د أحمد فاتح محمد
– أقليم كردستان العراق
حين نقرأ في دفاتر التاريخ المشترك للمنطقة ونقلب صفحات الجغرافيا السياسية والحضارية للشرق الأوسط، نكتشف سريعاً أن الجبال الشاهقة في كردستان والسهول الفسيحة في الرافدين ووادي النيل لم تكن يوماً خطوطاً للفصل، بل كانت على الدوام معابر للتواصل وجسوراً للتكامل الحضاري . إنها جدلية الجغرافيا والتاريخ حيث لا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. فالتاريخ ليس مجرد حكايات تروى، بل هو حركة حية على الأرض، والجغرافيا ليست تضاريس جامدة، بل هي المسرح الكبير الذي تشكلت عليه الهويات والثقافات وتلاقت فيه المصائر. لقد مثلت البوتقة الحضارية الإسلامية فضاءً رحباً انصهرت فيه الطاقات الإبداعية لمختلف الشعوب، وفي مقدمتها الشعبان العربي والكردي . ولم يكن هذا اللقاء وليد حاجة سياسية مؤقتة، بل كان شراكة وجودية عميقة تجلت في لغة الفكر والعقيدة.
وحين نتأمل نتاج الفكر الإسلامي الكلاسيكي، نجد حضوراً كردياً باذخاً كتب باللغة العربية، ليس بوصفها لغة طارئة، بل بوصفها الوعاء الحضاري الجامع. ومن هنا برز المؤرخ والفقيه ابن خلكان، الذي قدم في كتابه “وفيات الأعيان” واحدة من أعظم الموسوعات التراجمية في تاريخ الفكر الإنساني، واضعاً منهجاً توثيقياً صارماً يدرس حركة المجتمع والنخبة بوعي استراتيجي متقدم. ومعه برز العشرات من المحدثين والمفسرين واللغويين الكرد الذين لم يكتفوا بنقل المعرفة، بل شاركوا في تأسيسها وتقنينها في كبريات الحواضر الإسلامية من بغداد إلى القاهرة ودمشق. إن الحديث عن هذه الشراكة يفرض علينا التوقف أمام لحظة تاريخية فارقة، جسدها القائد صلاح الدين الأيوبي. والواقع أن دلالة صلاح الدين في التاريخ العربي والإسلامي لا تقتصر على عبقريته العسكرية في حماية حياض المنطقة، بل تكمن في كونه رمزاً حياً لقدرة الهوية المشتركة على تجاوز الفروق القومية لصالح مشروع حضاري جامع.
لقد دافع الكردي عن العواصم العربية وحفظ أمن الرافدين والنيل، لا بصفته غريباً يطلب مجداً، بل بصفته شريكاً أصيلاً يرى في أمن هذا الحوض الجغرافي أمنه الوجودي. وفي العصر الحديث، ومع انطلاق قطار النهضة العربية الكبرى، نرى أن هذا التفاعل لم يتراجع، بل اتخذ أشكالاً أكثر عمقاً وأشد تأثيراً في صياغة الفكر والأدب العربي المعاصر. وحين نستعرض رجالات هذه النهضة، نقف أمام أسماء حفرت وجودها في وجدان الثقافة العربية بمداد من نور. نجد “أمير الشعراء” أحمد شوقي، الذي جمع في عروقه الدم الكردي، ليصوغ بالضاد أروع القصائد التي عبّرت عن آمال الأمة العربية وآلامها . ولم يكن شوقي وحده؛ بل كان هناك الكاتب والمفكر الفذ عباس محمود العقاد، الذي تعود جذوره الأسرية إلى أصول كردية، فصار أحد أهم فلاسفة الكلمة والتحليل في الفكر العربي الحديث، مدافعاً عن الهوية والحرية بوعي موسوعي لا يلين. ولا يمكن لنا أن نغفل الدور المؤسسي الرائد الذي لعبه العلامة محمد كرد علي، مؤسس مجمع اللغة العربية بدمشق، الذي كرس حياته لحماية اللغة العربية وصونها، مؤكداً في كتاباته ورسائله أن الدفاع عن لغة الضاد هو دفاع عن الروح الحضارية للمنطقة بأسرها. إن هذه النماذج وغيرها تؤكد حقيقة استراتيجية راسخة: أن الإسهام الكردي في الثقافة العربية لم يكن تجميلياً أو على هامش الأحداث، بل كان في صلب عملية البناء والنهوض الفكري. إن قراءة هذا التفاعل الثقافي اليوم بوعي هادئ وموضوعي، بعيداً عن الاستقطابات المعاصرة، يكشف لنا أن هذه الجسور المعرفية هي صمام الأمان للاستقرار في المشرق فالكرد والعرب تجمعهما وحدة المصير التي تفرضها حقائق الجغرافيا الحتمية، وتاريخ طويل من العيش المشترك والألم والأمل. إن الثقافة بما تحمله من فكر ولغة وفن، تظل هي القناة الأرقى والأبقى لترميم ما قد تفسده السياسة العابرة، وللتأكيد على أن المشترك بين هذين الشعبين هو نسيج حضاري متين لا تمزقه عواصف الزمن.


















































