قراءات في المنجز الفني العالمي
أنيش كابور: حين يغدو اللون هاويةً ويصير الفضاء مرآة
بقلم: د. عمر سعدون

فنان بصري،أستاذ محاضر
في سنة 2015، قادتني مشاركتي في فن الأداء، ضمن برنامج للتبادلات الثقافية عبر المضيق نظمته مؤسسة MEM بتعاون مع جمعية الهندقة بالمغرب، إلى زيارة متحف غوغنهايم بمدينة بلباو. وهناك، في ذلك الصرح الذي صممه فرانك غيري، أنجزنا عملاً أدائياً في أحد أروقته الكبرى، بمشاركة فنانين من المغرب وإسبانيا، وتحت إشراف الناقد الجمالي موليم العروسي.
لم تكن تلك الزيارة محطة عابرة في مساري الفني، بل لحظة انفتحت فيها التجربة على معنى أكثر رحابة. فقد بدت لي بلباو مدينةً تتآلف فيها العمارة والماء وحركة الناس في مشهد بصري واحد، فيما بدا المتحف فضاءً يعيد تشكيل الحس، ويمنح العين طريقة أخرى في رؤية العلاقة بين الجسد والمكان.
وقبل دخول القاعات، استوقفني في الساحة الخارجية عمل أنيش كابور «شجرة سامقة والعين» (2009)، المنجز من الفولاذ غير القابل للصدأ والفولاذ الكربوني.
منذ اللقاء الأول، لم يظهر العمل بوصفه كتلة نحتية فحسب، بل بوصفه بؤرة تستقبل الضوء والفراغ وحركة الزوار، ثم تعيد صوغها في صورة متحولة. عندها انكشف لي جانب أساس من تجربة كابور: إنه لا ينحت المادة وحدها، بل يعيد ترتيب العلاقة بين العين والفضاء، بين السطح والصورة، وبين المنحوتة والعالم المحيط بها. يتكون العمل من ثلاث وسبعين كرة عاكسة تنتظم حول ثلاثة محاور، في بنية تجمع بين الصرامة الهندسية والانفتاح التخييلي. غير أن قوته الحقيقية لا تكمن في تركيبه فقط، بل في أثره البصري؛ فالسطوح المرآوية تلتقط الجسر والنهر والمارة وواجهات المتحف، ثم تعيدها في هيئة سائلة ومتكسرة ومتعددة. وهكذا لا يعود الفضاء مجرد محيط خارجي، بل يغدو جزءاً من بنية العمل نفسه.

ومن هنا تنبع فرادة كابور. فهو لا يقدم شكلاً مغلقاً، بل يفتح العمل على إدراك متجدد، حيث تصبح حركة المشاهد والضوء وزاوية النظر عناصر فاعلة في التجربة الجمالية. كل اقتراب يلد صورة جديدة، وكل التفاتة تعيد تركيب المشهد، حتى يبدو العمل وكأنه يتخلق باستمرار من تفاعل العالم معه. وينتمي مشروعه الفني على تحولات عميقة عرفها النحت المعاصر، حين لم تعد الكتلة هي مركز العمل الوحيد، بل صار الفضاء، والتجويف، والسطح، والانعكاس، عناصر مؤسسة في بنائه. ومن هذا الأفق يكتسب منجزه مكانته، لأنه لا يواصل تلك التحولات فقط، بل يمنحها صياغة بصرية مشحونة بكثافة حسية وتأملية خاصة.
وُلد أنيش كابور سنة 1954 في بومباي، وتبلور مساره الفني في بريطانيا، حيث نضجت لغته التشكيلية في سياق أعاد النظر في مفهوم النحت ووظيفته. وقد تعزز حضوره العالمي منذ مشاركته في بينالي البندقية سنة 1990، ثم فوزه بجائزة تيرنر سنة 1991. غير أن القيمة الأعمق في تجربته تكمن في قدرته على تحويل العمل الفني إلى تجربة في الرؤية، توقظ وعياً جديداً بالمكان والجسد والصورة.

يقوم منجز كابور، في أحد أبرز وجوهه، على قطبين متكاملين: العمق والانعكاس. ففي أعمال السواد، يتحول اللون إلى بنية إدراكية تستدرج النظر إلى باطن صامت، وتمنح السطح كثافة موحية. أما في المنحوتات المصنوعة من الإينوكس المصقول، فيغدو السطح مرآة حية تستقبل العالم ثم تعيده في صورة متحولة. وبين هذين القطبين تتحدد فرادته، لأنه يجعل العين معلقة دائماً بين الداخل والخارج، وبين الحضور والصورة.
في أعمال السواد، لا يؤدي الأسود وظيفة لونية مباشرة، بل يفتح في الكتلة منفذاً إلى عمق غير مستنفد. يقف المشاهد أمام العمل شاعراً بأن الشكل يخفي أكثر مما يظهر، وأن الفراغ ذاته قد صار مادة من مواد الحضور. ومن هنا يكتسب السواد عند كابور بعداً تأملياً، لأنه يدفع الإدراك إلى ما وراء حدود السطح. وترتبط هذه النزعة ببداياته مع الأصباغ الخالصة، حيث كان اللون مولداً للهيئة لا زينة لها. لذلك لم يكن انتقاله إلى أعمال السواد تحولاً قاطعاً، بل امتداداً منطقياً لمشروع ظل فيه اللون حاملاً للتوتر والعمق والإيحاء.
غير أن تجربة كابور لا تقف عند النحت وحده. ففي السنوات الأخيرة، حظيت لوحاته باهتمام متزايد في مؤسسات فنية كبرى، من أمستردام إلى شينزن، ما أتاح قراءة أشمل لمنجزه. وفي هذه اللوحات الكبيرة، تتمخض الكتلة اللونية في حركة فرشاة عنيفة، تتردد بين التحديد الجسدي والتجريد، لكن هذه العاصفة البصرية تخفي توتراً حميماً وروحياً، وتلامس الوظائف الأولى للحياة وشاعريتها.
وتتجلى هذه الرؤية في مجموعة «عين سوف» (2022)، حيث يستدعي العنوان معنى اللامتناهي في القبّالة. هنا ينبثق الأحمر القرمزي من قلب العتمة، كأن اللوحة تخرج من ظلها الخاص، أو كأن الصورة تتخلق من جرح داخلي. اللون في هذه الأعمال ليس غطاءً للشكل، بل طاقة تولده وهو بعدُ في طور التكون.
وفي عمله «بلا عنوان» (2023)، يطور كابور تصوره القديم في عمله الشهير «حين أكون حاملاً» (1992) فإذا كان العمل الأول قد جعل الجدار الأبيض نفسه مجالاً لظهور خافت لا ينكشف إلا من زاوية مخصوصة، فإن العمل الجديد يدفع الفكرة إلى مدى أكثر غموضاً بإدخال فجوة سوداء داخل الشكل الأبيض. هنا يصبح اللامرئي أكثر حضوراً من المرئي، ويغدو التجويف الداخلي أوسع، في الإحساس، من الكتلة التي تحتويه.
كما تتقاطع في رسوم الغواش الجديدة عناصر عضوية ومعمارية في هيئة شقوق وفتحات وممرات ونوافذ تنحل في عتمة عصية. ومع ما في هذه الأعمال من فوران وجداني، فإنها لا تستغرق في الظلمة، بل تستولد منها إشراقاً داخلياً خافتاً.
أما في أعماله المنجزة بمادة الفانتابلاك – مادة مصنوعة من أنانيب نانوية كربونية سوداء – ، فيبلغ سؤال الإدراك حدوده القصوى. فهذه المادة النانوية لا تعمل بوصفها لوناً عادياً، بل بوصفها بنية تحتجز الضوء إلى حد يكاد يمحو الشكل. لذلك تبدو المنحوتات وكأنها تظهر وتختفي في اللحظة نفسها، وكأن الكتلة لم تعد تأكيداً للحضور، بل اختباراً لحدوده. هنا يتحول الأسود إلى تجربة إدراكية قصوى، تُفرغ الشيء من مرئيته المألوفة وتدفعه نحو تخوم التجريد الكامل.
وت الرؤية في عمله الشهير «بوابة السحاب» في شيكاغو، حيث تتجمع المدينة والسماء والعابرون في سطح واحد، ثم يعاد تشكيلهم في صورة مائعة ومفتوحة على التحول. لا يرى المشاهد العمل وحده، بل يرى نفسه داخله، مندرجاً في صورة أوسع، كأن الفن هنا لا يعكس العالم فقط، بل يعيد ترتيبه.
بهذا المعنى، يرسخ أنيش كابور مكانته بوصفه واحداً من أبرز فناني عصرنا، لأنه أعاد إلى النحت المعاصر طاقته على الإدهاش وعمقه التأملي، وفتح أمام العين إمكاناً آخر للرؤية: أن ترى العالم لا كما هو فقط، بل كما يمكن للفن أن يكشفه حين يمر عبر مرايا الفضاء وعمق اللون.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































عذراً التعليقات مغلقة