاوز تكريس الحضور المظهري؟”، فعلى هذا المستوى، الذي يمس جوهر التراتبيات، وليس في لغة الأرقام أو الاحتفاء بالشعارات، يُختبر المدى التحويلي الحقيقي لأي تغيير.

والأمر الأكثر دلالة أن المجتمع قد يسمح، في كثير من الأحيان، باتساع ملحوظ في بعض أشكال حضور النساء، من دون أن يترتب عن ذلك تغيير موازٍ في مواقع إنتاج وتوزيع السلطة. فيظهر التقدم في الواجهة، بينما تستمر الشروط العميقة نفسها في تحديد من يؤثر، ومن يقرر، ومن يُطلب منه باستمرار أن يبرّر أحقيته فيما يجب أن يكون حقا أصيلا. وهذا ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو أحد أقوى المؤشرات على أن التحول قد دخل في دائرة الامتصاص: أي حين يُتاح له أن يغيّر الصورة، من غير أن يُسمح له بالقدر نفسه أن يغيّر القاعدة.

غير أن قوة هذا الاختبار لا تعني أبداً أن النساء يشكلن كتلة متجانسة تتلقى أثر التحول بالكيفية نفسها. وهنا تحديداً ينبغي الحذر من أي تعميم سهل. لأن من أخطر ما يفسد الفهم أن يُختزل “وضع المرأة” في صيغة مفردة تلغي اختلاف المواقع والمجال والتجارب والشروط الاجتماعية. فالتحول لا يوزع آثاره بالتساوي، ولا يفتح منافذه بالدرجة نفسها، بل يمرّ عبر قنوات تجعل بعض النساء أقرب إلى الاستفادة من مكاسبه الجزئية، في حين تظل فئات أخرى خاضعة لأنماط مركبة من الهشاشة أو الانتظار أو الإدماج والترقي المشروط. ومن ثم، فإن الامتصاص لا يشتغل فقط على مستوى العلاقة الكلية بين الخطاب والبنية، بل يشتغل أيضاً عبر التوزيع اللامتكافئ لثمار التغيير. فجزء من قوته يكمن في أنه يسمح بقدر من المكاسب الانتقائية، بما يكفي لإنتاج صورة التقدم، دون أن يتحول ذلك إلى دينامية عامة لإعادة البناء.

إن هذا التحليل يقود، في العمق، إلى نتيجة منهجية بالغة الأهمية: لا ينبغي أن نقرأ التقدم الخطابي بوصفه دليلاً مباشراً على التحول البنيوي، كما لا ينبغي أن نقرأ استمرار التفاوت بوصفه دليلاً على انعدام التغيير. فالأجدر هو فك ارتهان هذه العلاقة بصفتها ديناميةً مفارِقة، يراوح داخلها النسق مكانه بين الاعتراف والتقييد، وبين الاستدخال والضبط، وبين إتاحة التغيير وإعادة هندسته. وفي هذا المستوى فقط يمكن أن نخرج من الثنائيات المستهلكة التي تختزل المشهد في” الحداثة ضد التقليد”، “الرجل ضد المرأة”، “نجاح أو فشل”، “تقدم أو جمود”. لأن ما نحن بإزائه في الحقيقة هو شيء أكثر تعقيداً: تحول يُنتج صورته أسرع مما يُنتج أثره.

غير أن الوصول إلى هذا الحد من الفهم يفتح، بالضرورة، سؤالاً أشد دقة: إذا كان امتصاص التحول هو الآلية التي تسمح للبنية بأن تستمر من داخل ما يفترض أنه تغيير بها، فما هي القنوات الملموسة التي تشتغل عبرها هذه الآلية؟ كيف تعمل داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الإعلام، وفي مجال العمل، وفي اللغة اليومية، وفي القواعد غير المعلنة للقبول والإقصاء؟ وكيف يُعاد، على مستوى كل فضاء من هذه الفضاءات، تمرير عناصر التغيير وإعادة توزيعها بما يحفظ للبنية القائمة منطقها وقواعدها السائدة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يقود المقال القادم، لأنه ينقلنا من بناء المفارقة بوصفها منطقاً عاماً للتحول، إلى تفكيك آليات امتصاص التحول بوصفها نظام اشتغال متعدد المستويات، يفسر كيف يستمر المجتمع في إعادة إنتاج نفسه من داخل ما يبدو، على السطح، مساراً متقدماً نحو التغيير. (يتبع)

مقال خاص لصحيفة قريش- لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com