بقلم : جلال كندالي
كاتب من المغرب
لم يكن مشهد تتويج المنتخب المغربي بكأس العرب في قطر بعد فوزه المثير على نظيره الأردني بثلاثة أهداف مقابل هدفين مجرد نهاية مباراة نهائية، بقدرما كان لحظة مكثفة الدلالات تختصر مسارا كرويا طويلا، وتكشف بوضوح أن ما يعيشه المغرب اليوم فوق المستطيل الأخضر هو نتيجة مشروع متكامل لا مكان فيه للصدفة.
النهائي، الذي جرى أمام حضور جماهيري غير مسبوق بلغ 84.517 متفرجا، جمع بين منتخبين عربيين يقودهما مدربان مغربيان، طارق السكتيوي وجمال السلامي، في صورة نادرة تؤكد تفوق المدرسة التدريبية المغربية وسط منافسة تضم مدربين من خارج العالم العربي. لم يكن ذلك تفصيلا عابرا، كما شهد بذلك المحللون والمعلقون الرياضيون ، وإنما عكس عنوانا عريضا لنهضة فنية أصبحت قادرة على التصدير، لا الاكتفاء بالاستهلاك المحلي.
على أرض الملعب، فعلا كانت المباراة صراعا على اللقب، وأيضا سجالا تكتيكيا مفتوحا، وحوارا عميقا بين الخيارات الفنية، ودورا حاسما لدكة الاحتياط.
الحسم جاء من تفاصيل صغيرة، من قراءة جيدة للإيقاع، ومن قدرة على إدارة اللحظات الحرجة، حيث أكد عبد الرزاق حمد الله مرة أخرى أن اللاعب الكبير لا يحتاج سوى فرصة ليغير مسار مباراة، معيدا إلى الأذهان سيناريو نصف النهائي أمام المنتخب السعودي.
فنيا، كما يرى المحللون ،قدم اللاعبون عرضا راقيا بأهداف عالمية وتصويبات استثنائية، أبرزها تسديدة أسامة طنان العابرة للقارات، ولقطات مهارية أعادت إلى الذاكرة مدارس كروية خالدة من زمن بيليه ومارادونا، دون أن تفقد المباراة روحها الجماعية أو توازنها التنافسي. واستحق محمد ربيع حريمات جائزة أفضل لاعب في البطولة، فيما نال المهدي بنعبيد القفاز الذهبي، في انسجام واضح بين التتويج الجماعي والتألق الفردي.
وإذا كان اللقب يحسب للمنتخب المغربي وطاقمه التقني بقيادة طارق السكتيوي، فإن الإشادة الواجبة لا تقل قيمة لجمال السلامي، الذي قاد المنتخب الأردني بانضباط تكتيكي وهدوء ذهني وروح تنافسية عالية، جعلت من الأردن طرفا حقيقيا في النهائي حتى صافرة الختام. السلامي، الذي خرج موصوفا بالبطل غير المتوج، قدم درسا في الاحتراف، وأكد أن المدرب المغربي قادر على النجاح والتأثير خارج حدوده الوطنية، وأن الهزيمة لا تلغي قيمة المشروع ولا تقلل من حجم الإنجاز.
السكتيوي، من جهته، لخص سر التفوق في عبارة واحدة، القيم. فبعيدا عن الخطط والرسومات، كان احترام القميص والالتزام والروح والقلب والعطاء هي العناصر التي صنعت الفارق في مباراة تاريخية، وهي نفسها القيم التي تحولت إلى جزء من هوية الكرة المغربية الحديثة.
هذا التتويج لا يمكن عزله عن سياق أشمل، منتخب رابع العالم، أبطال العالم أقل من 20 سنة، أبطال إفريقيا للمحليين، وأكثر من 506 لاعبين محترفين في مختلف الدوريات. يضاف إلى ذلك سيادة مغربية في الفوتسال تحت قيادة هشام الدكيك، وتألق متصاعد للكرة النسائية من المنتخب الأول إلى الفئات السنية. كلها مؤشرات تؤكد أن المغرب لم يعد يشارك من أجل الحضور، بقدرما يناقس من أجل الريادة.
كأس العرب في قطر، بنجاحها التنظيمي والفني، لم تجعل رئيس الفيفا يندم على رعايته للبطولة، بل قدمت نهائيا بمواصفات عالمية وحكاية عربية بامتياز، كان عنوانها الأبرز، مدربان مغربيان في النهائي، منتخب مغربي على القمة، ومدرسة كروية أثبتت أن النجاح حين يبنى على التخطيط والاستثمار في الإنسان وترسيخ القيم يتحول إلى ثقافة دائمة، لا إلى لحظة عابرة.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































عذراً التعليقات مغلقة