لعبة البوكر الجيوسياسية ..مَن يطلق رصاصة الرحمة أولاً

23 مارس 2026
لعبة البوكر الجيوسياسية ..مَن يطلق رصاصة الرحمة أولاً

: إيران وإغلاق مضيق هرمز؟ أم”ترامب”وتدمير محطات الطاقة؟

صباح البغدادي


(*) لا أدري أيُّ مأساة أرثي أولاً في هذه التراجيديا السوداء ! هل أرثي إيران التي وصلت في سبيل عبثية تصدير ثورتها وحروبها إلى مستوى ما وصلت اليه الان من تدميرٍ معظم البنية التحتية المدنية والعسكرية ويفوق ما حلَّ بالعراق في عامين 1991 و 2003 مجتمعين ؟ مدن تُحوَّلت إلى خراب ، محطات طاقة تُحرق، مصانع عسكرية ومدنية ومستشفيات تُسوّى بالأرض، وشعب يغرق في الظلام والجوع والفقر والمرض منذ عقود طويلة … وكل ذلك حدث في أسابيع ، لا في سنوات ! أم أرثي حال العراق الذي صار اليوم ليس فقط أسيرآ ــ بل مكبل اليدين يكتفي فقط بإصدار بيانات الاستنكار والشجب ــ من قبل فصائل ولائية عقيدتها القتالية عابرة للحدود، تُحكم الدولة من الظل وحتى العلن ، تسرق ثرواته، وتُحوِّله إلى قاعدة انطلاق لكل حرب إقليمية تطل براسها من وسط الركام ؟ بل هل أرثي ــ إن صح لنا القول ــ على ما تبقى من قادة النظام الإيراني … أولئك الذين يصرخون “خط أحمر!” إذا اقتربت قنبلة من محطة كهرباء، ولكنهم لا يعتبرون مقتل المرشد “الخامنئي” نفسه خطاً أحمر؟! كيف استقام لهم هذا المنطق المعكوس؟ كيف يحزنون على محطة كهرباء ولا يحزنون على رأس النظام ؟ وكيف تجروء هؤلاء بان يدافعون عن “الكهرباء” ويُسلِّمون “القيادة” ؟ إيران المدمَّرة ، وعراقاً محتلاً من الداخل قبل الخارج ، وقادةً يبكون على المحطات الكهربائية ويصمتون على قتل قائدهم ! فأيُّ رثاءٍ نستطيع ان نبلغه ليليق بهذا الجنون الذي نعيش احداثه لحظة بلحظة ؟ .

ففي ليلةٍ لا تُنسى صادفت يوم أمس السبت 21 آذار ، أطلق الرئيس “ترامب” من على منصته “Truth Social” رصاصته اللفظية الأخيرة : ” إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بشكل كامل خلال 48 ساعة فسنضرب وندمر محطاتها المختلفة لتوليد الطاقة، والهجمات الأمريكية على قطاع الطاقة الإيراني ستبدأ بأكبر منشأة ما لم تفتح طهران مضيق هرمز خلال 48 ساعة” وفي المقابل تتوعد إيران بالرد على أي هجوم ضد بنيتها التحتية للطاقة , وقال مقر خاتم الأنبياء الإيراني إنه سيرد على أي هجوم ضد البنية التحتية للطاقة في إيران باستهداف بنى الطاقة والتكنولوجيا لأمريكا وإسرائيل. تهديد ووعيد بالويل من كلا الطرفين ويبدو لنا أصبح لا مفر منه كرصاصة الأخيرة في مسدس حوصر صاحبه في زاوية حرجة ليخرج رصاصته الاخيرة اما يضعها في خصمه او راسه ، ولكنه في الحقيقة يعكس مأزقاً مشتركاً لكلا الطرفين : الرجل الذي يدّعي أنه ” يتقدم أسابيع عن الجدول الزمني المحدد لهذه الحرب العبثية ” يجد نفسه الآن يتوسل حلفاءه (الذين سماهم “جبناء”) ليفتحوا المضيق نيابةً عنه، بينما إيران – التي تبلّلت منذ زمن بعيد بوابل من صواريخ القصف الجوي – اصبحت ترد ببرود قاتل : ” المضيق مفتوح… لكن ليس لأعدائنا” وإيران التي تحولت إلى “إغلاق انتقائي” يخنق ما يقارب من  20% من نفط العالم، فتريد ان تشتعل أسعار البرميل فوق 150–200 دولار وتدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانهيار؟ أم “ترامب” الذي لوثة قراراته وانفعالاته والذي يلوّح بتدمير محطات الكهرباء والطاقة، ولكن يجب ان يعرف الجميع أن الرد الإيراني قد يتحول فجأة غير معلنة أو ظاهرية بأن تجعل الخليج كله – والسعودية والإمارات وقطر وإسرائيل معه – يغرق في ظلام دامس لأشهر ؟ هذه ليست لعبة على طاولة البوكر بعد الآن … بل هي نوع من مبارزة انتحارية في الظلام ، حيث الضربة الأولى قد تكون “الرحمة” للخصم، ولكنها بالتأكيد ستكون الإعدام للجميع من خلال الرد المنتظر قبل ان يلفظ الخصم انفاسه الاخيرة : تضخم مجنون، أزمات طاقة، ثورات داخلية محتملة ، وانهيار النظام الاقتصاد العالمي الذي بدأ الحرب ظاناً أنها “سريعة ونظيفة” وما تبقى من الساعات الاخيرة لانها ليست مهلة للاستسلام … بل هي “ساعة الصفر” وبداية النهاية لمعرفة من سينزف أولاً هو الاقتصاد العالمي، أم كبرياء ايران ام امريكا اللذين يمسكان بمفاتيح الهاوية . ولمن يطلق الرصاصة أولاً ؟ وفي ظل هدوء ظاهري يخفي توتراً قاتلاً ، تتمسك دول الخليج العربي – وعلى رأسها السعودية – بأعلى درجات ضبط النفس والدفاع الصارم، رغم تكرار الاستهدافات الإيرانية (المباشرة أو عبر وكلاء) لمنشآتها النفطية والغازية الحيوية. سياسة محسوبة بدقة لتجنب إعطاء طهران الذريعة الكبرى لإغلاق مضيق هرمز كلياً أو إشعال حرب طاقة شاملة تُدمر الجميع اقتصادياً . ولكن إذا تحول تهديد حركة النجباء (لواء 12 ضمن هيكلية الحشد الشعبي العراقي، المنضوية تحت “المقاومة الإسلامية في العراق”) – الذي أُطلق قبل ساعات قليلة – إلى فعل حقيقي، وانضم إلى تصريحات مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري الإيراني الذي هدد صراحة باستهداف محطات توليد الطاقة في المنطقة ودول جوار العراق… فإن الصبر الخليجي سينفد فوراً. وعندها، لن تسكت السعودية ولا باقي دول الخليج على هذا الفصيل او غيره , بل انها قد ترد برد فوري وقاسٍ وحازم ، لا يقتصر على أهداف داخل إيران فحسب، بل يمتد إلى قلب العراق نفسه لضرب مقرات الفصائل الولائية العابرة للحدود، وتدمير قدراتها العسكرية، وهذا بالضبط ما تريده إيران في حساباتها الباردة الى جر دول الخليج إلى تصعيد يوسع الجبهات، يُكلف أمريكا وحلفائها ثمناً باهظاً، ويحول الصراع من “حرب محدودة” إلى أزمة طاقة إقليمية تُرهق الجميع… وتُجبر الخصوم على التفاوض تحت ضغط الانهيار الاقتصادي لأنها تعتقد من ينهي الحرب ليس فقط النصر العسكري الحاسم وإنما سعر برميل النفط قبل هذا النصر العسكري ؟ لان في لعبة البوكر الجيوسياسية التي تُلعب الآن فوق خريطة الشرق الأوسط، لا يفوز دائماً من يمسك بالأوراق الأقوى على الطاولة . أمريكا – بتكنولوجيتها العسكرية الفائقة، بقدرتها على إسقاط جميع محطات توليد الكهرباء الإيرانية في ضربة واحدة مدمرة، بصواريخها الدقيقة وطائراتها الشبح – تملك يداً تبدو لا تُقهر . ترامب يرفع الرهان بمهلة 48 ساعة ويراهن على الضربة القاضية التي تكسر العظم وتنهي المعركة. ولكن إيران لا تلعب ضد الأوراق الأمريكية… بل ضد عقل “ترامب” وضد عقول اللاعبين الآخرين على الطاولة : دول الخليج ، إسرائيل، أوروبا، الصين، وحتى ناخبي “ترامب” أنفسهم.  إيران تُطبق الدرس الأعمق في “لعبة البوكر” وفحواها بانه :” لستَ بحاجة إلى أفضل يد لتربح ؛ أنت بحاجة إلى أن يعتقد الخصم أنك مستعد للذهاب إلى النهاية مهما كانت التكلفة” . لذلك ترد – إذا ضُربت محطاتها الكهربائية – وبما تملكه فعلاً في ظل عدم اليقين مما تبقى لها من خزين استراتيجي قادرة على مواصلة الحرب ليس فقط لايام او اسابيع وانما اشهر وطوية وتتمثل بـ :” موجات هائلة من المسيّرات الرخيصة والصواريخ الباليستية الدقيقة، تُغرق منشآت الطاقة في الخليج، وتُشعل حقولاً سعودية واماراتية وقطرية، تُصيب قواعد أمريكية، وتُطال أهدافاً إسرائيلية لمعظم محطات الطاقة الكهربائية والنفطية”. ليست هذه ردة فعل عشوائية، بل ردة فعل محسوبة : إغلاق هرمز كاملاً أو شبه كامل، ارتفاع سعر البرميل إلى أسعار جنونية ، تضخم يعصف بالاقتصاد الأمريكي قبل الانتخابات النصفية ، ضغط داخلي يجبر “ترامب” على إعادة حساباته.وهنا تتجلى عبقرية اللعبة :  اللاعب الأقوى قد يخسر لأنه متوقع واللاعب “الأضعف” ظاهرياً قد يربح لأنه غير متوقع، ولأنه يعرف متى يُخفي قوته الحقيقية، ومتى يضغط رغم الخطر، ومتى يجعل الخصم يشك في كل خطوة. وأهم قرار ليس الذي يُنهي الجولة الآن، بل الذي يضمن البقاء على الطاولة في الجولات القادمة.والساعات القادمة ليست مجرد ساعات انتظار لضربة أو ردها … إنها لحظة الحقيقة في لعبة البوكر الكبرى: من سيُجبر الآخر على “الطي أوراقه ” و (الانسحاب) أولاً؟ ومن سيُظهر أن يده – مهما بدت قوية أو ضعيفة – هي التي تتحكم في الطاولة ؟ الجميع يضع الان رهانه على الطاولة … ليس بالأسلحة وحدها ، بل بالعقول . وهي آخر ورقة سوف سوف يلعبوها على طاولة المقامرة ؟ صحيح ان لدى “ترامب” الطلقة الأخيرة المنتظرة والتي يُطلقها على الفعل الحاسم الذي يُنهي – بلا رجعة – وضعاً أو صراعاً أو نظاماً أو أزمة بلغت من الانهيار والعجز درجةً لا يُرجى منها إصلاح أو استمرار، فتصبح “الرحمة” فيها هي الإجهاز السريع بدلاً من ترك الجميع ينزف ببطء في عذاب مطوّل لا مخرج منه. وبمعنى آخر: هي النهاية القاطعة التي تُقدَّم على أنها رحمة، لأن ما يليها من استمرار سيكون أشد قسوة وأطول ألماً ولكن الاخر سوف يرد بقسوة وبما تبقى له من حياة قبل لفظ انفاسه الاخيرة ؟.

وفي الختام، التصريح الذي أُطلق على لسان الأمين العام للناتو (مارك روته) في مقابلة مع CBS قبل قليل – حول أن إيران باتت “قريبة جداً” من امتلاك أسلحة (صواريخ باليستية بعيدة المدى) قادرة على الوصول إلى برلين وباريس وروما – فانه ليس بريئاً أو عفوياً كما يُحاول البعض تصويره لان حتى داخل الحلف هناك انقسام واضح رأيناه : بريطانيا وبولندا والدول الشمالية أكثر استعداداً لدعم أمريكا، بينما ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أكثر تردداً. وهذا التصريح اتى لمحاولة “سد الثغرة” ولكنه لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في الموقف الأوروبي وما نعتقده بان هذا التصريح وبهذا الوقت بالذات يعتبر مبالغ فيه وموجّه سياسياً الى الدول التي ما تزال مترددة بالمشاركة بالحرب التي يريدها ترامب معهم بل ما نعتقده واقرب للواقع بأنه رد فعل دفاعي سريع ومُحسوب على غضب الرئيس ترامب الصريح من “جبن” الحلف وتقاعسه عن اتخاذ إجراءات فورية للمشاركة في الحرب ضد إيران. لان قبل ساعات فقط ، كان الحلفاء الأوروبيون (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، وغيرها) يرفضون بشكل قاطع إرسال قوات أو سفن حربية لتأمين مضيق هرمز أو المساهمة في “تحرير” الملاحة، معتبرين أن “هذه ليست حرب الناتو” وأنها صراع “أمريكي-إسرائيلي” لا يعنيهم مباشرة. ولكن بعد تصريحات ترامب اللاذعة التي شيطن فيها الحلف (“جبناء”، “لن يدافعوا عن أنفسهم”، تهديد ضمني بإعادة النظر في التزامات أمريكا تجاه الناتو بعد انتهاء الحرب) ولذا شعر الأمين العام بضرورة “التصعيد اللفظي” لإعادة توحيد الصفوف. فأطلق هذا التحذير المبالغ فيه عن “تهديد إيراني مباشر لعواصم أوروبا”، مستنداً إلى إطلاق إيران صاروخين باليستيين بعيدي المدى (يُقال إن مداهما 4000 كم) نحو قاعدة دييغو غارسيا (الأمريكية-البريطانية في المحيط الهندي) – وإن فشلا في الإصابة، إلا أنهما أثبتا قدرة إيران على تجاوز حدودها السابقة المُعلنة (2000 كم) والغرض الحقيقي الذي نراه من هذا التصريح لغرض شيطنة إيران أمام الرأي العام الأوروبي، ليبرر أي تحول محتمل في موقف الحلفاء من “الرفض” إلى “الدعم اللوجستي أو الدفاعي” وكما فعلوا سابقآ في استعراضهم الكارتوني في مجلس الأمن بشيطنة الصواريخ البالستية الكيماوية المزعومة للعراق عام 2003 ولذا اتى هذا التصريح المفتعل لتهدئة غضب “ترامب” وإنقاذ ما يمكن انقاذه وإظهار أن الناتو “يأخذ التهديد على محمل الجد”، حتى لا يُتهم بالتقاعس أكثر ولكن ما هو مخفي حقيقية وحتى أن لن يخرج للعلن ولكن للمتابع وما يقراء خلف التصريحات يعرف ان إخفاء الخوف الحقيقي يتجسد : ” إذا انسحبت أمريكا تدريجياً من التزاماتها بعد “انتصار” في هذه الحرب (كما هدد ترامب سابقاً)، سيصبح أوروبا “لقمة سائغة” أمام الدب الروسي، الذي يتربص منذ عقود بأي ضعف في الجناح الشرقي للناتو. الفرصة سانحة الآن، والروس لن ينتظروا طويلاً إذا شعروا بفراغ أمريكي ” وهكذا تحول التصريح من “تحذير أمني” إلى أداة سياسية في لعبة الضغط المتبادل : الرئيس “ترامب” يضغط على الناتو للمشاركة ، والناتو يضغط على أوروبا (وإيران) بـ”التهديد المشترك” ليبرر أي خطوة قادمة. ولكن في النهاية يبقى المخزى الحقيقي من وراء هذا التصريح :” فهل سينجح هذا “البلاغ” في جر أوروبا إلى الحرب، أم سيُعمق الشقاق داخل الحلف نفسه ؟ الأيام القادمة ستكشف إن كان هذا التصريح “مفتعلاً” للدفاع عن الناتو … أم بداية لتوريط أكبر في دول كانت قبل ساعات رافضة أن تشارك في هذه الحرب العبثية ؟ وتذكّر دائمآ أيها “القارئ” بأن هذا ليس مجرد تصعيد عسكري عشوائي ، بل هي لعبة عقول وسرديات , حيث يفوز من يقرأ الخصم بشكل أفضل ويلعب على مخاوفه وردات الفعل  ، لا من يملك أقوى أوراق اللعبة للفوز بالمراهنة فقط ( التفوق الأمريكي التكنولوجي مقابل إصرار إيران على ادامة حرب الاستنزاف).

sabahalbaghdadi@gmail.com

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com