الجامعة المغربية والممارسة السياسية:

15 أبريل 2026
الجامعة المغربية والممارسة السياسية:


الجامعة المغربية والممارسة السياسية:

حين يُقصى العقل ويُستدعى الصوت

بقلم: د. مصطفى الغاشي

كاتب وباحث مغربي في التأريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

في كلّ المجتمعات التي راهنت على التحديث السياسي، لم تكن الجامعة مجرّد فضاء لتلقين المعرفة، بل تحوّلت إلى فاعل مركزي في صياغة القرار العمومي، وتغذية النقاش السياسي، وإنتاج النخب القادرة على الربط بين النظرية والممارسة. غير أنّ المشهد المغربي يقدّم صورة مغايرة: جامعة حاضرة كمؤسسة، وغائبة كفاعل سياسي مؤثر. هنا تبرز مفارقة تستحق التفكيك: لماذا يُغيَّب الفاعل الأكاديمي عن الممارسة السياسية في المغرب؟

بين الجامعة والسياسة: علاقة ملتبسة:

من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون الأكاديمي بالمعنى السياسي… “مثقفاً عضوياً” منخرطاً في قضايا مجتمعه، لا مجرد منتج للمعرفة داخل أسوار الجامعة. كما أن الحقول الاجتماعية على اختلافها، تتقاطع وتتصارع، لكن دون أن تنفصل بشكل تام. غير أنّ الواقع المغربي يكشف عن قطيعة شبه بنيوية بين الحقل الأكاديمي والحقل السياسي، حيث يشتغل كلٌّ منهما بمنطق مختلف، بل أحياناً متناقض.

السياسة في المغرب، كما تبدو في الممارسة، لا تُكافئ دائماً الكفاءة بقدر ما تستدعي الولاء أو القدرة على التعبئة، في حين تظل الجامعة فضاءً يُفترض فيه الحياد النسبي والانشغال بالمعرفة. هذا التباعد خلق فجوة يصعب ردمها دون إرادة حقيقية من الطرفين.

أعراض التغييب: حضور صامت:

يمكن ملاحظة تغييب الفاعل الأكاديمي من خلال مؤشرات واضحة:

• ندرة الأساتذة الجامعيين في مواقع القرار السياسي الفعلي.

• ضعف مساهمة الخبرة الأكاديمية في إعداد القوانين والسياسات العمومية.

• غياب مراكز تفكير جامعية قادرة على التأثير في الرأي العام.

• هيمنة خطاب سياسي إنشائي وفي وقد يكون “شعبويا مقرفا” يفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق التحليلي.

إننا أمام “حضور صامت” للأكاديمي: موجود في الإعلام أحياناً، وفي الندوات، لكنه غائب حين تُصاغ القرارات.

لماذا يُقصى الأكاديمي؟

السؤال الجوهري ليس فقط في توصيف الغياب، بل في فهم أسبابه:

أولاً، هناك عامل بنيوي مرتبط بطبيعة الحقل السياسي، حيث تظل دوائر القرار محدودة، ولا تُفتح بسهولة أمام الفاعلين المستقلين.
ثانياً، ضعف الوساطة المؤسساتية بين الجامعة والدولة، إذ لا توجد آليات واضحة لإدماج الباحثين في صناعة القرار.
ثالثاً، ثقافة سياسية تقليدية لا ترى في المعرفة العلمية أولوية بقدر ما تعوّل على التوازنات السياسية.
رابعاً، مسؤولية الأكاديميين أنفسهم، حيث يفضّل كثير منهم الابتعاد عن السياسة، إما حفاظاً على “نقاء” البحث العلمي، أو خوفاً من الانخراط في لعبة قد تُفقدهم استقلاليتهم.

كلفة الغياب: سياسة بلا عمق:

إن تغييب الفاعل الأكاديمي ليس مجرد خلل تقني، بل له كلفة سياسية ومجتمعية:

• قرارات عمومية تفتقر أحياناً إلى السند العلمي.

• نقاش عمومي سطحي يغلب عليه التبسيط والشعبوية.

• ضعف الثقة في المؤسسات نتيجة غياب الوساطة الفكرية.

• استمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع.

بعبارة أخرى، حين يُقصى العقل، يُفسح المجال للصوت المرتفع، لا للفكرة العميقة.

هل من أفق للتصحيح؟

رغم هذا التشخيص، لا يبدو الوضع ميؤوساً منه. فإعادة الاعتبار للفاعل الأكاديمي تمر عبر مسارات متعددة:

• فتح الحقل السياسي أمام الكفاءات، لا باعتبارها زينة تقنية، بل كقوة اقتراحية.

• إحداث قنوات مؤسساتية تربط الجامعة بصانع القرار، مثل المجالس الاستشارية ومراكز التفكير.

• تشجيع الأكاديمي على الانخراط العمومي، دون أن يفقد استقلاليته النقدية.

• تجديد الثقافة السياسية لتُدرك أن المعرفة ليست ترفاً، بل شرطاً للحكم المتزن.

خاتمة: من جامعة معزولة إلى فاعل مؤثر:

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدماج الأكاديمي في السياسة، بل في إعادة تعريف دور الجامعة نفسها داخل المجتمع. فإما أن تظل مؤسسة لإنتاج الشهادات، أو تتحول إلى قوة فكرية تسهم في توجيه المستقبل.

في مغرب اليوم، حيث تتعاظم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد من المقبول أن يظل الفاعل الأكاديمي على الهامش. فالديمقراطية لا تُبنى فقط بصناديق الاقتراع، بل أيضاً بالعقول القادرة على التفكير والنقد والاقتراح.

وحين تستعيد الجامعة صوتها، قد تستعيد السياسة معناها.

 مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com