فارس الخطاب
لم تكن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد زيارة بروتوكولية عابرة، فالزيارة جاءت في توقيت شديد الحساسية، منها ظلال حرب إقليمية ممتدة منذ أشهر، ومنها ضغوط متزايدة على العراق لحسم واحد من أكثر ملفاته تعقيداً وهو مصير السلاح خارج إطار الدولة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة سياسياً وعقائدياً وعسكريا بإيران.وهي قضية يصعب فصل زيارة قاليباف للعراق عنها.
القراءة الغربية والأميركية للزيارة تميل إلى النظر إليها باعتبارها محاولة إيرانية لإدارة الضغوط المحيطة بحلفائها العراقيين، والبحث عن مخارج تحول دون وصول الخلاف بشأن حيازة الأسلحة إلى مواجهة مباشرة بين الحكومة وهذه الفصائل. وهذه قراءة تبدو منطقية في ضوء الظرف الإقليمي؛ فإيران لا تريد خسارة حلفائها، لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج إلى فتح جبهة عراقية داخلية جديدة تزيد من أعبائها. في المقابل، تحتاج بغداد إلى تجنب أمرين في آن واحد: صدام داخلي مسلح، وتحول الأراضي العراقية إلى امتداد للحرب الإيرانية وهو ما تريده طهران إذا ما استمرت الحرب مع الولايات المتحدة وهذه معادلة شديدة الصعوبة.
لغة الجسد في لقاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بقاليباف كانت واحدة من هذه المؤشرات، فاللقاء يجري في بغداد، ورئيس الحكومة العراقية هو المضيف، وقاليباف هو الضيف. والعراق الذي اعتاد مواطنوه طوال أكثر من عقدين قراءة لقاءات مسؤوليهم مع المسؤولين الإيرانيين بحساسية استثنائية يبدو اليوم أمام اختبار مختلف: هل يستطيع الانتقال بعلاقته مع إيران من علاقة نفوذ داخل الدولة إلى علاقة طبيعية بين دولتين؟ كما عبرتالصورة التي نشرها قاليباف على وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت خلفه فيها تسمية “|الخليج الفارسي”، لم تمر عراقياً بلا رد رمزي. فقد نُشرت في المقابل صورة لرئيس مجلس النواب العراقي بالفكرة نفسها تقريباً، لكن الخريطة خلفه حملت تسمية “الخليج العربي” وهو أمر شديد الحساسية لدى الإيرانيين تجاه الهوية والجغرافيا والنفوذ.
في الوجه الآخر للزيارة كشف قاليباف جانباً مهماً من أولويات طهران عندما تحدث أمام ممثلي قطاع الأعمال الإيراني والعراقي عن موارد الدول الإسلامية وموادها الخام، واتهم خصوم بلاده بالسعي إلى نهبها، داعياً إلى وضع خطط لمواجهة العقوبات والحصار على بلاده ودعا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران، واقترح استخدام العملتين الوطنيتين في التبادل التجاري لتقليل الاعتماد على الدولار.
لقد ضغط قاليباف على المسؤولين العراقيين الزيدي والحلبوسي وزيدان، معتقداً أن هذه القيادات ستكمل مشوار الحكومات السابقة التي كان قادتها يشعرون بالولاء المطلق لإيران ولا يملكون القدرة لرفض أي طلبات إيرانية وبجميع المجالات، ساسة عراق اليوم يرون إلى أن ما يمثل مصلحة إيرانية ليس بالضرورة مصلحة عراقية بالمقدار نفسه؛ فالعراق مرتبط بمنظومة مالية دولية شديدة الحساسية تجاه الدولار والتحويلات المصرفية، ولديه علاقات استراتيجية واقتصادية مع الولايات المتحدة والغرب وتركيا ودول الخليج، كما أن اقتصاده نفسه يحتاج إلى الاستقرار والانفتاح على النظام المالي العالمي. لذلك فإن بغداد لا تستطيع التعامل مع فكرة الالتفاف على العقوبات الأميركية وكأنها شأن تجاري ثنائي بسيط.
واشنطن عبرت عن موقفها تجاه زيارة قاليباف حيث أكد مسؤوليها أن العراق يواجه اليوم اختباراً حقيقياً لسيادته وللسياسات المعلنة لرئيس وزراءه علي الزيدي الذي يرفض جعل أراضي العراق ومؤسساته المالية وفصائله المسلحة أدوات في المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وحلفائها؟ وحدد خلال المرحلة التي قضاها في رئاسة مجلس الوزراء السؤال الذي يمكن أن تبنى عليه سياسات ومستقبل البلاد: ماذا يريد العراق من إيران؟ مبدئياً تعاون في مجالات التجارة والطاقة وأمن الحدود والمياه والسياحة الدينية ومكافحة المخدرات، والحفاظ على علاقات جوار عميقة، لا تدخل فيها بالقرار السياسي الدولي للعراق، ولا تدخل في الشؤون الداخلية للعراق كقرار الحرب والسلم والسلاح وايضاً التواصل مع أحزاب وقيادات عراقية لخلق مراكز قوى متناحرة تفضي في النهاية إلى فوضى سياسية وأمنية واجتماعية.
من المهم جداً أن يعلم الجميع؛ عراقيين أو غير عراقيين أن السيادة العراقية لا تعني الانتقال من المحور الإيراني إلى المحور الأميركي، ولا استبدال نفوذ بنفوذ آخر. فالعراق المستقل يستقبل قاليباف في بغداد، ويتفاوض مع واشنطن، وينفتح على الرياض، ويتعاون مع أنقرة، ويبني علاقات مع بكين وموسكو وأوروبا، من دون أن يصبح وجوده في علاقة مع طرف إعلاناً للخصومة مع الأطراف الآخر.
إذا انتهت زيارة قاليباف من دون تراجع الحكومة العراقية عن مشروع حصر السلاح بيد الدولة، ودون إبقاء الفصائل الموالية خارج سلطة الدولة، فإن رئيس مجلس الشورى سيعود الى بلاده دون ان يحقق أهم نتيجة للزيارة وهذا قد يمثل تحولاً مهماً في العلاقات بين البلدين فيما تكون بغداد قد بدأت برسم خطا فاصلا بين العلاقة مع إيران وبين الانخراط في مشروعها الإقليمي والدولي.


















































