بسّام الطعان

قاص من سوريا
قصة قصيرة
نهاره صامت وطويل كسبحة لا ينتهي العدّ فيها، وليله بارد ومليء بالأشـباح، ولم يبق له غير الذكريات التي باتت عنده مثل الغذاء والدواء.
كلما أرخى أجنحة التعب، وجلس في مكـان التقى فيه من قبل بوردة القرية (سارة)، يناديها بكلمات تتحول إلى سفن لا أشرعة لها، وتبحر نحو سواحل مجهولة، يناديها مرات ومرات، لكنه لا يسمع سوى ارتداد صدى صوته، ولا يرى غير طيور سـوداء تحلق في فضاءات مشبعة بالغيم والبرق والرعد المجلجل.
عند المساء الخريفي تحديدا، باغتته كنبع الضوء وهو يتمدد في البستان، ينظر إلى الأفق البعيد، ويحلم بربيع اللقاء، ولأنها تسكن في سويداء قلبه، تبعثر من شدة فرحه في مدارات الكون، وبدا مثل حصان خرج من مكان مظلم ورأى برية متوهجة.
جلست إلى جانبه قمرا يانعا حنونا، يسكنه المزن والنسيم والندى والريحان، فعزفها على فمه أجمل لحن وأسماها أمله ولعبته الحلوة لزمنه القادم بأحلى أبهة، طيّرت نحوه بلابل خرجت من بين شفتيها، فأعلن باسمها بدء انتشار الحب حتى يعم العالمين، كركرت بعذوبة، فنظر إلى عينيها بإعـجاب، وحين قرأ فيهما كلاما لم ولن يكتب في دفاتر العشاق، أخذته رعشة لذيذة، أطلق صهيل أفراسه، واقترب منها حاملا الحنان والبشارة، وحين داعبت خصلات شعرها خده الأيسر، سحبها نحوه برفق.
تحت الشجرة لم يهتما بأصوات الانفجارات والقذائف التي تسقط على بلدات وقرى قريبة، فالبلد منذ عشر سنوات يشتعل، وإنما تداعبا بالأصابع، تلاعبا بالنظرات، تراشقا بهسيس الكلام، ثم ّرسما من ألوان الفرح لوحات كثيرة فوق ورق يشبه صباح ربيعي ندي، فجأة هبّت ريح عاصفة مشحونة ببرودة الشتاء، وبسرعة غير متوقعة، تكللت السماء بسحب سوداء حجبت النجوم والقمر، ثمّ لعلع الرعد وملأ الدنيا بصوته الجبّار.
لم يهتما بهذا الجو المرعـب، وإنما تركا نار الوجد تزداد اشتعالاً، قرأ لها قصيدة من غيمة بنفسجية، تمنى فيها أن تتسلق صدره كوردة جورية حمراء، فابتسمت كفجر مشرق، واسـتعدت لأن تطير معه إلى خلف أستار الغيم، لكن العاصفة اشتدت، وأمطرت الســماء وابلا من المطر، فما كان منها إلا أن نهضت، وودعته مع قبلة على الخد، وركضت بسرعة الريح باتجاه البيت بعد أن كتبت اسـمها بأحمر الشفاه على جدران قلبه، صاح بها أن ترجع ريثما يهدأ الجو، لكنها أرادت أن تعاند عنفوان العاصفة ، وأن تلم الغسيل المنشور على السطح، شعر بالخطر عليها، فتركها في داخل دوائر النظر إلى أن اختفت.
وحيدا بقي في مدارات الصمت، وعلى الرغم من أن البستان أضحى بعدها أرضا قاحلة، إلا أنه ظل جالسا تحت الشجرة وثمة رغبة تجتاحـه أن يبقى في مكانه ولا يعود إلى البيت حتى يغير الجو من عناده.
الظلمة الحالكة بدأت تغزو القرية، بات لا يميز أي شيء غير مطر يبلله بشهية مفتوحة، ورياح قوية تلسعه كسياط مثلجة حادة، لم يبق أحد في الحقول والطرقات والأزقة إلاه، حاصره الحزن على فراقها، فخرج يسير بخطوات بطيئة، ولم يحاول أن يتقي المطر المنهمر بشدة:”ماذا لو سقط بيتنا الطيني بفعل هذه الأمطار الغزيرة؟ يا للكارثة”. في تلك اللحظة تذكر أمه:” لا بد أنها قلقة عليّ، لماذا لا أعدو كي أصل البيت بسرعة؟ “تمنى أن يتوقف المطر وتهدأ الرياح، لكن السماء ظلت غاضبة سوداء، تابع طريقه بإصرار وعناد وهو لا يبصر سوى الظلام، ولا يسمع غير حفيف الأشجار:” لا بد أن أمي تبحث عني الآن، آآآآآه…”. اصطدم بعمود خشبي مزروع في الطريق وينتظر أسلاك الكهرباء منذ الخطة الخمسية الرابعة، لملم أنينه وتابع سـيره، لمح نورا خافتا يخرج من نافذة بيت في القرية: “لأسرع قبل أن أفقده, آخ…ما هذا؟ ” تأرجح في جوف فارغ ودهمه ألم صاعق، وجد نفسه منطرحا على ظهره وسط حفرة مليئة بالمياه والأوحال، والسماء تتمدد فوقه قاتمة بلا أدنى ضوء، انتشل نفسه من الحفرة بصعوبة، لكن حذاءه اختفى بين الأوحال، اشتعل الرعد من جديد، وهذه المرة كان عنيدا جد ا، وفي لحظة واحدة رأى ما يشبه الشهاب يسقط فوق مكان ما في القرية:” يا إلهي ما هذا؟” قال ذلك في نفسه وهو يشعر بقلبه ينشطر إلى نصفين، نصف ركض ومضى باتجاه (سارة) والنصف الآخر هوى في هوة سحيقة بلا قرار.
سار حافيا والماء يقطر من كل أجزاء جسده: “اللعنة، لماذا لا يردمون تلك الحفرة؟ آه يا قدمي.. ما هذا؟ لقد جرحت”. جلس على الأرض، تحسس قدمه، شعر بشيء دافئ ينز منها:” لا بد أنه الدم، ولا بد أنني دست مسمارا أو قطعة زجاج”. في تلك اللحظة المؤلمة، استولت عليه رغبة متوحشة إلى أعطاف بيته، والى حرارة المدفأة وأنامل أمه بين شعره.
البرد أكل دفء جسده كله، والألم انتشر في قدمه وساقه، لكنه نهض متحديا الألم والبرد:” الطين أتلف ثيابي كلها، ستضحك (سارة) كثيرا حينما تراني بهذا الشـكل.. الحذاء ضاع، ويبدو أن الدماء لا تريد أن تتوقف.. حمداً لله لقد وصلت، ها هو بيتنا، أنه بيتنا بالتأكيد”. دفع الباب بكل قوته، لكنه لم ينفتح، طرقه، انفتح، انزلق إلى الداخل وهو يسمع صوتا أنثويا:
ـ اتجه إلى الباب الآخر.. ماذا بك يا (سعيد)؟ ألم تعد تفرق بين بيتكم وبين بيتنا؟! ثم ما كل هذا الطين الذي على ثيابك؟
لم يرد عليها، وإنما حث خطواته برفقة آلامه نحو بيته، فتحت أمه الباب، دخل وهو يستولد شيئا من الدفء بالنفخ في راحة كفه.
استقبلته الأم بعلائم الاستغراب:
ـ أين كنت؟ ثم ما هذا الطين؟!
دنا من المدفأة ولم يجب لأن كل أبواب الكلام كانت مغلقة بمزاليج من برد.
ـ أين أخوك. سألته بعصبية ولم تنتبه إلى الدماء التي تلون قدمه.
ـ لقد خرج بعدك. صرخت في وجهه حين قال:
ـ أليس هو في البيت؟
مسحت أمه الدماء عن قدمه، لفتها بقطـعة قماش، وحين غيّر ثيابه استعدادا للخروج والبحث عن شقيقه، جاء وهو يجهش ببكاء حاد وأطل الاستغراب.
ـ ماذا حدث ولماذا تبكي؟!
نظر إلى شقيقه نظرات كلها حنان وعزاء وظل يبكي، فهو يعرف ما بينه وبين (سارة) اقترب الآخر منه، هـزه من كتفه وقال بغضب سيطر عليه فجأة:
ـ تكلم.. ماذا حصل؟
أخفض رأسه وأجاب بصوت تغالبه الدموع:
ـ سارة.. سقطت عليها قذيفة وتوفيت في الحال.
تجمد جسده من هول المفاجأة، ركضت خلاياه نحو الهذيان وانهار الكلام انهيارا تاماً، أما الأم فهي الأخرى سيطر عليها الذهول، ثم راحت تتأسف وتبكي بصمت.
لم يدر كم من الوقت مر وهو متجمد، وبغتة صرخ مثل من يريد الهروب من كارثة:
ـ قبل ساعة كنت معها!
ـ أعلم بذلك.. عادت إلى البيت وحين كانت تلم الغسيل المنشور فوق السطح سقطت القذيفة بالقرب منها.
انهار فيه شيء ما، سقطت الدموع مدرارة من عينيه، وفي قلبه نبتت براعم سوداء.
بسام الطعان
bassamaltaan@yahoo.com



















































عذراً التعليقات مغلقة