رشيدة الدبيش، شاعرة وأديبة مغربية :عن سلطة الأب والقانون 

15 أغسطس 2026
رشيدة الدبيش، شاعرة وأديبة مغربية :عن سلطة الأب والقانون 


تعلمت مبكرا أن المحاماة ليست مهنة مريحة بل موقف

أبي الذي كنت أحرجه بالقانون.. 

رشيدة الدبيش 

شاعرة وأديبة من المغرب 

في بداياتي كمحامية لم يكن لدي ترف الانتقاء ، 

كنت أفتح باب المكتب لكل من يطرقه ، لأنني ببساطة.. كنت أبحث عن مكان .. 

كل ملف بالنسبة لي فرصة للتعلم ، وكل موكل كان بابا لفهم أعمق للحياة قبل أن يكون مجرد قضية قانونية. 

وهكذا وجدت نفسي لا اختار كثيرا القضايا بل اتولى الدفاع على كل الملفات : 

ملفات خيانة زوجية، هتك عرض ، ملفات مرتبطة بقضايا الشرف و بالدعارة … ملفات محرجة ثقيلة ، حساسة اجتماعياً . 

لكنها بالنهاية قضايا أمام القانون وقضايا تستحق الدفاع ، لان لكل انسان الحق بمحاكمة عادلة . 

لكن المشكلة لم تكن بالقضايا ، بل بإنعكاسها على إسم والدي 

بحكم مكانته فلقد كان رحمه الله : رجلا وقورا ، محافظا محترما ، ومعروفا يقصد للاصلاح بين الناس .

كانت هذه النوعية من القضايا بالنسبة له مصدر حرج حقيقي . ففي الوقت الذي كان هو يطفئ النزاعات كنت … أنا أدخل لقلبها.. وبكل جرأة . 

لم يواجهني مباشرة يوما نظرا لحساسية المواقف ونظرا لهيبته المعتادة، بل كان يلجأ لأمي ” رحمة الله عليها “كوسيط دبلوماسي داخل البيت . 

لكن رسائله كانت تصلني بنبرة لا تخلو من ضيق واضح : 

” أبوك يقول ابتعدي عن هذه القضايا “

ثم تضيف : 

” حتي لم تجدي ما تأكلينه ” … اختاري قضاياك فهذا يحرجه أمام الناس .

كنت أضحك … لكنني كنت أفهم أنه لا يمزح . 

كان يخجل من نوع القضايا التي أتولاها 

لكنني كنت أرفض أن يدان الإنسان مرتين : مرة : بالفعل… ومرة: بنظرة المجتمع . 

كان يرى أنني احرجه وكنت أرى أنني أقوم بواجبي . 

كنت ارى نساء قبل أن ارى ” سمعة ” 

وقصصا معقدة قبل أن أرى ” أحكاما جاهزة ” 

كنت ارى هشاشة وأخطاء بشرية ،وضعف، وخوف واستغلال وهوان … الخ 

لم أكن أبرر أفعال أحد ، لكنني كنت أرى حقا لا يسقط : 

حق الدفاع وضمان الحقوق . 

استمر هذا التباين بيننا لفترة، هو يحرص على صورتي كما يراها وأنا أبحث عن موقعي كما أومن به . 

وبين صورته و” قناعتي ” كانت المسافة أوسع مما تبدو . 

اليوم اتذكر ذلك وابتسم …

اليوم أفهمه أكثر .. 

أفهم خوفه ، ومكانته وثقل الاسم الذي كان يحمله . 

لأنني أيضا ادركت أن ذلك ” الاحراج ” الذي كان يشعر به لم يكن الا وجه آخر لاهتمامه بي . 

وربما .. لعدم تعوده على أن إبنته اختارت طريقا شائكا لا يخلو من الصعاب والمواجهة. 

لكنني أيضا لم أندم . 

لأنني تعلمت مبكرا أن المحاماة ليست مهنة مريحة بل موقف 

وإن بعض الطرق .. لا تسلك دون أن تثير الغبار . 

رحمك الله ياأبي 

كنت تخاف علي … من كلام الناس وكنت تخاف علي من القضايا 

وأنا كنت أتعلم منها كيف أواجهه وكيف أكون أقوى .

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com