حينن تتكلم السلطة عن الفتنة..وهي صانعتها

26 مارس 2026
حينن تتكلم السلطة عن الفتنة..وهي صانعتها

فاروق الدباغ

ليست المشكلة في عبارة قاسم الأعرجي “ربو  صبيانكم… العراق ليس ساحة لعبثكم الخسيس “، ولا في نبرة الغضب التي خرجت بها. المشكلة أعمق بكثير: حين تتحدث سلطة فقدت مشروعيتها عن “الفتنة”، يصبح السؤال الحقيقي: من صنع هذه الفتنة أصلاً؟
العراق اليوم لا يعيش لحظة انقسام طارئة، بل يعيش نتيجة مسار طويل من التفكك السياسي والاجتماعي. مسار بدأ منذ 2003، حين أُعيد تشكيل الدولة لا على أساس المواطنة، بل على أساس المحاصصة، الولاءات، وتقاسم النفوذ بين قوى داخلية مرتبطة بأجندات خارجية.
الحكومات المتعاقبة في بغداد، بكل مؤسساتها رئاسة الحكومة، البرلمان، والقضاء لم تعد تُقاس بقدرتها على إدارة دولة، بل بقدرتها على إدارة توازن هش بين قوتين أكبر منها: الولايات المتحدة وإيران. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: حين تتحول الدولة إلى ساحة توازن، تفقد قدرتها على أن تكون دولة.
لم تنجح هذه السلطة في بناء علاقة مستقلة مع واشنطن، رغم أن الولايات المتحدة كانت الطرف الذي مهّد لوجودها السياسي. وفي المقابل، لم تنجح حتى في إدارة تبعيتها لطهران بشكل يحفظ للعراق سيادته أو كرامته. النتيجة كانت ازدواجية قاتلة: ولاءان متناقضان، ودولة بلا قرار.
وفي هذا الفراغ، وُلد ما يسميه الأعرجي اليوم “الصبيان”.
لكن هؤلاء ليسوا طارئين.
هم نتاج مباشر لسنوات من التعليم المشوّه، والخطاب الطائفي، وتغذية الانقسام، وتكريس ثقافة التبعية بدل المواطنة.
هم نتيجة بيئة سياسية كافأت الولاء الأعمى، وفتحت المجال لكل من يحمل شعاراً خارجياً ليصبح فاعلاً داخلياً.
حين تقول السلطة “أدّبوا صبيانكم”، فهي في الحقيقة تتحدث عن أبنائها هي.
الأخطر من ذلك أن العراق لم يعد فقط ضحية صراعات داخلية، بل أصبح نقطة التقاء لمصالح متناقضة بين واشنطن وطهران. كلا الطرفين رغم عدائهما المعلن تعامل مع العراق كأداة، لا كدولة.
أمريكا أرادت عراقاً لا يهدد مصالحها ولا يخرج عن نطاق نفوذها.
وإيران أرادت عراقاً تابعاً، عمقاً استراتيجياً يقيها الضغوط.
والنتيجة المشتركة؟
عراق ضعيف.
هذا الضعف لم يكن صدفة، بل أصبح، مع الوقت، هدفاً ضمنياً يخدم الطرفين.
فالعراق القوي المستقل ليس في مصلحة أي منهما.
العراق المشلول، المنقسم، القابل للإدارة من الخارج هو الخيار الأسهل.
وفي هذا المشهد، لم تعد الحكومة في بغداد لاعباً، بل وسيطاً بين الضغوط.
لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلم.
ولا تملك حتى القدرة على ضبط خطابها دون أن يعكس هذا الارتباك البنيوي.
لذلك، حين يخرج مسؤول ليتحدث عن “الفتنة”، فإن الخطاب يبدو منفصلاً عن الواقع.
لأن الفتنة ليست مؤامرة عابرة، بل نتيجة نظام كامل بُني على الانقسام.
الحقيقة التي لم تعد قابلة للإخفاء هي أن هذه السلطة فقدت مصداقيتها قبل أن تفقد هيبتها.
فقدت ثقة الناس، ثم فقدت قدرتها على إقناعهم، ثم بدأت تفقد حتى قدرتها على السيطرة على ما أنتجته بنفسها.
وما نراه اليوم ليس بداية أزمة… بل مرحلة متقدمة منها.
العراق لا يحتاج إلى خطابات غاضبة، ولا إلى تهديدات.
العراق يحتاج إلى إعادة تعريف كاملة لمعنى الدولة، ولمصدر الشرعية، ولعلاقة الداخل بالخارج.
أما الصبية الذين يُطلب تأديبهم اليوم، فهم ببساطة المرآة الأكثر صدقاً لما صنعته هذه السلطة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com