بقلم: مصطفى الغاشي
كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
تمهيد،
لم يعد النقاش حول الجامعة المغربية محصوراً في إشكالات الاكتظاظ أو محدودية الموارد، بل تجاوز ذلك ليطال جوهر المنظومة: القيادة الجامعية بوصفها المحدد المركزي لنجاعة التدبير وفعالية الإصلاح. فكل السياسات العمومية في مجال التعليم العالي، مهما بلغت دقتها التقنية، تظل رهينة بنمط القيادة التي تتولى تنزيلها، وبالقدرة على تحويل النصوص إلى ممارسات مؤسساتية منتجة.
في هذا السياق، يطرح سؤال القيادة الجامعية في المغرب نفسه بإلحاح مضاعف، خاصة في ظل التحولات السياسية والمؤسساتية التي تسبق استحقاقات 2026، وما تفرضه من إعادة نظر في أدوار النخب، وفي علاقة الجامعة بالدولة والمجتمع.
أولاً: الإطار البنيوي للقيادة الجامعية: بين المركزية والاستقلالية المقيدة.
يقوم نظام القيادة الجامعية في المغرب على توازن هش بين منطقين متعارضين:
1- منطق الدولة المركزية التي تحتفظ بسلطة التعيين والتوجيه.
2- منطق الاستقلالية الجامعية كما نصت عليه الإصلاحات القانونية.
غير أن هذا التوازن يظل في الغالب شكلياً، حيث تستمر هيمنة القرار المركزي على مجمل الديناميات الجامعية. فالرئيس الجامعي، رغم ما يُمنح له من صلاحيات، يظل محكوماً بسقف سياسي وإداري يحد من قدرته على المبادرة.
هذا الوضع يفرز ثلاث نتائج أساسية:
1- تقييد الابتكار المؤسساتي.
2- تحويل القيادة إلى وظيفة تنفيذية.
3- إضعاف المساءلة الأفقية داخل الجامعة.
وبالتالي، تتحول الجامعة إلى امتداد إداري للدولة بدل أن تكون فضاءً مستقلاً لإنتاج المعرفة.
ثانياً: أنماط القيادة الجامعية: من التدبير الإداري إلى غياب القيادة التحويلية.
يمكن التمييز داخل الجامعة المغربية بين ثلاثة أنماط من القيادة:
1. القيادة البيروقراطية.
تعتمد على احترام المساطر أكثر من تحقيق النتائج، وتُغلب منطق الاستمرارية على التغيير.
2. القيادة التوافقية.
تسعى إلى تجنب الصراعات داخل المؤسسة، لكنها غالباً ما تنتهي إلى إنتاج قرارات ضعيفة أو مؤجلة.
3. القيادة الغائبة (الرمزية).
حيث يتحول المسؤول الجامعي إلى مجرد واجهة دون تأثير فعلي في التوجهات الاستراتيجية.
في المقابل، تغيب بشكل واضح القيادة التحويلية القادرة على:
1- صياغة رؤية استراتيجية.
2- تعبئة الفاعلين.
3- إحداث تغيير نوعي في الأداء الجامعي.
وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين أهداف الإصلاح ونتائجه.
ثالثاً: إشكالية النجاعة: من قياس الموارد إلى قياس الأثر.
غالباً ما يتم تقييم أداء الجامعة في المغرب بناءً على مؤشرات كمية:
ا- عدد المسجلين.
ب- عدد الخريجين.
ج- عدد المؤسسات.
غير أن هذه المقاربة تُغفل البعد النوعي، أي:
ا- جودة التكوين.
ب- قابلية تشغيل الخريجين.
ج- أثر البحث العلمي على التنمية.
إن النجاعة الحقيقية لا تقاس بما يُصرف من موارد، بل بما يُنتج من أثر. وهنا يظهر خلل عميق في منظومة التقييم، حيث تغيب:
اولا- مؤشرات الأداء الاستراتيجي.
ثانيا- آليات التتبع المستقل.
ثالثا- ثقافة المحاسبة المؤسسية.
رابعاً: الحكامة الجامعية: بين النص القانوني والممارسة الفعلية.
رغم توفر المغرب على ترسانة قانونية مهمة في مجال التعليم العالي، إلا أن الإشكال يكمن في الفجوة بين النص والممارسة. فمجالس الجامعات، التي يفترض أن تشكل فضاءات للحكامة التشاركية، تعاني من:
1- ضعف الفعالية التداولية.
2- هيمنة الطابع الشكلي للاجتماعات.
3- محدودية تأثير الفاعلين غير الإداريين.
كما أن آليات الرقابة والتقييم غالباً ما تكون:
– داخلية وغير مستقلة.
– غير منتظمة.
– غير مرتبطة بالقرارات الاستراتيجية.
خامساً: القيادة والموارد البشرية: أزمة الكفاءات أم أزمة تدبير؟
تواجه الجامعة المغربية تحدياً مزدوجاً:
1- هجرة الكفاءات نحو الخارج.
2- ضعف تحفيز الكفاءات المتبقية.
غير أن هذا التحدي لا يرتبط فقط بندرة الموارد، بل أيضاً بطريقة تدبيرها. فغياب رؤية استراتيجية للموارد البشرية يؤدي إلى:
– سوء توزيع الأساتذة.
– غياب التخصصات الدقيقة.
– ضعف التأطير البيداغوجي.
وهنا تتجلى مسؤولية القيادة الجامعية في الانتقال من منطق التدبير الإداري للموارد إلى منطق الاستثمار في الرأسمال البشري.
سادساً: الجامعة والمجال الترابي: حالة طنجة–تطوان نموذجاً
تمثل جهة طنجة–تطوان–الحسيمة نموذجاً دالاً على المفارقة بين الدينامية الاقتصادية وضعف الاندماج الجامعي. فرغم:
1- وجود قطب صناعي وتجاري مهم (طنجة المتوسط).
2- انفتاح دولي متزايد.
3- موقع استراتيجي متميز.
إلا أن الجامعة لم تستطع بعد أن تتحول إلى فاعل مركزي في هذه الدينامية.
ويرجع ذلك إلى:
1- ضعف الشراكات مع القطاع الخاص.
2- محدودية البحث التطبيقي.
3- غياب رؤية ترابية للجامعة.
سابعاً: نحو نموذج جديد للقيادة الجامعية.
إن تجاوز أعطاب القيادة الجامعية يقتضي الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على:
1. الاستقلالية المسؤولة. بما يعني ذلك: منح الجامعة استقلالية فعلية مقابل مساءلة صارمة.
2. القيادة التحويلية: بما يعني ذلك: قادرة على إحداث تغيير نوعي في الأداء.
3. الحكامة التشاركية، بنا يعني ذلك: إشراك فعلي للفاعلين الأكاديميين والاقتصاديين.
4. التدبير القائم على النتائج، بما يعني ذلك : ربط التمويل بالأداء والأثر.
5. الانفتاح الدولي، بما يعني ذلك: تعزيز الشراكات والتدويل.
ثامناً: الجامعة واستحقاقات 2026: سؤال النخب وإعادة التموقع.
في سياق الاستحقاقات السياسية المقبلة، تبرز الجامعة كفضاء لإعادة إنتاج النخب. غير أن ضعف القيادة الجامعية ينعكس مباشرة على:
اولا- جودة النخب المتخرجة.
ثانيا، مستوى النقاش العمومي.
ثالثا، قدرة الدولة على التجديد.
فالجامعة التي لا تنتج معرفة نقدية، ولا تساهم في تأطير الفضاء العمومي، تتحول إلى مؤسسة هامشية في الفعل السياسي.
وفي الختام،
إن أزمة القيادة الجامعية في المغرب ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج. نموذج لم يعد قادراً على مواكبة التحولات المتسارعة، ولا على تحقيق النجاعة المطلوبة. ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يمر عبر إعادة بناء هذا النموذج على أسس جديدة، تجعل من الجامعة:
– فضاءً للإبداع لا للتكرار.
– مؤسسة منتجة لا مستهلكة.
– فاعلاً استراتيجياً لا جهازاً إدارياً.
وفي غياب ذلك، ستظل كل الإصلاحات مجرد إعادة ترتيب لأعطاب قائمة، دون أفق حقيقي للتغيير.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































عذراً التعليقات مغلقة