حرب بلا هوية ولا أهداف ولا أخلاق

8 أبريل 2026
حرب بلا هوية ولا أهداف ولا أخلاق

حرب بلا هوية ولا أهداف ولا أخلاق: إلى أين تتجه المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران؟

بقلم: د. مصطفى الغاشي

كاتب وباحث مغربي في التاريخ والفكر والسياسة الدولية

في عالم يزداد اضطرابًا، تبدو المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نموذجًا صارخًا لحروب القرن الحادي والعشرين؛ حروب بلا هوية واضحة، بلا أهداف معلنة بدقة، وبلا مرجعية أخلاقية تضبط مسارها. إنها حرب تدور في الظل أكثر مما تدور في العلن، تتخذ أشكالًا متعددة: 

ضربات عسكرية محدودة، تهديدات متبادلة، حرب إعلامية، عقوبات اقتصادية، وعمليات أمنية معقدة، لكنها في النهاية تترك المنطقة كلها على حافة الانفجار.

المفارقة أن هذه الحرب لا تُعلن رسميًا، ومع ذلك يعيش الشرق الأوسط تحت تأثيرها يوميًا. فكل ضربة عسكرية أو تهديد سياسي يعيد طرح السؤال نفسه: ما الهدف الحقيقي من هذا التصعيد؟ هل هو منع إيران من امتلاك قدرات نووية؟ أم إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة؟ أم فرض توازنات جديدة تخدم مصالح القوى الكبرى؟ إن غموض الأهداف يجعل الصراع يبدو وكأنه إدارة دائمة للأزمة بدل البحث عن حل حقيقي لها.

من الناحية السياسية، يظهر هذا التصعيد وكأنه استمرار لمنطق الهيمنة الذي يحكم العلاقات الدولية منذ عقود، حيث تتحول القوة العسكرية إلى أداة للضغط وفرض الإرادة بدل أن تكون وسيلة لحماية الأمن والاستقرار. وفي المقابل، تقدم إيران نفسها كقوة إقليمية تدافع عن سيادتها وحقها في تطوير قدراتها، مما يعمّق حالة الاستقطاب ويجعل الصراع مفتوحًا على احتمالات خطيرة.

أما الخطر الأكبر، فيكمن في أن هذه المواجهة لا تدفع ثمنها القوى الكبرى وحدها، بل تدفعه شعوب المنطقة. فكل توتر جديد يعني مزيدًا من عدم الاستقرار، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع فرص التنمية، وتوسع دائرة الخوف من حرب شاملة قد لا تبقي ولا تذر. وهكذا يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى ساحة صراع دولي، بينما يظل حلم السلام والاستقرار مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

إن أخطر ما في هذه الحرب أنها تتحرك خارج منطق الأخلاق السياسية، فالقانون الدولي يفترض احترام سيادة الدول والبحث عن الحلول الدبلوماسية، لكن الواقع يكشف أن منطق القوة ما زال هو الحاكم. وهذا ما يجعل العالم أمام معادلة صعبة: إما استمرار التصعيد والدخول في مواجهة أوسع، أو العودة إلى طاولة الحوار وبناء توازن سياسي يحفظ مصالح الجميع.

في النهاية، لا أحد يستطيع التنبؤ بمآلات هذه المواجهة، لكن المؤكد أن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واضحة غالبًا ما تنتهي بكوارث غير محسوبة. لذلك يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو تغليب الدبلوماسية والحوار، لأن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، والعالم لم يعد قادرًا على تحمل صراع مفتوح في واحدة من أكثر مناطق الأرض حساسية.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com