«المغرب وحرب المعلومات: في الحاجة إلى إعلام قوي لبناء الرواية الوطنية ومواجهة حملات الخصوم»
بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تمهيد.
لم تعد المواجهة بين الدول تجري فقط عبر الدبلوماسية أو الاقتصاد أو القوة العسكرية؛ بل أصبحت المعلومة نفسها ساحة للصراع. فالخبر، والصورة، والفيديو، والهاشتاغ، والتغريدة، والتعليق، وحتى الصمت الإعلامي، يمكن أن تتحول إلى أدوات للتأثير في الرأي العام وتوجيه الإدراك الجماعي.
وفي الحالة المغربية، تتقاطع هذه الحرب مع ملفات شديدة الحساسية: الصحراء المغربية، العلاقات المغربية الجزائرية، سبتة ومليلية، الهجرة، العلاقات المغربية الإسبانية، صورة المغرب في إفريقيا، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية…الخ. فالمشكلة إذن ليست فقط في: كيف يرد المغرب على حملات خصومه؟ وإنما: هل يمتلك المغرب منظومة إعلامية واتصالية قادرة على الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة وصناعة الأجندة؟
القسم الاول، المغرب وحرب المعلومات…
أولاً: من الإعلام التقليدي إلى «حرب المعلومات»، ان حرب المعلومات لا تعني بالضرورة اختلاق الأخبار. إنها أوسع من ذلك بكثير، بل تشمل: اختيار ما الذي ينبغي أن يعرفه الجمهور وما الذي لا يحظى بالتغطية؛ تضخيم حدث صغير وتحويله إلى أزمة دولية؛ اجتزاء التصريحات وإعادة تركيبها؛ استخدام الحسابات الوهمية والمنسقة؛ صناعة «الترند»؛ نشر الصور والفيديوهات خارج سياقها؛ استثمار الأخطاء الحقيقية وتحويلها إلى سردية شاملة عن الدولة؛ استهداف الثقة في المؤسسات؛
واستهداف صورة البلد لدى الرأي العام الخارجي.
وهنا تكمن الخطورة: الحملة المعلوماتية الناجحة لا تحتاج دائماً إلى كذبة كاملة؛ يكفي أحياناً أن تبدأ من واقعة صحيحة، ثم تقدمها في سياق انتقائي.
ثانياً: المغرب لا يواجه فقط «أخباراً مضادة»، بل سرديات متنافسة، ففي العديد من الملفات، لا يتعلق الصراع بمعلومة منفردة، وإنما بـ من يمتلك القدرة على تفسير المعلومة. ففي قضية الصحراء، مثلاً، لا يكفي أن يمتلك المغرب الوثائق والحجج القانونية والتاريخية والدبلوماسية؛ بل ينبغي أن تكون هذه المادة متاحة ومفهومة بلغات متعددة، وقابلة للتداول في البيئة الرقمية. وفي قضية الهجرة، لا يكفي تقديم المقاربة الأمنية المغربية؛ إذ ينبغي شرح التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية للظاهرة، حتى لا تتحول صورة المغرب إلى مجرد «حارس للحدود الأوروبية».
وفي قضية سبتة ومليلية، لا يكفي الاشتغال على الخطاب السياسي؛ فالمعركة تجري أيضاً في الذاكرة والتاريخ والقانون الدولي والإعلام الأوروبي والإسباني والفضاء الرقمي.
ثالثاً: المشكلة ليست ضعف الإعلام المغربي في كل شيء، فمن الخطأ اختزال المسألة في القول إن «الإعلام المغربي ضعيف». توجد مؤسسات مهنية وكفاءات صحفية وأكاديمية وإعلامية مهمة، كما توجد تجارب ناجحة في الإعلام العمومي والخاص والرقمي. لكن المشكلة الأكبر تكمن في غياب التكامل بين مكونات القوة الاتصالية الوطنية. فلدينا: الدبلوماسي الذي يمتلك المعطيات، والأكاديمي الذي ينتج المعرفة، والصحفي الذي ينقل الحدث، والخبير الذي يحلل، والمؤسسة الرسمية التي تملك المعلومات، وصانع المحتوى الذي يخاطب ملايين المستخدمين.
لكن هذه العناصر لا تعمل دائماً ضمن منظومة واحدة قادرة على إنتاج رواية وطنية متعددة الأصوات، مهنية ومقنعة.
رابعاً: الجامعة المغربية جزء من هذه المعركة، وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل المغرب. فلا يمكن ترك «حرب المعلومات» للإعلام وحده. فالجامعة مطالبة بأن تتحول إلى منتج للمعرفة الاستراتيجية، بل ينبغي تشجيع مراكز بحث متخصصة في: الجيوسياسة والإعلام؛ تحليل الخطاب السياسي والإعلامي؛ الدراسات الإسبانية والجزائرية والإفريقية؛ الذكاء الاصطناعي وتحليل المعلومات المضللة؛ الدبلوماسية الرقمية؛ الأمن السيبراني؛ التاريخ والذاكرة الجماعية؛ القانون الدولي وقضايا السيادة؛ ودراسات الرأي العام.
من هنا تصبح الجامعة شريكاً في الأمن المعرفي للدولة، دون أن تتحول إلى مؤسسة دعائية.
خامساً: نحتاج إلى «إعلام قوي» وليس «إعلاماً موجهاً»،
وهذه نقطة جوهرية. فالإعلام القوي ليس هو الإعلام الذي يمدح الدولة باستمرار، ولا الذي يهاجم خصومها بلا توقف. بل الإعلام القوي هو الإعلام الذي يثق به الجمهور. والثقة تُبنى عبر: السرعة في تقديم المعلومة.
الدقة والتحقق. الاعتراف بالخطأ عند وقوعه. تقديم المعطيات والأرقام والوثائق. القدرة على الوصول إلى الجمهور الدولي بلغاته. وجود صحفيين متخصصين في الملفات الاستراتيجية. الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والتحليلية. تدريب الصحفيين على التعامل مع الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق. بناء منصات تحقق مستقلة ومهنية. وعدم ترك الفراغ المعلوماتي، لأن الفراغ سرعان ما تملؤه رواية أخرى.
سادساً: من «الرد على الخصم» إلى «صناعة الأجندة»،
وهذه ربما هي النقلة الأهم. فإذا ظل الإعلام المغربي ينتظر ما ينشره الإعلام الجزائري أو الإسباني أو غيره لكي يرد عليه، فإن الخصم سيظل هو من يحدد موضوع النقاش. أما إذا امتلك المغرب القدرة على المبادرة، ونشر الدراسات والوثائق والتحقيقات والقصص الإنسانية والأفلام الوثائقية والمحتوى الرقمي بلغات متعددة، فإنه ينتقل من: رد الفعل إلى الفعل، من الدفاع إلى المبادرة، من تفنيد الرواية إلى صناعة الرواية، ومن متابعة الأجندة إلى التأثير في الأجندة.
سابعاً: في الحاجة إلى «دبلوماسية إعلامية مغربية»، اننا نعتقد أن المغرب يحتاج اليوم إلى تطوير مفهوم أكثر تقدماً يمكن تسميته: “الدبلوماسية الإعلامية والاستراتيجية الرقمية”. وهي ليست بديلاً عن الدبلوماسية التقليدية، وإنما امتداد لها. ويفترض أن تخاطب: المواطن المغربي؛ الرأي العام العربي؛ الرأي العام الإفريقي؛ الرأي العام الأوروبي؛ مراكز التفكير والجامعات؛ الصحافة الدولية؛ صناع القرار؛ الجاليات المغربية بالخارج؛ والأجيال الشابة التي أصبحت تستقي معظم معلوماتها من المنصات الرقمية.
ثامناً: الخطر الأكبر هو فقدان الثقة الداخلية، فقد يبدو أن حرب المعلومات موجهة إلى الخارج، لكنها في الواقع تستهدف الداخل أيضاً. فالحملة الإعلامية لا تنجح فقط عندما تقنع الأجنبي بأن المغرب مخطئ؛ وإنما تنجح كذلك عندما تجعل المواطن المغربي يشك في كل شيء:
هل الخبر صحيح؟ هل الدولة تقول الحقيقة؟ هل الإعلام مستقل؟ هل المؤسسات تعرف ما تفعل؟ هل المستقبل واضح؟
ولهذا فإن تحصين الجبهة الداخلية معلوماتياً لا يكون بالرقابة وحدها، وإنما بالشفافية، وسرعة التواصل، وتوفير المعلومات، وتقوية الإعلام المهني.
في الخلاصة، ان المغرب لا يحتاج إلى إعلام «أكثر صخباً»، وإنما إلى إعلام أكثر مهنية، وأكثر سرعة، وأكثر تخصصاً، وأكثر حضوراً دولياً. ولا يحتاج إلى إعلام يشتغل بمنطق «الدعاية المضادة»، بل إلى إعلام قادر على إنتاج الحقيقة والتحليل والمعرفة، وإيصالها إلى العالم. فالقاعدة الجديدة في العلاقات الدولية هي: “من يملك المعلومة لا يملك بالضرورة القوة؛ بل القوة لمن يستطيع تحويل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى رواية، والرواية إلى تأثير”.
ومن هنا فإن حرب المعلومات تضع المغرب أمام سؤال استراتيجي يتجاوز الإعلام نفسه: هل نمتلك القدرة على حماية صورتنا الوطنية وصناعة روايتنا في عالم أصبحت فيه معارك الدول تبدأ أحياناً من شاشة هاتف؟
والجواب لن يكون بإنشاء منصات إعلامية جديدة فقط، وإنما ببناء منظومة وطنية متكاملة للمعرفة والإعلام والاتصال الاستراتيجي، تشارك فيها الدولة والإعلام والجامعة ومراكز التفكير والمجتمع المدني والكفاءات المغربية في الداخل والخارج.
القسم الثاني: نحو نموذج مغربي للاتصال الاستراتيجي،
إذا كان المغرب قد راكم خلال العقود الأخيرة خبرة مهمة في تدبير عدد من الملفات الدبلوماسية والأمنية والاستراتيجية، فإن التحول المتسارع في طبيعة الصراعات الدولية يفرض إعادة النظر في مفهوم القوة الوطنية ذاته. فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية أو الحضور الدبلوماسي، وإنما أصبحت القدرة على إدارة المعلومات والتأثير في الإدراك العام عنصراً مركزياً في قوة الدول. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل يحتاج المغرب إلى إعلام قوي؟ بل أصبح أكثر تحديداً: هل يمتلك المغرب منظومة اتصال استراتيجي قادرة على إنتاج المعلومة، والتحقق منها، وتفسيرها، وتوزيعها، وقياس أثرها، والتفاعل السريع مع حملات التضليل والاستهداف؟
اولا، من «الإعلام الرسمي» إلى منظومة الاتصال الوطني، ان المرحلة الجديدة تتطلب تجاوز التصور التقليدي الذي يجعل الاتصال الاستراتيجي مرادفاً للإعلام الرسمي. فالدولة الحديثة تتواصل مع العالم عبر شبكة واسعة من الفاعلين: المؤسسات الحكومية، البرلمان؛ الأحزاب السياسية؛ الجامعات؛ مراكز البحث؛
الصحافة المهنية؛ الخبراء؛ الدبلوماسيون؛ المؤسسات الاقتصادية؛ المجتمع المدني؛ المؤثرون وصناع المحتوى؛
والجالية المغربية بالخارج.
ان القوة الحقيقية لا تكمن في توحيد هذه الأصوات، فهذا أمر قد يكون غير واقعي وغير مرغوب فيه، وإنما في رفع جودة المعرفة التي تستند إليها هذه الأصوات.
فقد تختلف الآراء، لكن لا ينبغي أن تختلف الحقائق الأساسية. وهنا يمكن بناء مفهوم «التعددية المنضبطة بالمعرفة»: وتعني: تعدد في الآراء والتحليلات، مع احترام قواعد التحقق والوثيقة والبحث العلمي.
ثانيا، إنشاء مرصد وطني لحرب المعلومات، فمن بين المقترحات العملية في هذا الشان، إنشاء مرصد مغربي مستقل ومتعدد التخصصات لرصد المعلومات المضللة والحملات الرقمية. ولا ينبغي أن يكون المرصد جهازاً للرقابة على الرأي العام، وإنما مركزاً للبحث والرصد والتحليل. ويمكن أن يتولى: رصد الحملات الرقمية ذات التأثير الواسع. تحليل مصادر المعلومات. تحديد الحسابات والشبكات المنسقة. دراسة انتقال الأخبار بين المنصات. التمييز بين الخطأ الصحفي والتضليل المنظم.
إصدار تقارير دورية. إعداد خرائط للمعلومات المضللة.
توفير قاعدة بيانات للباحثين والصحفيين. تدريب الصحفيين والطلبة على التحقق الرقمي. تطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى الزائف والمركب. والأهم أن يكون المرصد مهنياً وأكاديمياً ومستقلاً في منهجيته، حتى لا تتحول مكافحة التضليل نفسها إلى مصدر جديد لعدم الثقة.
ثالثا، الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة، وتزداد صعوبة المواجهة مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فلم يعد إنتاج صورة زائفة أو مقطع صوتي أو فيديو مركب يتطلب خبرة تقنية كبيرة. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التزييف العميق Deepfake، حيث يمكن تركيب تصريحات أو مشاهد أو مواقف لشخصيات سياسية ومؤسساتية بصورة تبدو مقنعة للمستخدم العادي. لذلك يحتاج المغرب إلى الاستثمار في:
التحقق الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والتربية الإعلامية. وهذا يعني أن الصحفي المستقبلي لن يكون مجرد ناقل للخبر، بل سيحتاج إلى معرفة أولية بالبيانات والخوارزميات ومصادر الصور والفيديو وأساليب التحقق الرقمي.
رابعا، إفريقيا: ساحة استراتيجية للرواية المغربية، انه إذا كان المغرب قد عزز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا الحضور يحتاج إلى قوة إعلامية إفريقية موازية. فمن غير المنطقي أن تكون للمغرب استثمارات وعلاقات دبلوماسية واسعة في إفريقيا، بينما تظل صورته في بعض المجتمعات الإفريقية رهينة بما تنتجه وسائل إعلام أجنبية أو شبكات التواصل الاجتماعي. بل ان المطلوب هو الاستثمار في: الصحافة الإفريقية؛ الإنتاج الوثائقي؛ المنصات الرقمية متعددة اللغات؛ الدراسات الإفريقية؛ التبادل الجامعي؛ شبكات الباحثين؛ الصحفيين الأفارقة؛ والمحتوى بالإنجليزية والفرنسية والعربية واللغات الإفريقية. وهنا ينبغي ألا يكون الهدف مجرد «تسويق المغرب»، بل تقديم معرفة حقيقية عن المغرب وإفريقيا.
خامسا، الفضاء الإسباني: من ردود الفعل إلى المعرفة المتخصصة، ان الحالة الإسبانية تستحق دراسة مستقلة.
فالقرب الجغرافي والتاريخ المشترك وتشابك المصالح الاقتصادية والهجرة وسبتة ومليلية والصحراء المغربية يجعل الإعلام الإسباني مؤثراً بصورة مباشرة في تشكيل صورة المغرب لدى جزء من الرأي العام الأوروبي. ولذلك يحتاج المغرب إلى مدرسة متخصصة في فهم المجال الإعلامي الإسباني. فلا يكفي أن تكون هناك ترجمة لما ينشر في الصحافة الإسبانية؛ بل المطلوب هو تحليل:
من ينتج الخطاب؟ ما مصادره؟ ما المفاهيم التي تتكرر؟
كيف تتغير المفردات؟ ما الفرق بين الصحافة المركزية والصحافة الجهوية؟ ما دور شبكات التواصل؟ وكيف تنتقل القضايا المغربية من الإعلام المحلي إلى الإعلام الدولي؟ وهنا يصبح علم تحليل الخطاب أداة من أدوات الدبلوماسية العامة.
سادسا، الجزائر: لا ينبغي اختزال المعركة في «الإعلام المعادي»، ففي العلاقات المغربية الجزائرية، تبرز إشكالية أكثر تعقيداً. فالتنافس بين البلدين ليس إعلامياً فقط؛ إنه مرتبط بالتاريخ والذاكرة والسياسة الإقليمية والصحراء والعلاقات الدولية. ولهذا فإن الرد المغربي لا ينبغي أن يقوم على المواجهة الإعلامية اليومية أو تبادل الاتهامات. بل الأجدى هو بناء إنتاج معرفي رصين حول:
تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية؛ تطور العلاقات الثنائية؛ الحدود؛ الذاكرة السياسية؛ قضية الصحراء؛
التنافس الإقليمي؛ الأمن المغاربي؛ ومستقبل الاتحاد المغاربي. والقاعدة هنا: انه لا ينبغي أن نسمح للخصومة السياسية بأن تنتج وحدها المعرفة التاريخية والجيوسياسية التي يفهم بها المجتمعان المغربي والجزائري علاقتهما.
سابعا، سبتة ومليلية: نموذج لحرب الذاكرة والمعلومة، تقدم سبتة ومليلية مثالاً واضحاً على تداخل: التاريخ، القانون، الجغرافيا، الإعلام، الذاكرة، والسياسة. فالمدينة لا تُفهم فقط من خلال الوضع القائم، وإنما من خلال الروايات المتنافسة حول تاريخها وهويتها وموقعها القانوني والسياسي. ولهذا فإن التعامل الإعلامي مع الملف يحتاج إلى إنتاج معرفي متراكم: وثائق تاريخية؛
خرائط؛ دراسات قانونية؛ شهادات؛ أرشيفات؛ أفلام وثائقية؛ دراسات مقارنة؛ وإنتاج أكاديمي بلغات متعددة.
وهنا يظهر مرة أخرى الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعة المغربية.
قامنا، فالجامعة باعتبارها «مختبراً للرواية العلمية»، فمن أخطر الأخطاء تحويل الجامعة إلى جهاز للدعاية السياسية. لان الجامعة تفقد مصداقيتها عندما تتحدث بلغة سياسية أكثر مما تتحدث بلغة العلم. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن الجامعة ينبغي أن تبقى بعيدة تماماً عن قضايا المجتمع والدولة. بل ان المطلوب هو جامعة مستقلة تنتج المعرفة التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع.
وفي موضوع حرب المعلومات يمكن للجامعات المغربية أن تؤسس: مختبرات للدراسات الإعلامية والجيوسياسية والرقمية.
ويمكن لهذه المختبرات أن تنتج سنوياً: تقارير عن صورة المغرب في الإعلام الدولي؛ مؤشرات حول الثقة الإعلامية؛ دراسات عن خطاب الكراهية؛ خرائط للحملات الرقمية؛ تحليلات للرأي العام؛ دراسات عن المغرب في الإعلام الإفريقي والأوروبي؛ قواعد بيانات تاريخية ووثائقية؛ ودراسات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على المجال الإعلامي. وهذا سيجعل الجامعة جزءاً من منظومة الأمن المعرفي الوطني دون أن يفقدها استقلالها الأكاديمي.
ثامنا، الإعلام المغربي يحتاج إلى «التخصص»، فمن نقاط الضعف في المجال الإعلامي العربي عموماً أن الصحفي قد ينتقل بسرعة بين ملفات شديدة التعقيد دون امتلاك التكوين المتخصص الكافي. لكن الملفات الاستراتيجية لا تحتمل دائماً المعالجة السريعة. بل تحتاج إلى صحفي متخصص في: الصحراء والقانون الدولي؛ العلاقات المغربية الإسبانية؛ إفريقيا؛ الاقتصاد؛
الطاقة؛ الأمن؛ الهجرة؛ التكنولوجيا؛ والعلاقات الدولية.
فالصحفي المتخصص يستطيع أن يكتشف التلاعب في المعلومة قبل أن تتحول إلى أزمة.
تاسعا، الجالية المغربية قوة ناعمة غير مستثمرة بما يكفي، فهناك ملايين المغاربة ومزدوجي الثقافة واللغة يعيشون في أوروبا وأمريكا وإفريقيا والعالم العربي.
وهؤلاء لا ينبغي النظر إليهم فقط باعتبارهم مصدراً للتحويلات المالية أو عنصراً اجتماعياً. بل إنهم أيضاً رأس مال معرفي وثقافي وإعلامي. فالأستاذ الجامعي المغربي في فرنسا، والصحفي المغربي في إسبانيا، والباحث المغربي في بريطانيا، والمهندس المغربي في ألمانيا، ورجل الأعمال المغربي في إفريقيا، جميعهم يمكن أن يكونوا جسوراً معرفية بين المغرب والعالم. ان المطلوب ليس توجيههم سياسياً، وإنما خلق فضاءات للتواصل والاستفادة من خبراتهم.
القسم الثالث: نحو استراتيجية وطنية مغربية لحرب المعلومات، انه بالامكان اقتراح استراتيجية تقوم على خمسة مستويات متكاملة:
الأول: الوقاية، من خلال الحد من انتشار التضليل قبل تحوله إلى أزمة، وذلك عبر التربية الإعلامية، والتوعية الرقمية، وتقوية المؤسسات الإعلامية، وتوفير المعلومات الرسمية بسرعة.
الثاني: الرصد، من خلال إنشاء منظومات قادرة على اكتشاف الحملات الرقمية المنسقة، ومتابعة تطور الروايات والمعلومات عبر المنصات المختلفة.
الثالث: التحقق، من خلال إنتاج آلية مهنية سريعة للتحقق من الأخبار والصور والفيديوهات والوثائق المتداولة.
الرابع: المبادرة، من خلال عدم انتظار الحملات المعادية للرد عليها، وإنما إنتاج محتوى مغربي رصين قبل أن تبدأ الأزمة.
الخامس: التقييم، فلا ينبغي قياس نجاح الاتصال بعدد المنشورات أو المشاهدات فقط.د، بل يجب قياس: تغير اتجاهات الرأي العام؛ وصول الرسالة إلى الفئات المستهدفة؛ درجة الثقة؛ انتشار الرواية؛ قدرتها على الصمود أمام المعلومات المضادة.
القسم الرابع: الأخلاق قبل القوة، وفي هذا الصدد فانه يبقى هناك سؤال جوهري: هل يمكن مواجهة التضليل بالتضليل؟
والجواب ينبغي أن يكون: لا. لأن الدولة التي تستخدم الأخبار الكاذبة لمواجهة الأخبار الكاذبة قد تربح معركة قصيرة، لكنها تخسر أهم سلاح في الحرب الطويلة: وهي المصداقية. ولهذا فإن القوة الإعلامية المغربية ينبغي أن تقوم على أربعة مبادئ: الحقيقة، المهنية، السرعة، والمصداقية. وهذه المبادئ ليست ترفاً أخلاقياً؛ بل هي عناصر للقوة الاستراتيجية. فالخبر الكاذب يمكن أن ينتشر بسرعة، لكن المؤسسة الموثوقة هي التي تستطيع بناء الثقة على المدى الطويل.
في الخاتمة، لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها الحدود الجغرافية كافية لحماية الدول من التأثير الخارجي. فقد تستطيع الدولة السيطرة على حدودها، لكنها لا تستطيع السيطرة على هاتف كل مواطن. وقد تستطيع مواجهة جيش تقليدي، لكنها لا تستطيع منع ملايين الرسائل الرقمية من الانتشار خلال دقائق. لذلك أصبحت المناعة المعلوماتية جزءاً من الأمن الوطني.
والمغرب، بما له من موقع جيوسياسي خاص، وبسبب تشابك ملفاته الإفريقية والعربية والأوروبية والمتوسطية، أكثر حاجة من غيره إلى تطوير هذا النوع من القوة. لكن الطريق لا يمر عبر إعلام دعائي أو خطاب انفعالي، وإنما عبر بناء مجتمع معرفة قادر على إنتاج الحقيقة والدفاع عنها. ومن هنا يمكن اقتراح الانتقال من مفهوم: «الإعلام في خدمة الدولة» إلى مفهوم أكثر حداثة وهو: «المعرفة والإعلام والاتصال في خدمة المجتمع والدولة
والمصلحة الوطنية». فالمعركة الحقيقية ليست مع صحفي هنا أو منصة هناك، وليست مع دولة أو حزب أو حساب رقمي بعينه. إنها معركة على من يملك القدرة على تفسير الواقع. ومن يملك تفسير الواقع يستطيع، إلى حد بعيد، التأثير في كيفية فهم الناس للماضي والحاضر والمستقبل.
ولهذا فإن الرهان المغربي في حرب المعلومات ينبغي أن يكون: أن يصبح المغرب منتجاً للرواية، لا مجرد مستهلك لروايات الآخرين؛ ومنتجاً للمعرفة، لا مجرد مدافع عن صورته؛ وصاحب مبادرة إعلامية، لا مجرد طرف يرد على الحملات بعد وقوعها.
وهنا تلتقي قوة الدولة بقوة الجامعة، وقوة الإعلام بقوة المجتمع، وقوة الدبلوماسية بقوة المعرفة. إنها، في النهاية، ليست معركة إعلام فقط؛ إنها معركة سيادة معرفية.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































