تعلمت مبكرا أن المحاماة ليست مهنة مريحة بل موقف
أبي الذي كنت أحرجه بالقانون..
رشيدة الدبيش

شاعرة وأديبة من المغرب
في بداياتي كمحامية لم يكن لدي ترف الانتقاء ،
كنت أفتح باب المكتب لكل من يطرقه ، لأنني ببساطة.. كنت أبحث عن مكان ..
كل ملف بالنسبة لي فرصة للتعلم ، وكل موكل كان بابا لفهم أعمق للحياة قبل أن يكون مجرد قضية قانونية.
وهكذا وجدت نفسي لا اختار كثيرا القضايا بل اتولى الدفاع على كل الملفات :
ملفات خيانة زوجية، هتك عرض ، ملفات مرتبطة بقضايا الشرف و بالدعارة … ملفات محرجة ثقيلة ، حساسة اجتماعياً .
لكنها بالنهاية قضايا أمام القانون وقضايا تستحق الدفاع ، لان لكل انسان الحق بمحاكمة عادلة .
لكن المشكلة لم تكن بالقضايا ، بل بإنعكاسها على إسم والدي
بحكم مكانته فلقد كان رحمه الله : رجلا وقورا ، محافظا محترما ، ومعروفا يقصد للاصلاح بين الناس .
كانت هذه النوعية من القضايا بالنسبة له مصدر حرج حقيقي . ففي الوقت الذي كان هو يطفئ النزاعات كنت … أنا أدخل لقلبها.. وبكل جرأة .
لم يواجهني مباشرة يوما نظرا لحساسية المواقف ونظرا لهيبته المعتادة، بل كان يلجأ لأمي ” رحمة الله عليها “كوسيط دبلوماسي داخل البيت .
لكن رسائله كانت تصلني بنبرة لا تخلو من ضيق واضح :

” أبوك يقول ابتعدي عن هذه القضايا “
ثم تضيف :
” حتي لم تجدي ما تأكلينه ” … اختاري قضاياك فهذا يحرجه أمام الناس .
كنت أضحك … لكنني كنت أفهم أنه لا يمزح .
كان يخجل من نوع القضايا التي أتولاها
لكنني كنت أرفض أن يدان الإنسان مرتين : مرة : بالفعل… ومرة: بنظرة المجتمع .
كان يرى أنني احرجه وكنت أرى أنني أقوم بواجبي .
كنت ارى نساء قبل أن ارى ” سمعة ”
وقصصا معقدة قبل أن أرى ” أحكاما جاهزة ”
كنت ارى هشاشة وأخطاء بشرية ،وضعف، وخوف واستغلال وهوان … الخ
لم أكن أبرر أفعال أحد ، لكنني كنت أرى حقا لا يسقط :
حق الدفاع وضمان الحقوق .
استمر هذا التباين بيننا لفترة، هو يحرص على صورتي كما يراها وأنا أبحث عن موقعي كما أومن به .
وبين صورته و” قناعتي ” كانت المسافة أوسع مما تبدو .
اليوم اتذكر ذلك وابتسم …
اليوم أفهمه أكثر ..
أفهم خوفه ، ومكانته وثقل الاسم الذي كان يحمله .
لأنني أيضا ادركت أن ذلك ” الاحراج ” الذي كان يشعر به لم يكن الا وجه آخر لاهتمامه بي .
وربما .. لعدم تعوده على أن إبنته اختارت طريقا شائكا لا يخلو من الصعاب والمواجهة.
لكنني أيضا لم أندم .
لأنني تعلمت مبكرا أن المحاماة ليست مهنة مريحة بل موقف
وإن بعض الطرق .. لا تسلك دون أن تثير الغبار .
رحمك الله ياأبي
كنت تخاف علي … من كلام الناس وكنت تخاف علي من القضايا
وأنا كنت أتعلم منها كيف أواجهه وكيف أكون أقوى .
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































