كهرمانة… حين تُعلن الجرار عن نفسها

28 أبريل 2026
كهرمانة… حين تُعلن الجرار عن نفسها

فاروق الدبّاغ


في الحكاية القديمة من ألف ليلة وليلة، لم يكن اللصوص يتجرأون على الظهور.
كانوا يختبئون داخل الجرار، ينتظرون لحظة الغدر.
اليوم… لم يعد أحد يختبئ.
في السابق، كانت كهرمانة تبحث عن الجرار لتكشف ما بداخلها.
أما الآن، فالجرار هي التي تعلن عن نفسها… في نشرات الأخبار.
تعيين رئيس وزراء جديد لم يعد حدثًا سياسيًا بقدر ما أصبح طقسًا مألوفًا:
إعادة ترتيب الجرار،
تبديل مواقعها،
وتقديمها بديكور مختلف… على أنها بداية جديدة.
الوجوه تتغير، نعم.
لكن الصوت واحد.
لغة واحدة.
طمأنينة مصطنعة تُقال لشعب يعرف في داخله أن القصة لا تتغير.
في الحكاية، كان الخطر في داخل الجرة.
أما اليوم، فالجرة نفسها هي المنصة.
يقف الرجل، يُعلَن اسمه، تُقرأ سيرته،
تُقال كلمات مثل “إصلاح”، “مرحلة جديدة”، “ثقة”.
لكن ما لا يُقال هو الأهم:
من صنع الجرة؟
ومن قرر ما يوضع داخلها؟
في زمن كهرمانة، كان القرار شجاعًا وواضحًا:
فتح الجرار… ثم إنهاء ما فيها.
أما في زمننا، فالجرار تُحمى بالقانون،
وتُحاط بالتصفيق،
وتُقدَّم على أنها “إرادة”.
وهنا يتحول الألم إلى سؤال:
هل المشكلة في من يجلس على الكرسي؟
أم في الكرسي نفسه… الذي صُمّم ليبقى كما هو مهما تغيّر الجالسون؟
العراق لا يعيش أزمة أشخاص،
بل أزمة إعادة إنتاج مستمرة.
كل مرة يُقال لنا: هذه بداية جديدة.
لكن الحقيقة المؤلمة:
إنها ليست بداية… بل إعادة تدوير.
كأنك تغيّر موقع الجرة،
وتقنع نفسك أن ما بداخلها تغيّر.
في الحكاية، كانت النهاية لحظة وعي حاسمة.
أما نحن، فنعيش في مرحلة ما قبل الوعي…
حيث تُدار القصة كاملة،
بينما الجمهور يُطلب منه فقط أن يصفّق للنهاية.
العراق لا يحتاج إعلانًا جديدًا،
بل يحتاج لحظة كهرمانة حقيقية:
لحظة يُفتح فيها كل شيء… بلا خوف.
لأن أخطر ما في القصة لم يعد اللصوص،
بل القدرة على جعلهم يبدون… كأنهم الحل.

فاروق الدباغ

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com