حياة قطّة .. قصة قصيرة

25 مارس 2026
حياة قطّة .. قصة قصيرة

ناهدة عقل حياة قطّة

ناهدة عقل

كاتبة من سوريا

كانت تلك الطفلة اليتيمة – وبرغم صِغر سنّها- قد ذاقتْ من أنواع العنفِ كلَّها؛ اللفظيّ والجسديّ، بقصدٍ وبغير قصدٍ، ممّن تعرفهم وممّن كانت تلتقيهُم لأوّل مرّة.

لطالما تطاولَ عليها الآخرون ولم تستطعْ الدفاع عن نفسها، فلا كانت تملكُ القوّة الجسديّة اللازمة، ولا تعرفُ كيف تضعُ للناس حدوداً فلا يتجرّؤون على أذيّتها.

(ومِن أينَ لها أن تعرف؟! لم يعلّمها أحدٌ ذلك، كما لم تشهدْ في بداية وعيها نموذجاً لتحتذيه.)

وفي المرّة الوحيدة التي قرّرتْ فيها أن تكونَ عدوانيّةً بدورِها، كان ذلك ضدَّ قطّة. 

رأتْها تجلسُ ببلادةٍ متكوّمةً على نفسها في ممرّ الحديقة حيثُ اعتادتْ أن تلعب، فضربتها بالعصا على ظهرها لتنهضَ وتذهبَ من المكان.

لم تستجبْ القطة ولم تُبدي حتّى ردّةَ فعلٍ بسيطة، فأثار هذا غضب الطفلة:

“لماذا لا تهرب بسرعةٍ كباقي القطط؟ لماذا لا تخمشُ بأظافرها على الأقلّ” قالت لنفسها، وانهالت عليها بالضرب مرّةً ثانيةً وثالثةً ورابعة، ولمّا لم تفعل القطّة غير أنّها أصدرت بعض المُواء الخفيف، ضربتها مجدداً ثمّ رمتْ العصا وتركتها مغتاظةً منها.

وفي اليوم التالي، حين أخبروها أنّ القطّةَ “المريضة” قد ماتتْ، شحُبَ لونُها: 

“مريضة! .. ماتت! ..” 

أخذت تبكي بحرقةٍ لم تختبرْ مثلَها حتّى حين كانت هيَ مَن يُضرَب ويُهان؛ بكتْ خاصةً لأنّها شعرتْ كم تشبهُ حياةَ تلك القطّة البائسة حياتها، وكيف ماتت على هذا النحو الصّامت المؤلم.

أدركت أنْ لم يعد بإمكانها تصحيح خطأها الآن، كأن تقدّمَ لها طعاماً وتُداعب وبرَها مثلاً؛ 

لقد فات الأوان، وماتت دونَ أن يقدّم لها أحدٌ أيَّ اعتذار.

تمّت  

20 – 3-2026   

القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com