لطيفة لبصير  تتصدر مجلة كونفلوينس .. وتسليط الضوء على الأدب المغربي المعاصر

10 أبريل 2026
لطيفة لبصير  تتصدر مجلة كونفلوينس .. وتسليط الضوء على الأدب المغربي المعاصر

الرباط – قريش

صدر حديثاً عن جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، عدد جديد من المجلة الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية “كونفلوينس” المتخصصة في الدراسات المتعددة التخصصات، والتي تهدف إلى مواكبة المستجدات الأكاديمية العالمية.

وتضمن هذا العدد الثاني لسنة 2026 من  المجلة الالكترونية والورقية التي تصدر دورياً مرتين في السنة ملفا خاصا عن الأديبة والأستاذة الجامعية لطيفة لبصير فضلا عن محاور خاصة موضوعاتية راهنة حول “أصوات المغرب  آفاق الأدب المغربي المعاصر ، نظرة عامة” .

تجدر الإشارة أن مواد العدد، تعكس التوجهات البحثية الجديدة والقضايا الثقافية والأدبية المستجدة، مما يجعلها فضاءً حيّاً للتفاعل الفكري المستمر، حيث تبقى وفيّةً لمبدئها وخطها التأسيسي المتمثل في أن المعرفة الرصينة ينبغي أن تتجاوز الحدود، تخصصيةً كانت أم لغويةً أم جغرافية.

ويأتي إصدار مجلة  “كونفلوينس” التي جاءت في 131  صفحة ، بحسب رئيس تحرير ومدير النشر د. ابراهيم برهون، “..لتكون منبرا علمياً دولياً محكّماً ومفتوح الوصول، يعزّز الحوار البيني بين مختلف التخصصات في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية.” 

تجدر الاشارة أن المجلة تعتمد نظام التحكيم العلمي المزدوج المجهول، مما يضمن مستوى رفيعاً من الموضوعية والنزاهة الأكاديمية. فضلاً عن ذلك، تحظى المجلة بالاعتراف الرسمي من المركز الوطني للبحث العلمي والتقني (CNRST) في المغرب، مما يُرسّخ مكانتها في المنظومة البحثية الوطنية ويُعزّز ثقلها الأكاديمي. ويضمّ هيئة تحريرها نخبة من الأكاديميين المنتمين إلى مؤسسات جامعية من مختلف القارات، مما يُجسّد التزامها بمبادئ التنوع والشمولية في الحوار العلمي.

وتُشكّل المقابلة المنشورة في هذا العدد مع الكاتبة والباحثة المغربية لطيفة لبصير محوراً مركزياً وإضافةً نوعية استثنائية، وهي من إعداد الباحثَين إكرام بن طلحة وإبراهيم برهون من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، عن مختبر البحث في الدراسات اللغوية والأدبية والثقافية والمتعددة التخصصات (LLCIS). وقد أُجريت المقابلة أصلاً باللغة العربية في جلستَين منفصلتَين، قبل أن يُعيد المؤلفان توحيدها وترجمتها إلى الإنجليزية ونشرها تحت عنوان دال: «حول كتابة الهوية والاختلاف في الأدب المغربي».

ويشار أن لطيفة لبصير كاتبة وباحثة أكاديمية وأستاذة التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بابن مسيك، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. تُدرّس نظرية السرد الحديث والنقد الأدبي ودراسات الأجناس وتاريخ الفنون البصرية. يتميز مشروعها الفكري والأدبي بانخراطه الراسخ في قضايا السيرة الذاتية وكتابة المرأة والأشكال السردية، فضلاً عن استكشاف التقاطعات بين الأدب وعلم النفس والثقافة البصرية.

في عام 2025، نالت روايتها «طيف سبيبة» جائزة الشيخ زايد للكتاب في فئة أدب الطفل والناشئة، وهي جائزة دولية ذات ثقل رمزي بالغ. كما اختيرت لبصير «امرأة قائدة» ضمن شراكة جامعية مغربية – أمريكية، تعبيراً عن انخراطها الفاعل في قضايا الثقافة والتعليم وأصوات المرأة في المجتمع المعاصر.

من جهة أخرى، تُفتتح المقابلة بالحديث عن جائزة الشيخ زايد للكتاب التي نالتها لبصير عن روايتها «طيف سبيبة»، فتُبادر الباحثة إلى تأطير هذا التكريم في سياق نقدي رصين. وتُصرّح لبصير بأن الجائزة «إشارة على الطريق وشكل من أشكال الاعتراف بالإبداع، لكنها لا تمثّل مقياسه الأعلى»، مشيرةً إلى أن اللجان التحكيمية تنطوي دائماً على انتقائية ذاتية تُشكّل قراراتها. وتستدعي في هذا السياق نقاشات حيّة أُثيرت حول جائزة نوبل للآداب حين مُنحت لبوب ديلان، وما صاحب تتويج آني إيرنو والتشابكات النقدية التي أعقبت تتويج أولغا توكارتشوك.

غير أن الكاتبة تتجاوز المقاربة التشككية لتُقرّ بالدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الجوائز في كشف الأصوات المبدعة وتوسيع دوائر تأثيرها: «في حالات كثيرة، تضطلع الجوائز بدور محوري في التعريف بالكتّاب أمام جماهير أرحب وإبراز الأصوات الإبداعية التي قد تظل طيّ الكتمان لولاها».

كما توقفت المقابلة عند «طيف سبيبة»  الذي يعتبر أول عمل أدبي تُوجّهه لبصير إلى القراء الشباب، وقد تجاوز استقباله توقعات الكاتبة ذاتها. 

كما تكشف في المقابلة كيف أصرّت على الاحتفاظ بعنوانها رغم إلحاح الناشر المتكرر على استبدال اسم «سبيبة» بآخر أكثر تداولاً. وقد أثبتت الكاتبة بصيرتها حين أكدت أن هذا الاسم سيرسخ في ذاكرة القراء. والحق أن الرواية وجدت جمهورها الحقيقي قبل الجائزة وبعدها على حدٍّ سواء، وكان أعمق أثر لها حين تقرّبت منها أمهات أطفال في طيف التوحد وأخبرن الكاتبة بأنهن وجدن في صفحاتها صورة حياتهن المعيشة.

يُجلّي هذا المقطع من المقابلة رؤية لبصير العميقة للرهان الحقيقي للكتابة الأدبية: ليس البحث عن الاعتراف النخبوي، بل بلوغ ذلك الأثر التحويلي الذي يُسكن النص في وجدان القارئ ويُخاطب تجربته الإنسانية الأصيلة.

من جانب آخر، يتوقف قسط وافر من المقابلة عند مسألة اختيار الأسماء ودلالاتها السيميائية. «سبيبة» اسم مخترع، ليس له وجود في المعجم الاجتماعي التقليدي، اشتقّته الكاتبة من جذر «السبب» لتُحيل به على إمكانية الكون سبباً وإن في الشفاء. وتُعرب لبصير بفخر عن أن الكثير من القراء انطلقوا للبحث في المعاجم عن معنى هذا الاسم، وفي ذلك دليل على الطاقة التساؤلية التي يُشعلها النص الأدبي.

وقد بنت الكاتبة شبكة دلالية محكمة من الأسماء تحمل كل واحدة منها طاقة رمزية وافرة: «راضية» الأم المتقبّلة الراضية بقدرها، و«راجي» الابن المترقّب المنتظر، و«هبة» البنت التي هي هديّة ونعمة، و«أمل» الرفيقة التي تحمل اسماً مضيئاً. ويتحوّل اسم «طيف» ذاته إلى استعارة مُولِّدة تُوازي مفهوم الطيف في علم النفس والتشخيص الطبّي للتوحد، ما يُفتح آفاقاً تأويلية رحبة في التقاطع بين اللغة والعلم والخيال.

وسلطت المقابلة الضوء على التوحد بوصفه تجربة عائلية جماعية ، والأديبة لبصير لا تتناول في روايتها التوحدَ باعتباره تشخيصاً طبياً معزولاً يخص الفرد، بل تضعه في قلب تجربة عائلية جماعية مُركّبة. تُبيّن الكاتبة أنها استندت إلى زيارات ميدانية للمراكز المتخصصة وإلى قراءات واسعة في الأدب العلمي والنفسي، كما أشارت إلى كتاب سعيد الحنصالي «بين اللغة والدماغ» باعتباره مرجعاً جوهرياً أثّر في تشكيل رؤيتها النظرية.

وفي هذا الصدد تُصرّح الأديبة لبصير بأن الرواية لا تُركّز على «راجي» وحده بعيداً عن المحيطين به، بل تتوزع رؤيتها السردية لتشمل الأم والأب والأخت في استشعار الفارق وتحمّل تبعاته. وفي هذا الاختيار الفني تحوّل جوهري: من التوحد بوصفه حالة مرضية إلى التوحد بوصفه حالة إنسانية مشتركة تدعو إلى التعاطف والفهم والانخراط معاً.

كما تدمج الكاتبة في نسيجها السردي مرجعيات علمية حديثة، من بينها تقنية تتبع العين (eye-tracking) المستخدمة في الكشف المبكر عن التوحد. وتُوضّح لبصير المبدأ الجمالي المُنظِّم لهذا الدمج: «الأدب ليس مجرد رواية أحداث أو سرد قصة. الأدب هو معرفة. إنه قادر على استيعاب أشكال معرفية أخرى — علمية ونفسية واجتماعية — شريطة أن تتحوّل في باطن الخيال والعمل الإبداعي».

هذا ويكشف أحد أكثر مقاطع المقابلة عمقاً وإثارةً للتأمل عن المعاناة التقنية التي خاضتها لبصير حين انتقلت من صوتها الراسخ كروائية ناضجة إلى صوت طفلة في المرحلة الابتدائية: «كان من أصعب ما واجهته في كتابة هذه الرواية أن أخلع جلد الكاتبة الناضجة ذات التجربة والوعي، وأعود طفلةً مرةً أخرى».

تحمل «هبة» في الرواية ثقلاً رمزياً مزدوجاً؛ فهي في الوقت ذاته مراقِبة للأحداث ومفسِّرة لدلالاتها الخفية. تُنبّه الكاتبة إلى ظاهرة أدبية وإنسانية كثيراً ما تمرّ دون ملاحظة: أن الأخ أو الأخت في أسرة تضم  طفلا ذا إعاقة أو اضطراب ما تعيش طفولةً منقوصة، إذ تنسب دائماً إلى أخيها لا إلى اسمها. وفي مشهد دالّ في نهاية الرواية حين تستعيد «هبة» اسمها الخاص، يرتقي هذا الفعل البسيط إلى فعل استرداد هوية واسترداد كيان.

وفي سياق متصل ، تتجلى في المقابلة رؤية نقدية وفلسفية راسخة في مقاربة الهوية الأدبية. ترى لبصير أن الهوية في الكتابة الإبداعية لا تُماثل الهوية في الحياة اليومية؛ فالعمل الأدبي يحمل بالضرورة بصمات انحيازات الكاتب وميوله، غير أن المسافة بين الكاتب ونصه لا تُلغى بالكامل ولا تُطمر. تستحضر لبصير في هذا الصدد سؤالاً فلسفياً وثيق الصلة: هل يمكن الفصل بين الكاتب وعمله؟ وتُقدّم إجابةً ترفض التبسيط في كلا الاتجاهين.

كما تُجلّي لبصير جوهر الهوية الأدبية بعبارة مكثّفة وبليغة: «في الرياضيات، واحد زائد واحد يساوي اثنَين. في الأدب، واحد زائد واحد قد يساوي أربعةً وعشرين». وبهذا تُلمح إلى أن الهوية الأدبية كيان متحوّل ومتعدد، مُشكَّل عبر تضافر اللغة والمنظور والذاكرة والخيال، لا عبر الصيغ المغلقة والمعطيات الثابتة.

وسجلت المقابلة قضية الهوية النسائية في الكتابة الإبداعية، انطلاقاً من تساؤل حول توصيف ناقد لها بـ«كاتبة عمود المرأة» في قصتها «دوائر» من مجموعتها «رغبة فقط». تُقرّ لبصير بأن النعت النسوي لا يُقلقها في ذاته، غير أنها تستدرك برسم تمييز منهجي دقيق بين النسوية الأيديولوجية الصارمة من جهة، والنقد النسائي بوصفه ممارسة فكرية منفتحة من جهة أخرى.

وتابعت الأديبة المغربية لبصير أنها تُعرب عن تحفّظها على التصوّرات الأيديولوجية الاختزالية التي تُعادي المنظومة الرمزية لدور الأمومة وتُقصي العلاقة الإنسانية مع الرجل، مؤكدةً أنها «ترى في المرأة كياناً طبيعياً وثقافياً في آن معاً، يقف على ملتقى هذين العالمَين». وهي موقف تجد له سنداً نظرياً وفياً في المسار النقدي لمفكرات بارزات كشيرين أبو النجا وفاطمة المرنيسي، حيث تمزج بين الثقافي والتاريخي والنفسي في قراءة دور المرأة ومساراتها.

من جهة أخرى، تنفتح المقابلة على آفاق نظرية رحبة حين يُقترح توازٍ بين مشروع لبصير ومفهوم «الكتابة ثنائية الجنس» عند هيلين سيكو. تُلاحظ لبصير أن عملها النقدي حول السيرة الأنثوية قد درج على الكشف عن خيوط مشتركة في الكتابة النسائية دون المصادرة على التجارب المتفردة. وتُوظّف سيكو — ولا سيما نص «ضحكة الميدوسا» — إطاراً مرجعياً لمقارعة الاثنينية الجنسانية المتوارثة في الخطاب والموروث الثقافي.

غير أنها تُبادر إلى تسطير مسافة نقدية ضرورية حين تُشير إلى مرجعيات ثقافية عربية محلية بالدرجة الأولى: فاطمة المرنيسي في تفكيك الخطاب الديني وكشف آليات تهميشه للمرأة، وحليم بركات وغيثة الخيّاط في نحت تمثيلات أكثر نضجاً ومراوغةً للأنثى في الإنتاج الثقافي العربي. وبهذا تُقيم الكاتبة حواراً نقدياً خصيباً يجمع بين الفكر الفرنسي ما بعد البنيوي والتقاليد النسائية في النقد العربي والمغاربي.

في مقطع يجمع بين الحميمية الذاتية والعمق الرمزي، يتوقف الحوار عند ثيمة الحجرة التي تتكرر في نسيج أعمال لبصير: من «يحدث في تلك الغرفة» إلى حجرة «راجي» في «طيف سبيبة». تُقرّ الكاتبة بأن الحجرة كانت منذ البدايات حاضرة في مخيالها الكتابي، ثم تكشف أنها أدركت تدريجياً حضور شخصية «الجار» المُلازِمة لحضور الحجرة، وهي شخصية بقيت في حدود لبصير مُغفَلةً في الدراسات الأدبية النقدية رغم تكرارها في الإبداع الأدبي.

تُلقي هذه الملاحظة الظاهرة في بساطتها ضوءاً كاشفاً على المنهج التأملي الذي يُنظّم الكتابة عند لبصير: قدرة نادرة على الإصغاء للتكرارات الكامنة في نصوصها الخاصة، ثم ترقيتها من مستوى الحضور العفوي إلى مستوى التفكير الواعي والتساؤل المُعمِّق.

ويُفرد الحوار مساحة للحديث عن واقع إدماج الأطفال ذوي التوحد في المنظومتَين التعليمية والاجتماعية بالمغرب. تُشير لبصير بصراحة ونأيٍ عن التجميل إلى أن كثيراً من المدارس لا تزال ترفض استقبال هؤلاء الأطفال، مما يُبقي مسارات إدماجهم مُعلَّقة وهشّة.

غير أن الأدب، في نظر لبصير، يستطيع أن يفتح أماكن حيث تُغلق المؤسسات أبوابها. وتتجسد هذه الرؤية في شخصية «سبيبة» التي تنتقل في مسار الرواية من أداة إذلال ومواجهة إلى وسيط للرسالة والتواصل، محمولةً على صوت هبة الذي يُخاطب الأطفال الآخرين ويدعوهم إلى التعرف على «راجي» وعالمه المختلف. ويُصبح الأدب في لحظات كهذه تمريناً أخلاقياً على الانفتاح والإقرار بتعددية الوجود الإنساني، لا مجرد صياغة جمالية أو حكاية ترفيهية.

في معرض حديثها عن كتابها النقدي «الجنس الملتبس» وعن التمييز بين الهوية الأنثوية الواعية والهوية الأدبية المنزلقة في النص عبر اللاوعي، تُقدّم لبصير رؤية نظرية ثرية لمسار الكتابة الإبداعية. ترفض الكاتبة التصوّر الرومانسي للإلهام بوصفه وميضاً يأتي فجأة ويولد الإبداع جاهزاً، وتُؤكد أن الكتابة تمزج دائماً بين البعدَين: البعد العفوي اللاواعي الذي تتدفق فيه الذات دون رقابة، والبعد الحرفي الواعي الذي يتجلى في مرحلة المراجعة وإعادة الصياغة.

توضّح لبصير هذه المعادلة بمثال حيّ ودالّ: حين أرادت الكتابة عن  الدعسوقة  في مجموعتها «عناق»، قضت وقتاً في البحث عن دور هذه الحشرة في الزراعة والرمزية المرتبطة بها في الأغاني والحكايا والفولكلور، حتى أُسطورة الدعسوقة التي أوقفت إعداماً. ثم أفضت هذه المعرفة المتراكمة إلى تشكيل الشخصية الأنثوية التي تشبه هذا الكائن الصغير المُكثَّف بالدلالات. وفي هذا نموذج شاخص على «المطبخ الداخلي للكتابة»: الحرفة لا تُعادي الإلهام بل تُوطّئ له وتُخصّب أرضه.

أما عن رمزية جمالية الانتقال من الأزرق إلى الأصفر، تقول لبصير إن  رمزية الألوان في مسيرتها الإبداعية. “فبعد أن هيمن اللون الأزرق على معظم أعمالها السابقة بما ينطوي عليه من دلالات على الحلم والمسافة والعمق، تقرّر أن تمنح رواية «طيف سبيبة» مناخاً لونياً مغايراً: اللون الأصفر بما يحمله من قلق وهشاشة وتوتر دفين.

كما تُبرر لبصير هذا الاختيار بعبارة شاعرية: «اللون الأصفر في هذه الرواية ليس إشراقاً فحسب؛ إنه أيضاً هشاشة وتوتر ويقظة هادئة. كان هو اللون الذي طلبه النص من تلقاء نفسه». وفي هذه الجملة تتجلى فلسفة لبصير في الكتابة: النص كيان حي يُمتلك إرادته الجمالية الخاصة ويفرضها على كاتبه، وليس أداةً سلبية تخضع لسلطة الكاتب الخارجية.

وتُجسّد لبصير في مسيرتها نموذجاً نادراً لكاتبة تحفظ في داخلها توتراً خلاقاً بين الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع والحرية الإبداعية، بين المعرفة العلمية الدقيقة وانعتاق الخيال، بين التجذّر في الثقافة المغربية والعربية والانفتاح على الموروث النقدي العالمي. وقد نجحت رواية «طيف سبيبة» في أن تكون في الوقت ذاته: رواية للطفل والناشئ، وإسهاماً في الأدب العربي، ووثيقةً إنسانية، وتدريباً على التعاطف الأدبي مع المختلف.

إن «طيف سبيبة» وهذه المقابلة الاستثنائية التي تُضيء أبعادها من داخل وعي صاحبتها، يُقدّمان معاً دليلاً دامغاً على أن الأدب المغربي المعاصر يمتلك من الأدوات والرؤى ما يؤهّله للانخراط بثقة في الحوار الأدبي والفكري الإنساني الكبير.

كما توقفت المجلة عند موضوع الأدب المغربي المعاصر، في تعدديته وثرائه، إذ تتشابك فيه إبداعات من أجناس أدبية متنوعة مكتوبة بالعربية والفرنسية والإنجليزية ومُترجَمة إلى لغات متعددة مما يكشف عن تعقيد الظاهرة الأدبية المغربية وعصيانها على أي تأطير أحادي اللغة أو أحادي المرجعية. 

ويتضمن العدد ست دراسات تتناول روايات ومأثورات شعبية مغربية من منظورات نقدية شتى، تشمل المراقبة الرقمية والهوية والمهجر والصدمة والنوع الاجتماعي. ويُكمله ثلاث مقابلات مع أدباء وناشرين بارزين، ومراجعتان نقديتان لأحدث الإصدارات الروائية المغربية. ويؤكد صدور  هذا العدد الخاص أن الأدب المغربي “يكتسب زخماً دولياً متنامياً؛ فالروايات تنال جوائز بارزة، والترجمات تتكاثر، والاهتمام الأكاديمي يتصاعد. في سياق متصل يأمل فريق العمل بهيئة تحرير المجلة الأكاديمية أن تُسهم هذه الأعمال المجموعة المنشور في هذا العدد “في إثراء النقاش النقدي وتعميق الوعي بما يُنتجه الأدب المغربي من معنى وجمال وثروة فكرية.”

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com