فاروق الدباغ
قد يولد طفل بعد انتهاء الحرب، ولم يحمل سلاحاً، ولم يعرف داعش إلا من الحكايات التي يسمعها الكبار.
ومع ذلك قد يكبر وهو يحمل تهمة لم يرتكبها.
ليس لأن القضاء أدانه، بل لأن اسمه أو عائلته أو مكان نزوحها في سنوات الحرب وضع حوله دائرة من الشك.
وهنا تبدأ واحدة من أصعب مشكلات العراق بعد داعش: كيف يمكن إنهاء الحرب عسكرياً إذا استمرت عقوبتها اجتماعياً؟
في 27 أغسطس/آب 2026 عقدت الدائرة الوطنية للمرأة العراقية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء منتدى وطنياً، بمشاركة وكالات الأمم المتحدة، لمناقشة أوضاع النساء والأطفال والأسر في مرحلة التعافي من النزاعات.
النقاش لم يعد يدور حول تحرير المدن أو عودة النازحين فقط، بل عن الحماية وإعادة الاندماج والتعافي الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب.
وهذا تطور مهم.
لأن العراق نجح إلى حد كبير في إعادة الملايين إلى مناطقهم، لكنه يواجه الآن امتحاناً أصعب بكثير:
كيف يعيد الإنسان إلى المجتمع، لا إلى البيت فقط؟
العودة إلى المنزل لا تعني العودة إلى المجتمع
تقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 4.9 ملايين شخص عادوا إلى مناطقهم بعد سنوات النزاع والنزوح.
لكن نحو 610 آلاف من هؤلاء عادوا إلى مناطق ما تزال تعاني ظروفاً معيشية شديدة الصعوبة، تشمل السكن المتضرر، والنزاعات على الأراضي، ومشكلات الملكية والوثائق المدنية وضعف فرص العمل والخدمات.
وهناك مشكلة إضافية لا تستطيع الخرسانة ولا شبكات الكهرباء إصلاحها:
الوصمة الاجتماعية.
بعض الأسر تُوصف بأنها «مرتبطة بداعش» أو يُنظر إليها بهذه الصورة، حتى عندما لا تكون هناك إدانة قضائية بحق أفرادها.
وهنا يصبح الفرق بين الجريمة والانتماء العائلي غامضاً في الوعي الاجتماعي.
قد يكون الأب ارتكب جريمة.
قد يكون الأخ انضم إلى التنظيم.
وقد تكون الأسرة نفسها ضحية أجبرت على العيش سنوات تحت سلطته.
لكن في المجتمع المحلي يمكن لهذه الفروق أن تختفي أحياناً خلف جملة واحدة:
«هؤلاء عائلة داعش».
ومن تلك اللحظة لا تعود العقوبة فردية.
تصبح لقباً عائلياً.
عندما يرث الطفل ملف أبيه
القانون يعرف المسؤولية الفردية.
لكن المجتمع، في لحظات الخوف والغضب، يميل أحياناً إلى المسؤولية الجماعية.
وهنا تكمن الخطورة.
طفل لم يختر أباه ولا عائلته ولا الظروف التي ولد فيها قد يواجه صعوبة في المدرسة، أو الحصول على الوثائق، أو تكوين العلاقات الاجتماعية، أو حتى مجرد التخلص من نظرة الشك.
وهذا يتناقض أيضاً مع أحد المبادئ الأساسية في اتفاقية حقوق الطفل التي تنص بوضوح على حماية الطفل من التمييز أو العقوبة بسبب وضع والديه أو أفراد أسرته أو أفعالهم.
أي أن الطفل لا ينبغي أن يرث العقوبة.
مثلما لا يرث الجريمة.
لكن المسألة ليست قانونية فقط.
إنها مسألة أمن مجتمعي أيضاً.
لأن الطفل الذي يسمع منذ صغره أن المجتمع لا يريده بسبب شيء فعله شخص آخر قد يبدأ في بناء هويته على الرفض.
وهنا نصنع بأيدينا المشكلة التي نزعم أننا نحاول منعها.
من يحمي المجتمع من الانتقام؟
من السهل من بعيد أن نقول للقرى والمدن التي عاشت جرائم داعش:
سامحوا الجميع.
لكن ذلك تبسيط غير عادل.
هناك أسر فقدت أبناءها.
نساء فقدن أزواجهن.
قرى تعرضت للقتل والتهجير.
ومواطنون ما زالوا يحملون ذاكرة حقيقية ومؤلمة لما حدث.
لا يمكن مطالبة هؤلاء بمحو ذاكرتهم بقرار إداري.
كما أن المصالحة لا تعني إطلاقاً إعفاء المجرم من المسؤولية.
من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب.
ومن قتل أو عذب أو اغتصب أو شارك في أعمال إرهابية يجب أن يخضع للقانون.
لكن هنا يجب رسم خط لا يجوز تجاوزه:
معاقبة الجاني شيء، وتحويل زوجته وأطفاله وأقاربه إلى متهمين بالوراثة شيء آخر تماماً.
الدولة التي تترك هذا الخط غامضاً لا تحقق العدالة.
إنها تسمح للانتقام بأن يحل محلها.
لماذا تنفق الدول ملايين الدولارات على «القبول المجتمعي»؟
في يناير/كانون الثاني من هذا العام خصصت السويد 100 مليون كرونة سويدية، أي نحو 10.8 ملايين دولار، لدعم إعادة إدماج الأسر العراقية العائدة من مخيم الهول.
وفي فبراير/شباط قدم الاتحاد الأوروبي ثمانية ملايين يورو إضافية لبرنامج يمتد 18 شهراً ويشمل نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك وبغداد وأربيل.
من اللافت أن هذه البرامج لا تتحدث عن بناء المنازل فقط.
بل تتحدث عن تقليل الوصمة، وبناء الثقة، والمصالحة المجتمعية، والدعم النفسي، والوثائق المدنية، وفرص العمل.
وهذا يكشف شيئاً مهماً:
المشكلة لم تعد مشكلة نقل عائلة بالحافلة من مخيم إلى قرية.
التحدي هو ماذا يحدث في اليوم التالي لوصول الحافلة.
هل يقبل الجيران الأطفال في المدرسة؟
هل يستطيع الأب أو الأم الحصول على عمل؟
هل تتمكن الأسرة من استخراج وثائقها؟
هل يعاملها المختار والمؤسسة الحكومية باعتبارها مواطنين؟
أم تبقى العائلة داخل العراق لكنها تعيش خارجه اجتماعياً؟
الوثيقة المدنية قد تكون جواز دخول إلى المجتمع
سنوات سيطرة داعش تركت كذلك مشكلة وثائقية ثقيلة.
تشير اليونيسف إلى أن تسجيل المواليد في العراق كان يتجاوز 99 في المئة قبل النزاع، لكن في المناطق التي خضعت للتنظيم وُلد أطفال من دون نظام رسمي فعال لتسجيل الولادات، ووصلت نسبة الأطفال دون الخامسة الذين يفتقرون إلى الوثائق في بعض تلك المناطق إلى مستويات مرتفعة.
وقد تبدو شهادة الميلاد ورقة صغيرة.
لكن من دونها يمكن أن يصبح الوصول إلى المدرسة والصحة والحماية الاجتماعية سلسلة من العقبات.
وهكذا قد يولد الطفل مرة واحدة بيولوجياً، لكنه يحتاج سنوات لكي يولد إدارياً أمام الدولة.
لذلك فإن تسوية الوثائق المدنية ليست ملفاً بيروقراطياً.
إنها جزء من إعادة الاندماج.
المصالحة ليست حفلة عشائرية
الخطأ الآخر هو اختزال المصالحة في اجتماع بين شخصيات عشائرية أو توقيع وثيقة ثم اعتبار المشكلة منتهية.
المصالحة الحقيقية تحتاج إلى ثلاثة مستويات.
الأول قضائي: الجريمة فردية والمحاسبة فردية، ولا ينبغي ترك الاتهامات في منطقة الشائعات الاجتماعية.
الثاني اجتماعي: يحتاج المجتمع المحلي نفسه إلى مساحة للتعبير عن مخاوفه وذكرياته، مع وسطاء محترفين ورجال دين وشخصيات اجتماعية وشباب ونساء، وليس فقط القيادات التقليدية.
أما المستوى الثالث فهو اقتصادي.
فالأسرة التي تعود إلى قرية بلا عمل، وبيت مهدّم، ومدرسة ضعيفة وخدمات محدودة تصبح أكثر هشاشة، سواء كانت عائدة من الهول أم لم تغادر العراق أصلاً.
ولهذا من الذكاء أن تشمل برامج إعادة الاندماج المجتمعات المضيفة أيضاً.
إذا حصل العائد على الدعم بينما بقي جاره الفقير من دون شيء، فقد تتحول المساعدة نفسها إلى مصدر جديد للغضب.
المصالحة لا تنجح عندما يشعر طرف بأن الآخر حصل على مكافأة بسبب ماضيه.
يجب أن نبدأ بالأطفال
إذا أراد العراق كسر هذه الدائرة، فإن نقطة البداية الأكثر ذكاءً هي الأطفال.
يجب أن يكون هناك مبدأ واضح:
لا يجوز أن يعاقب الطفل اجتماعياً أو تعليمياً أو إدارياً بسبب تاريخ أسرته.
المدرسة هنا ليست مكاناً للتعليم فقط.
إنها أول مؤسسة تستطيع أن تقول للطفل:
أنت مواطن مثل الآخرين.
ويجب تدريب العاملين في المدارس والخدمات الاجتماعية على التعامل مع الأطفال القادمين من مناطق النزاع أو أسر العائدين، مع توفير الدعم النفسي عند الحاجة.
وقد أطلق العراق بالفعل في يناير/كانون الثاني 2026 أول دليل إرشادي للأطباء والأخصائيين النفسيين للعمل مع الأطفال في مناطق ما بعد النزاع.
هذه خطوة مهمة.
لكن العلاج النفسي وحده لا يستطيع علاج طفل يعود كل يوم إلى مجتمع يذكّره بالوصمة نفسها.
العدالة التي تحمي المستقبل
العراق لا يحتاج إلى نسيان ما فعله داعش.
فالنسيان ليس مصالحة.
ويجب ألا تستخدم كلمة «إعادة الإدماج» لتبرئة من ارتكب جريمة.
لكن العراق يحتاج إلى التفريق بصرامة بين الذاكرة والانتقام، وبين الجاني والعائلة، وبين المسؤولية والقرابة.
من حق الضحية أن تطلب العدالة.
ومن حق المجتمع أن يحمي نفسه.
لكن من حق الطفل أيضاً ألا يبدأ حياته بملف جنائي لم يرتكبه.
لأن الخطر الحقيقي ليس فقط في ظلم هذه الأسر.
بل في النتائج التي يمكن أن يولدها الظلم بعد عشر سنوات.
فالطفل الذي نقنعه منذ طفولته بأنه مرفوض قد يبحث يوماً عن جماعة تقبله.
والأسرة التي نغلق أمامها المدرسة والعمل والوثائق والمجتمع قد تتحول مرة أخرى إلى جزيرة معزولة داخل الدولة.
وهكذا قد ننجح في هزيمة التنظيم، ثم نعيد إنتاج البيئة التي يستغلها التطرف.
بعد داعش، أمام العراق فرصة لكتابة قاعدة بسيطة لكنها حاسمة:
الجريمة لا تورث.
ومن ارتكبها يحاسبه القضاء.
أما الابن والزوجة والأخ، فلا ينبغي أن يحاكمهم المجتمع لأنهم يحملون الاسم نفسه.
فالدول التي تريد إنهاء الحروب لا تكتفي بإسكات البنادق.
إنها تمنع أيضاً انتقال الحرب من جيل إلى جيل.



















































