علال الحجام

شاعر من المغرب
ماذا يعوزك أيّها الكاتبُ بالقوة لكي تكون شاعرا بالفعل إذا توفّرتْ لك الأدواتُ اللازمة لوضع قدمك اليمنى على عتبة المعراج، مثل الصبر، والتّأنّي في اصطياد النّص، وحيازة إكسير الخيال المجنح والتمكن من عمق التأمّل وتطويع اللغة؟
* * * * *
حسناً، وطوبى لك أيّها التقيّ النقي، إنِ اخْترتَ أن تكون مريدا طيعا لشيخ تُشكّله أنتَ دون غيرك، وأكرم بما يُعفيك من شرّ التّحليق على جناحِ طربٍ يطيرُ براكبه إلى الثلثِ الخالي المترعِ وباءً وفقراً وفجوراً (1)، وأولى لكَ ثم أولى أن تتهجّدَ في المغارةِ ليلَ نهارَ قانعاً وقانتاً، عسى أن تتّسعَ آفاقُ سكينةٍ تضمنُ طمأنينةً لآخرتك، بدلَ أبديةٍ تتمدّدُ على بساطِ سندبادٍ لا يعودُ إلى البرّ إذا أبحر في سماء يُعلي أبراجَها السّحابُ بخيالٍ في قبضةِ الزوبعة (2).
* * * * *
وإذا كنتَ قابلاً بما تخلّق وانتهى، وكارهاً لقاربٍ يُخرجُ أسفارك منْ قمقمٍ في الجحيم، ثق أنّك لن تبدع ما تكرهُهُ البدعة، ولتقرفصْ حيثُ أنتَ، ولتهنَأْ بقبولِ كلّ رَميمِ، وكراهية كل برعوم نديّ، ولتنس رقصاً على نغمٍ تتوسَّمُ فيه تبابا، فقد سلّمتَ بامتطاء مسخٍ تسوسُهُ القُرافة نحو السّلامة.
* * * * *
واعلم أيها العاثرُ أنّكَ لو فتحتَ عينيكَ كثيرا على مرجل السّوق لرأيتَ الواقع يُعشي، ولو غضَضْتَهما لفاجأكَ في الغضّ نومٌ يُميتُ. وليكن واقعُكَ ما تُخمِّرُهُ في خيالك الأطيافُ الطّاهرة، وما تنقشُهُ على نبضات قلبك المشاعرُ الصادقة، وما تُنطقُهُ الأشياءُ حولك من هسيسٍ يتوهّجُ ولا يُذبلُ أزهارا.
* * * * *
وإذا استطعتَ أيها الكاتب أن تُعلي الجدار بينكَ وبين السّلطة أيّ سلطة، سواء أكانت سلطة رمزية، أو سلطة دينية، أو نظاما سياسيا، أو حزبا، أو جماعة فنية، واستطعت أن تقول (نعم) حينما تجد نفسك مطمئنا ومرتاحا في التلفّظ بها، وتقول (لا) في أصعب الأوقات حينما تطالبُك القوى القاهرة بإيقاع الظلم على ضعيف لا حول له ولا قوة، وتحملك على نسف ما تومن به من قيم، فأنت شاعر يومن بأن الشعر لا ينتصر إلا للإنسان وقيمه الخالدة.
* * * * *
وإذا آنست في نفسك كل ذلك، فاسألْ نفسَكَ: هل استطعتَ أن تطهّرَ بالكلمة الطيبة قلباً من ضغينته؟ وهل استطعتَ أن تستدرج عقلا يومن بالرّأي الواحد الأوحد إلى ما يُرشدُهُ إلى الإيمان بالاختلاف والتعدّد والحوار الهادئ؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت شاعر كسَبَ نصف الرّهان، ويبقى ما تكسبُهُ من تجربة ودُربة كسباً مُجزياً للنّصف الثاني، لأن الكلمة الجميلة لا تلجأ إلى توظيف ما يعاند الشعر قهراً، ويقتله بعنف لفظي لا يحتاج إلى أيّ سلاحٍ مادي.
* * * * *
إذا استطعتَ أيها الكاتب أن تكتب ما تريده دون أن تسيء إلى الآخر كيفما كان لونه وجنسه ودينه انتصارا للحقيقة، شريطة أن يومن هو أيضا بهذه القيم. وإذا استطعت أن تخجل الطاغية مما يقترفه وهو يكمّم الأفواه، ويقيّد الأقلام والخطى، أو يُؤرّب أوصالَ صوت صادق يفضحه بمشاعل الحرية المحتمية بفراشات الخيال وطيوره وغمائمه، فأنت شاعر.
* * * * *
إذا استطعت أيها الكاتب أن تلتقطَ صوراً جديدةً لعالمٍ ساحرٍ تُغني ما توفّر لهُ من ألبوماتٍ شكّلها آلافُ المبدعين السّابقين من الفنانين والأدباء والفلاسفة عبر آلاف السّنين، من جلجامش إلى آخر شاعر مجنون وقّع احتجاجه بدمه السّاخن. وإذا استطعت أن تستشرف سعيداً ما سيحدث، مثل قليل من الرائين الذين حلموا دونما تبجّح أو غرور، فاعلم أنك ستكون شاعراً لا يستطيع أحدٌ أن ينازعه في جدارته بالحلم والتّأمّل.
* * * * *
لمَ لا تكون؟ إذا استطعتَ أن تجعلَ الكلمات التي يرسمُها نبضُ الفؤاد الصادق تتألّم لارتعاش طفلٍ حافي القدمين يمشي في شهر فبراير فوق الجليد، أو ترثي لحال هيكل عظميّ يشيّدُ أهرامَ فرعون على الجمر في شهر يوليوز. أو تتألّم لأنّات جريح في حرب يعرف أنها ليست حربَهُ، وأنّه يخوضها بالوكالة عن صيرفي، وطاغية، وسمسار، وتاجر أسلحة، وجاسوس حقير يذبحُ قيماً قد تكون قيمَ أجداده وأحفاده.
* * * * *
وقد تكون، لمَ لا؟ إذا لاحظت بعين المجنون الأنيق الذي يسكنك وتسكنه أن الحروف تذوب رقّةً أمام فراق حبيبين يجهلان الأيادي التي سرقت الفانوس وأغرقت بلشون النور في حمم الديجور، أو أمام هديل يمامةٍ تهمس شوقاً لإلف بعيد، يزداد صداحها كلما لاح طيفٌ من سطح العمارة المقابلة، أو تسلّل من سياج الصفصاف في الظلام، أو أمامَ ريحانة تذبل تحت سموم لا يرحم، تتمنى قصيدتك صادقةً لو كانتْ غيثاً يغيث طهارتها.
* * * * *
إذا رأيت فيما يراه النبيّ الرائي أن صنوبرة باسقة تلوم الريح على اجتثاث زهرة في عز المصيف، وتُجهز بدون رحمة ولا شفقة على فراشة تغالب مصيرَها الأرعنَ مثل غريق يغالبُ الأمواج العاتية، أو مثل سنبلةٍ تحني الرأس وترفع قبّعةً لمحراثٍ غبيّ شقَّ الأرضَ لبذرتها واستراح في مستودع رث أمام إسطبل الثيران… فاعلم بكل ثقة أن الشعر أصبح في سويداء القلب أقرب منه إلى عينيك ولا دخل لحيسوبِ الفنّ في خساراته الفادحة.
* * * *
هل أنتَ قادرٌ على اقتناص أحلام الطيور في وكناتها، أو تتبّع هواجسها وهي تطير منفردةً بين الغاب والشاطئ الملفّع بظلال الجبل، هاربةً من غمامة السّرب إلى شروق نفسها؟ هل أنت قادرٌ على ترجمة حوارِ الشّمس مع قطرة النّدى، بلغة الأعماق، أو فكّ ما يتراءى لك من ألغاز تبرق في حنينِ نحلةٍ في أعلى قصبةٍ للقاحِ زهرة تستعرُ شوقاً لدغدغةٍ عابرة؟
* * * * *
إذا كان الأمر كذلك، وهو غيضٌ من فيض، فما عليك إلا أن تتبادل الأدوار مع النّهر فتجري مياهاً عذبةً تتسلّل إلى مسامّ التّراب، تغنّي تارة لطفل حزين، وأخرى لحسّونٍ سعيدٍ بشقشقاتِ ألوانه. أو تتبادل الأدوارَ مع الحصياتِ منصتاً لعتابها لقرص الرّيح الغاضبة وسحق الجزمة الحاقدة. لِمَ لا، وقد سهُلَ عليك التحليق في سماء الشّعر، ولا خوف عليك من السقوط في مهاوي السّدانةِ السخيفة السّحيقة؟
* * * * *
وأخيرا، حذارِ من التّناقض وارتداء الأقنعة، بل وتغييرها كلّما اقتضت ضرورة الحرباء تغيير ألوانها. كم شاعرا كان مجرّة محبة في القصيدة وهو بركان حقد وكراهية في الحياة، وكم شاعرا يبدو في شرفات الاستعارة والمجاز كريما مثلَ شلالٍ، غير ان كتائب بخله الهوجاء تهجمُ كصحراءَ قاحلةٍ في قيظ اليوميّ الكشّاف. ويا للمحاكاة المنافقة حين تفضح صاحباً يأتزرُ الرياءَ وفاءً لجدّنا ابن طباطبا المرسومة حكمته باهتة على شاهدة قبره المرمرية: “أعذبُ الشعر أكذبه”، لكنّ نرجسةً لا تزالُ تسندُ الشاهدة، إخلاصاً للتجربة تقهقه في وجه الرّيح وتقول: إن الحياة والقصيدة صنوان. والبقية تتكفّلُ بها عُدّةُ الحرفةِ، لو استطعتَ أيها الكاتبُ أن تكون أنتَ كما تكون في الحياة بدون تناقض… لتكنْ أنتَ إذن، لا غيرَكَ، كما تعيش بلا تزيّد أو ادّعاء تكُنِ الشّاعرَ الشّاعرَ أيّها الشّاعر.
* * * * *
اعلمْ أيها الشاعر في عزّ الدّوار أن المتاهة قاسيةٌ إن ضاقت منافذُها، وأن خيطَ أريانَ الملفوفَ بحروف الشّعر الحريرية، لا يخذلُ مجنوناً أخلص لتراتيل الإنسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقترض من كتاب سيصدر قريبا بعنوان “اعرف نفسك بنفسك ايها الشاعر.”
(1) يرى أبو القاسم الكلاعي أن الشعر يستحوذ على الألباب ومن هنا يعظم عيبه، وهذا ما يوضحه قوله: “لأن الوزن داعٍ للترنم، والترنم من باب الغناء، وقد قال بعضهم الغناء رقية الزنا” اُنظر كتاب “أحكام صنعة الكلام”، تحقيق محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت 1966. ص 9
(2) يقول جلال الدين السيوطي: “فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع، والإيقاع ضربا من الملاهي، لم يصلح ذلك لرسول الله”، ورد في كتاب “المزهر”، ج2، تحقيق محمد أحمد باد المولى وآخرين، دار إحياء الكتب، القاهرة: د ت، ص 470



















































عذراً التعليقات مغلقة