أنسلم كيفر: تشريح الذاكرة في جماليّات الخراب

27 مارس 2026
أنسلم كيفر: تشريح الذاكرة في جماليّات الخراب

أنسلم كيفر: تشريح الذاكرة في جماليّات الخراب
ضمن سلسلة: قراءات في المنجز الفني العالمي

بقلم: د. عمر سعدون


فنان بصري، أستاذ محاضر

«عند مشاهدة منظرًا طبيعيًا إلا وأبصر فيه أثر الحرب؛ إذ غالبًا ما تكون الطبيعة مشبعةً ببقايا المعارك التي شهدتها الانسانية.»أنسلم كيفر

في سياق عالمي تتكثّف فيه صور العنف،و الخراب والدمار عبر جل الوسائط السمعية البصرية، و الشبكات العنكبوتية، تتجدّد الحاجة مشاهدة الافلام و الروايات و كذا الاستمتاع بالفن  بوصفه ممارسة جمالية ونقدية قادرة على طرح الاسئلة و استقراء التاريخ وتمثيلات الذاكرة. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة الفنان الألماني أنسلم كيفر بوصفها واحدة من أبرز التجارب الفنية المعاصرة التي اتخذت من الخراب مادة جمالية، ومن الذاكرة الجماعية موضوعًا للتفكير البصري. فمن قلب التاريخ الألماني المثقل بإرث النازية والحرب العالمية الثانية، صاغ كيفر مشروعًا فنيًا ينشغل بتفكيك البنى الرمزية للعنف، ويقارب الذاكرة بوصفها حقلًا متوترًا تتقاطع فيه الأسئلة التاريخية والأخلاقية والجمالية.

تتأسس تجربة كيفر على وعي عميق بموقع الفنان داخل تاريخ مضطرب، وعلى إدراك حاد لوظيفة الصورة في استدعاء ما تراكم في الوجدان من صدمات ومحو وتواطؤ. ومن ثمّ، تتخذ أعماله منحًى تأمليًا ونقديًا في آن، حيث تتحول اللوحة أو التنصيبات إلى فضاء لاستعادة آثار الكارثة، وإعادة ترتيبها ضمن بنية بصرية مشبعة بالإحالات الفكرية والرمزية. وبهذا المعنى، يغدو الفن لديه وسيطًا لمراجعة الذاكرة، وأداة لتفكيك السرديات التي أحاطت بالماضي وأعادت إنتاجه داخل الوعي الحديث.

وُلد أنسلم كيفر سنة 1945، في لحظة تاريخية ارتبطت بانهيار الرايخ الثالث وما رافقه من تحولات سياسية وثقافية عميقة في ألمانيا. وقد أسهم هذا السياق في تشكيل وعيه الفني منذ وقت مبكر، فارتبطت تجربته بأسئلة التاريخ والهوية والذنب الجماعي، واتجهت نحو البحث في الطبقات المطمورة من الذاكرة الألمانية. ومن خلال هذا الأفق، تبلور مشروعه الفني بوصفه ممارسة تستنطق الماضي وتعيد تمثيله من خلال لغة بصرية كثيفة، تتجاوز التوثيق المباشر إلى بناء مجازات مركبة عن السقوط والخراب والنجاة المعلّقة.

وتُعدّ المادة في أعمال كيفر عنصرًا بنائيًا مركزيًا، إذ يعتمد على الرصاص، والتراب، والقش، والرماد، والزجاج المحطم، وغيرها من المواد ذات الحمولة التاريخية والرمزية. وتؤدي هذه العناصر دورًا يتجاوز الجانب التقني أو التشكيلي، إذ تُسهم في إنتاج المعنى من داخل بنيتها المادية ذاتها. 

فالمادة هنا تحمل أثرها، وتعمل بوصفها سجلًا ملموسًا للدمار والانهيار. ومن ثمّ، تتشكل جمالية أعماله عبر توتر دقيق بين القبح والأثر، وبين التكوين البصري والحمولة التراجيدية، بحيث يصبح الجمال مقترنًا بالإدراك النقدي أكثر من اقترانه بالمتعة الشكلية.

ويمتد هذا التصور إلى أعماله التي تناولت الكتب والمكتبات المحترقة، مثل الكتب المحروقة وأطروحات الفلسفة، حيث تُطرح المعرفة بوصفها بنية هشّة في مواجهة الكارثة التاريخية. فالكتاب، بوصفه رمزًا للعقل والتراكم الحضاري، يتحول في هذه الأعمال إلى بقايا مادية تشير إلى عجز الثقافة عن الحيلولة دون السقوط في العنف. وهكذا، يكتسب الأرشيف عند كيفر دلالة مزدوجة، تجمع بين حفظ الأثر وفضح القصور التاريخي للمؤسسات الفكرية. ومن ثمّ، يغدو الحريق في هذه الأعمال علامة على تآكل اليقين، وعلى حدود الخطاب المعرفي حين يواجه البنية المادية للخراب.

وفي مشروعه الفن و المعماري في بارجاك الفرنسية، حيث أنجز فضاءات تركيبية ذات طابع جنائزي تتكون من أنقاض وممرات مغلقة وبنى ثقيلة الإيحاء، يواصل كيفر تطوير رؤيته للذاكرة بوصفها مكانًا ماديًا قابلًا للتجسيد. وتكسب هذه الفضاءات طابعًا طقوسيًا يجعلها أقرب إلى مواقع للتأمل في أثر الزمن والغياب. وضمن هذا التكوين، يغدو المكان نفسه حاملًا للسؤال، وتتحول العمارة إلى صيغة من صيغ التفكير في الخراب، بما هو بقايا تاريخية، وبما هو أيضًا بنية نفسية وثقافية تعيد تشكيل علاقتنا بالماضي.

وفي الوقت نفسه، تفرض تجربة كيفر جملة من الأسئلة النقدية التي تتصل بطبيعة التمثيل الجمالي للمأساة. فالكثافة الرمزية، وثقل المادة، واتساع المرجعيات الأسطورية والدينية والفلسفية، تمنح أعماله قوة تأثير واضحة، لكنها تفتح أيضًا بابًا للتساؤل حول حدود هذا التراكم الدلالي. إذ قد تفضي هذه السمات، في بعض الحالات، إلى قدر من الغموض أو إلى نوع من التعالي الجمالي الذي يخفف من انخراط المتلقي المباشر في الأسئلة التي يطرحها العمل. ومن هنا، يصبح من المشروع مساءلة الكيفية التي تتوازن بها أعمال كيفر بين تفكيك هالة الذاكرة وإعادة إنتاجها ضمن صياغة بصرية مهيبة.

وتنبع أهمية هذا السؤال من طبيعة المشروع ذاته؛ فحين يتحول الخراب إلى لغة تشكيلية متكررة، وحين يكتسب الرماد والأثر المادي حضورًا جماليًا كثيفًا، يظل النقد معنيًا بالتمييز بين العمل بوصفه مساءلة للكارثة، والعمل بوصفه إعادة ترميز لها داخل نظام بصري قابل للتلقي الجمالي والاستهلاك الثقافي. ومن ثمّ، تظل تجربة كيفر مفتوحة على توتر خصب بين قوة الكشف وقوة التمثيل، بين الذاكرة بوصفها جرحًا تاريخيًا، والذاكرة بوصفها موضوعًا فنيًا يعاد بناؤه ضمن شروط العرض والتلقي.

وفي هذا السياق، تتيح مشاهدة فيلم “أنسلم” للمخرج فيم فيندرز مدخلًا بصريًا مكمّلًا لفهم تجربة كيفر من داخل عالمه الإبداعي ذاته. فالفيلم، من خلال بنائه السينمائي، يقود المتلقي عبر محطات من حياة الفنان وأمكنة اشتغاله، ويقارب منجزه بوصفه مسارًا طويلًا في استكشاف الشرط الإنساني والطبيعة الدورية للتاريخ. ومن بين مشاهده اللافتة، يبرز عمل “نساء الأزمنة القديمة” بوصفه تكثيفًا بصريًا لفكرة الذاكرة المثقلة بالأثر والمنسيّات. تتحرك الكاميرا بين تماثيل نسوية ترتدي فساتين بيضاء، وقد استعيض عن الرؤوس بأثقال من الخشب أو الحجر أو القش أو الأغصان، فتغدو الهيئة التشكيلية صورة لجسد يحمل عبء الزمن ويختزن آثار الإقصاء والتهميش. ويأتي الصوت أولًا في هيئة همس غامض، ثم يستقر في عبارة واضحة النبرة: “قد نكون مجهولات أو منسيات، لكننا أبداً لم ننسَ شيئًا”.

وبهذا، يتعزز في هذا المشهد أحد المحاور المركزية في تجربة كيفر، وهو استعادة الصوت المقصي من السرد التاريخي، وتحويل الذاكرة إلى فعل مقاومة رمزية في مواجهة المحو.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com