عبد النبي بزاز

المغرب
تزخر مجموعة ” قصيدتان وأغنية ” الشعرية للشاعرة التونسية حياة بن تمنصورت بعناصر إبداعية وجمالية على المستوى البلاغي ؛ من جناس ، وطباق ، وتشبيه ، وصور . والإيقاعي المتنوع والمعبر، وأيضا الموضوعات ، والرموز و نوعيتها الدلالالية مختلفة الأبعاد.
وقد عمدت الشاعرة لاستعمال عناصر بلاغية ؛ كالتشبيه المقترن بأداة الكاف كما في قصيدة “النهاية ” : ” كزنبقة الوادي يحرقه بياضها ” ص10، أو “مِثْل ” في قولها : ” مثل طلل على شاطئ منسي ” في قصيدة ” كلام ” ، ومجردة منها حين تقول : ” قلبي تفاحة … ” ص 46، في تشبيه للقلب بالتفاحة ، وبالهر السجين : ” وقلبي هر سجين … ” ص69، والجناس في قصيدة ” نرسيس .. وقمر” حيث تقول : ” كانت هناك ، هناك / معلقة بين الغيوم … / وكان الطريق إلى قلبه طويلا ، طويلا … ” ص14، وهو جناس تام ( هناك ، هناك / طويلا ، طويلا ) ، أو الطباق في : ” توجع الروح وهي لا تحيا ولا تموت ” ص41، وفي : ” بل مرّ ولاحلو …” ص57، و” لا مد ولا جزر… ” ص61 . مع ما تزخر به المجموعة من صور شعرية ، وتعابير مجازية تضفي عليها طابعا جماليا بارزا . ومن هذه الصور نقرأ :
” وكيف صوتك آخر الليل اغتال صمتي وموتا مشتهى في عيوني / فانبعثت أنثى وقصيدة ؟ ” ص9، في تصوير للموت وهو يغتال الصمت ، وصورة الموت المشتهى في عيون أنجبت أنثى وقصيدة ، واحتساء الحياة في أكواب الكريستال : ” أرشف الحياة في أكواب الكريستال … ” ص35، وإغفاءة القمر التي يستغرق زمنها عبور محطة العينين ، وما تحبل به من معاني ودلالات ذات زخم رمزي غني ومتنوع كما في قولها:
” حين يغفو القمر أعبر عينيك ” ص40، وترميم المزهرية ، ورأب شظاياها الناتجة عن صدى الصوت بما توفر من قهقهات : ” والمزهرية التي شرخها صوتي … / سأرممها بما تيسر من قهقهاتي / ولها سأذبح ورد الحديقة ” ص41، وإكرامها بنحر ورد الحديقة ، وهو ما يغني الصورة بتعابير مجازية كمنح الحديقة وردا قابلا للذبح . وقولها كذلك :

” وعلى الشاشة ما يحرض الحبر على البكاء ” ص43، في حَثّ للمخيلة على تصور حبر يبكي ، ولفّ الذات بالانتظار قبل أن تحترق : ” أَلُفُّني بالانتظار / وأحترق …….” ص67، وإنضاج الصبر على جوع يتحول إلى نار هادئة : ” ولينضج الصبر على جوع هادئ .. ” ص67 . ولم تخل المجموعة من تعابير ذات طابع مجازي أضفى عليها مسحة جمالية ، وعمقا دلاليا كما نقرأ في نص ” صمت ” : ” هكذا أخبرتني سحابة عابرة ، ومرت ” ص12، حيث تمت استعارة القول والكلام للسحابة ، وكذلك للروح التي تتساءل عن كنه ما يحيط بها من رهافة وهشاشة : ” تسألني الروح عن سر هشاشتها ” ص5، والنظر والرؤية للأكواب : ” ترمقني الأكواب من وراء البلور ” ص35، فضلا عن استعمال أساليب تتداخل فيها الأنا : ” آخذ بيدي نسير إلى آخر الممر أنا وأنا ” ص35 ، حيث ترافق الأنا أناها وتأخذ بيدها . وتشييع الذات لذاتها : ” أشيعني إلى آخر الصمت / فينبت لي جناحان … ” ص38، فتغدو نهاية الصمت نقطة وصول ينبت فيها للأنا جناحان تفتح معهما آفاق عديدة لتأويلات مشرعة على التحليق بعيدا عبر امتلاك جناحين ، وهو منحى بطابع غرائبي سريالي يتواصل في سير الظل وتوقفه ، بل وصراخه : ” قد يتوقف الظل … ويصرخ أخيرا : أيا لعنتي !…ويبكي …….” ص49، وتحديد نقطة يكون هدفها وغايتها الأنا : ” وحدي سأمضي .. / إلى وحدي … ” ص58.
لننتقل إلى عنصر الإيقاع ، وما يميزه من تنوع تحدد في الشق الخارجي حيث تنتهي أواخر الجمل في نص ” النهايات ” مثلا ب قافية الهاء : ” للنهايات روائح تنبىء بموعدها … / كزنبقة الوادي يحرقه بياضها … / وتخون دلالتها ” ص10، وبروي الفاء في نص ” هشاشة : ” في الخريف ../ لماذا تشفّ؟ / لماذا تخفّ؟ ” ص15 ، وروي الكاف في : ” قد يدركك / قد يخطئك / لكنه لا يراك ” ص31، والشق الداخلي من خلال تكرار حرف الميم في قول الشاعرة : ” تجلس / تتململ / ثم تنام … ” ص10، وحرف الراء ، والحاء في قولها : ” البحر يكسرني ينكرني وأناملي تشتعل .. / إذ تحك جلدي تشتعل .. / جلدي الذي تحته الموج .. يصطخب … ” ص56، وما تخلقه هذه الحروف في تكرارها من موسيقى تنأى عن الرتابة الممجوجة ، والنبرة الناشزة . وعنصر التضاد كما ورد في قصيدة ” الصمت ” :
” أَبَلَغَك حديث الصمت ؟ / تناهى إليك ضجيجه ؟ ” ص11 ، وأطرافه : حديث ، الصمت ، ضجيجه وما تعبر عنه من مقابلة في صيغة استفهامية توصل كلام الصمت وتخبر به ، وبما يحدثه من صخب وضجيج . وهو تجسيد لنمط تعبيري يمكن اختزاله في جمالية التضاد الذي يكرس رؤية الشاعرة المختلفة والمنزاحة كمنحى إبداعي يميز الصِيَغ الشعرية التي تسلكها في طرق تشكيلها لنصوصها الشعرية .
واستعانت الشاعرة كذلك برموز مختلفة إغناء وتنويعا لمكونات متنها الشعري مثل ” طروادة ” التي استهلت بها أول مقطع من أول نص في المجموعة ، والموسوم ب ” قصيدتان وأغنية ” ، والذي ورد فيه : ” كطروادة كانت أسواري عالية حين تسللت إلي قصيدة ” ص9، وهي المدينة الأثرية بالأناضول في تركيا ، والتي ارتبطت بحرب طروادة التي حوصرت لعشر سنوات من طرف الإغريق وتم إسقاطها عن طريق الخدعة المتمثلة في حصان خشبي عُرِف بحصان طروادة ، ونرسيس في قصيدة ” نرسيس .. وقمر ” استيحاء من شخصية نرسيس في الأسطورة الإغريقية ، وما ترمز إليه من حب مفرط للذات : ” امرأة مرت … نرسيس لا يرفع رأسه عن النهر ” ص13، في إشارة لعشق نرسيس لصورته المنعكسة على ماء النهر حسب الأسطورة . وقصة برسيفيني الفاتنة وزواجها بهاديس إله العالم السفلي الذي اختطفها ، والتي انتهت باتفاق يقضي بمكوثها مع زوجها ثلث العام والعودة إلى أمها في الربيع : ” في الخريف../ حين برسيفيني تحمل سلة عطرها / وتغادر العتمة ” ص15، وأيضا طائر الفينيق وما يرمز إليه من بعث بعد الموت ، وانبعاثه من الرماد الذي يحترق في لهيبه ، وقصة سيزيف مع الصخرة التي يوصلها إلى أعلى الجبل وتتدحرج فيعيد حملها إلى القمة لتتدحرج من جديد مستغرقا كل وقته في مهمة عبثية : ” فلا الفينيق انبعث من رماده / ولا سيزيف ثانية بلغ القمة ” ص30، مختزلة محتوى الأسطورتين المصدرتين بنفي . وميدوزا ربة الحكمة والثعابين في الميثولوجيا الإغريقية ، والتي تُحَوِّل كل من نظر إلى عينها إلى حجر : ” يتشمم رائحة الخوخ رائحة ميدوزا التي واراها الظلام ” ص33. وتمت الإشارة كذلك إلى الفنان التشكيلي الهولندي فان جوخ ، وما تجسده لوحاته الخالدة من قدرات فائقة على الرسم والتشكيل : ” ريشة فان جوخ ربما مرت من هنا ذات جنون ” ص27، وتحديدها لزمن موسوم بالجنون في رؤية تعكس مدى تماهي العبقرية بالجنون لخلق انزياح خارج حدود المألوف والمعتاد . وأيضا ذكر رواية الكاتب السوداني الطيب صالح ” موسم الهجرة إلى الشمال ” ، وإحدى شخصياتها الرئيسية ” مصطفى سعيد ” : ” من جديد يهاجر ” مصطفى سعيد ” إلى الشمال ” ص17، في نص يحمل عنوان الرواية ” موسم الهجرة إلى الشمال أيضا …” ص17 . ومن المواضيع التي وردت في الرواية موضوع القومية العربية ، والقضية الفلسطينية بالخصوص وما تعرضت له غزة من حصار ، وتقتيل حيث أشارت الشاعرة إلى ذلك في قصيدة ” خيانة ” قائلة : ” حياض القرنفل في غزة تلك التي خانها مطر تشرين …/ أبكي طويلا ولا أقصف / ولا أموت ” ص44، وهي مقاطع ، في كثافتها ، تصور مأساة سكان قطاع غزة ، وما تعرضوا له من ظلم سافر اقترفته قوى الاحتلال الصهيوني في صور مؤلمة لجرائم القتل والتنكيل في حق ضحايا من أطفال ونساء وشيوخ أمام صمت دولي ، وخذلان عربي ، مشيرة إلى انحباس مطر تشرين عن سمائها وما يحمله ذلك من دلالات رمزية تجسد غياب الدعم والمساندة اللازمين مع الاكتفاء ببكاء وتباك لن يغير من الوضع شيئا مادام أنه بعيد عن ساحة القصف والقتل : ” لا أُقْصَف/َ ولا أموت ” ص 44، في إشارات وإيحاءات تزخر بها نصوص مجموعة تتطلب عمقا في الرؤية ، واستفاضة في القراءة وهو ما لا تتسع له حدود هذه المقاربة حسب ما هو ممكن ومتاح .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ قصيدتان وأغنية ( شعر ) حياة بن تمنصورت .
ــ دارالنشر ورقة ـ تونس 2025.

















































عذراً التعليقات مغلقة