مُهْرَةُ الرّماد ..  تشربُ دمعَها…

3 سبتمبر 2026
مُهْرَةُ الرّماد ..  تشربُ دمعَها…

شميسة غربي

/ سيدي بلعباس/ الجزائر (أوت، 2026)

اللوحة الأولى…

الشّجَرُ يبْكي أوْرَاقَه.. الحَجَرُ يبْكي تُرابَه.. طيورُ الغابَة تبْكي أعْشاشها.. عُشْبُ المكان؛ يتحوّلُ إلى جمْرٍ لاهب.. النّاسُ تبْكي جثامينَها.. الحيواناتُ بجُلودٍ مَشوِية؛ تُولّي هاربة، تُمْسِكُها حبّاتُ الجمْر.. يتصاعَد اللهيب؛ وكأنّهُ اهتدى إلى وَجْبَتِهِ الدّسِمة.. الدّخان يُسَرْبِلُ الأفق، يُسوِّدُ الوُجوه، يخْنق الصّدور.. في زاوية أخرى؛ ينْجو كلبٌ عجِيب، يحمل على عاتقه إطفاءَ بقية نيرانٍ مُتَفَرّقة.. بِالشِّدْقِ والمَخالب؛ يُؤدّي حقَّ المكان عليْه..! بُطولة لا كالبُطولات..

ينْتهي “مُعاذ” من رسم هذه اللوحة؛ بعْد أنْ قضى ليْلة عسِيرة وهو يتمثّلُ شتات ما سمع وما رأى على مُختلف القنوات.. نازِلَةُ الحَرْق الكبير؛ أبْكَمَتْهُ كما أبْكمتْ جُلَّ أصدقائه.. فعبّرَ بِالرِّيشة وترك لها العنان.. الكرْبُ كبير… أعطى لِلّوحة أبْعاداً لا يسْتنْطِقُها إلا الوِجْدانُ الثّمِل بعذابات القهر. حدّث “مُعاذ” نفسه: ” لا بدّ منْ لوْحةٍ أخرى؛ تُجسّدُ الهَبَّة الكُبْرى..” شعُر باندفاع جديد؛ يتلو عليْه ضرورة الرّسْمَة المُنْتظَرَة.. فتح النّافذة، استنشق هواء الصباح بملء رئتيْه، تمعّن في أدوات عمله؛ تفحّصَها باهتمام واضح؛ نزل إلى حيث المطبخ، حمل قهوته إلى غرفته بعْد أنْ قبّلَ رأس والدته.. 

اللوحة الثانية…

أمام الطاولة العريضة والأدوات والأصْباغ؛ رَاحتِ المشاهدُ تتدفّقُ في سلاسة.. تغرقُ الرّيشة في قعْرِ الأشياء.. ترْسُمُها مُحمّلة بالخيْرَات على ظهْر المَرْكبات؛ وقدْ زُيِّنتْ بالأعلام المُرَفْرِفة في سماء الحماس.. تكادُ الرّسْمة تنْطِقُ بِضجيج الأصْوات وهي تعْلو وتعْلو فتشقّ الفضاء: ” قادمون.. قادمون وعلى العهْدِ مُحافظون..”  يُنْهي “معاذ “لوْحته الثانية بمشْهدِ سِرْبٍ من الحَمَام؛ يَحْمِلُ في مناقيرهِ أزهاراً صغيرة بألوانٍ ثُلاثية؛ الأخضر والأبيض والأحمر.. يستأنس بإبداعه الجديد.. تغمرُهُ أرْيَحِية عميقة؛ منْبعها المشاركة الوجْدانية منْ أجل المؤازرة الإنسانية لـِضَحَـايا الحَرْقِ الكبير.. خمّنَ: هلْ يُرْسِلُ إبْداعَهُ إلى إحْدى مدارس الفنون الجميلة في تلك الرّبوع.. لمْ يشأْ أن يتسرّع.. فقد تعوّدَ أخذ رأي أخته “حكيمة” في كلّ أعماله السابقة.. إنها الناقدة المتمرّسة، المتذوّقة، صاحبة أكبر معرض للرسم في مدينتها.. يُشارك في هذا المعرض عدد كبير من الفنّانين التّشْكيليين من مُختلف الجهات بلوحاتٍ مُتنوّعة؛ يُوَحّدُها الحِسُّ الجَمالي في أعْلى مُسْتوياته.

وهي تُتابِعُ تفاصيل اللوحتيْنِ؛ وتُركِّزُ على الجزئيات والألوانِ – كعادتها في تذوّق لوحات المعرض- يُلْفِتُ انتباهها رسمة “مُعاذ” لتلكَ المُهْرَة الجميلة الظاهرة في زاوية صغيرة على يمين اللوحة الأولى… تتأمّلُ المنْظر.. تفسّخَ جِلْدُ ظهْر المُهْرة وتفحّم حتّى مُنْتهاه..! في أحدِ فخذيْها قروح دامية.. تسير متثاقلة، تجرُّ آلامها معها نحو شبح شجرةٍ من رماد..! منْ عيْنَيْنِ مُحْمَرّتيْنِ؛ يسيلُ دمع بلون الدّخان، يتجمّع تحت أنفها؛ فتُخْرِجُ لسانها وكأنّها تتلقّف دمعها لتروي حُرْقَتها.. عند التدقيق في هذه الرسمة؛ تصاعدتْ زفراتُ “حكيمة”، أصابها دوار، تسارعت دقّات قلبها، غالبها القيء، جرتْ نحو المِغْسَلَة؛ أفرغتْ كلّ المَرارة التي أوْجَعَتْها.. سمعت أختها الضجة في المِغْسَلة؛ هرْوَلَتْ، فزِعَتْ وهي ترى عزيزتها على هذا الحال.. عرقٌ يتصبّب.. جسمٌ يرْتَعِش.. عيْنانِ تُذْرِفانِ لؤلؤاً على وَجْنَتَيْنِ ورديتيْن.. أخذتْها إلى فراشِها، احضرتْ لها كأس نعناعٍ بالليمون وجلست إلى جانبِها؛ تتمعّنُ ملامِحَها التي بدأتْ تعود إلى حالتها الطبيعية رُويْداً رُوَيْدا… شربتْ “حكيمة” كأسها، بادرتْ إلى إخبار أختها عن سبب حالتها هذه؛ لأنها تُدرك أنّ أختها لن تتركها حتى تعلم كل شيء.

جَمْـرُ الذّكـــــرى يشتعِل…

بدأ الانتعاش يسري في جسم “حكيمة”… اعتدلت في جلستها وراحت تستحضر بتأثر بالغ ذكريات زمنٍ ولّـــى… ففي تلك الرّبوع الجميلة؛ تعرّفتْ على “زُبيْدة”، طالبة في قسم العلوم الاجتماعية.. جرى التّعارُف أثناء العطل الدراسية؛ برِعاية مُنظِّمي مواسِم الرّحلات الجامعية.. جمعتْهما صداقة طويلة رفيعة؛ امتدتْ فيما بعدُ إلى تعارفٍ عائلي واسع؛ فَتُبودِلتِ الزيارات بين العائلتيْنِ وسكنت القلوب إلى بعضها في أجواء من الألفة الجميلة. عُرِفتْ “زبيدة” بين بقية فتيات الرحلة؛ بالمرح وحُبِّ النكْتة، وبالميول إلى ركوب الخيل والتنافس مع بعض أترابها في فضاء غابوي؛ تحت حراسة مُنظمي الرّحلات.. كان الشرط؛ إذا فازتْ “زبيْدة”؛ يجبُ عليْها أن تُغَنّي لرفيقاتها أثناء ليالي السّمر؛ ما يتفضّلْنَ باقتراحِه عليْها؛ دون اعتراض…! وفِعْلا؛ً ينطلق الصّوتُ الرّخيم بأغاني تراثية تحت ضوء القمر… كانتْ تحبُّ أغنية: “يا التفاحة” وأغنية:” يحْياوْ أولاد بلادي ويحْياوْ بنات بلادي” للمرحوم “رابح درياسة”.. كُنّ يتفاعَلْن مَعَها في جَوٍّ بَهيج؛ ينْثر قرُنْفُلَهُ على المكان، فتطرَبُ الآذانُ وتنْسى القلوبُ تعَبَ عامٍ دراسي مُكَثّف، وتنْسى قلق ترقُّبِ النّتائج الذي تنتقلُ عَدْواه إلى كل أفراد عائلات الطلبة.. كانت تُتْحِفُهنّ أيْضاً بِأغْنية المرحوم “عبد المجيد مسكود”؛ في رائعته التي يتغنّى فيها بأمجادِ أماكنَ كثيرة في العاصِمة… وقدْ تطلب منها إحدى الرفيقات أغاني أخرى رائجة آنذاك؛ مثل أغنية: ” ما قيمة الدنيا وما مقدارها..” والتي كتب كلماتها الشاعر “سليمان جوادي” ولحّنها الموسيقار “محمد بوليفة”.. تضحك “زبيْدة” ضحكتها البريئة وما تزال تستجيبُ لرغباتِهِنّ حتى جاء ذلك اليوم الذي صمتتْ فيه إلى الأبد.. فقدْ سقطت أثناء السّباق؛ مِنْ فوْقِ ظهْر الفرَس؛ اصْطدم رأسُها بحجَر… أُسْتُدْعِيَ الإسْعاف.. لحِقتْها الرّفيقات إلى المُسْتشفى.. وهناكَ تلقّيْنَ نعْيَها…. رحلت البهجة… رحل المرح… ومِن يْومِها قاطعتْ “حكيمة” وأغلب صديقاتها برامج الرحلات؛ رفقاً بأنفسهِنّ منْ عذاباتِ الذّكرى…

اليوم؛ وبسبب اللوحة؛ تعود “حكيمة” إلى تلك الذكرى… تزفر زفرات حارّة.. تستخرج ألبوم صورها… تُقبّلُ المرح الذي لم يعد موجودا… تُقبّلُ الغابة التي لمْ تعُدْ موجودة… تقَبّلُ صور الطيور المستقرّة في أعشاشها… الذكريات تشتعل… تغرق في التّفاصيل… تعْرَقُ من جديد… تناديها أختها أنْ:   ” هيّا.. هيّا.. “معاذ” ينْتظرُكِ…” 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com