نجلاء مرون
باحثة في القانون العام
أعادت الأحداث التي شهدتها سبتة أواخر تموز / يوليو 2026 قضية سبتة ومليلية إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما تجاوزت محاولات الهجرة غير النظامية نطاق الظاهرة العابرة لتتحول إلى أزمة مركبة تتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية والأمنية والسياسية والدبلوماسية، غير أن الدلالة الأعمق لهذه الأزمة لا تنحصر في تداعياتها المباشرة، بل تمتد إلى ما كشفته من أسئلة تتصل بوظيفة الفاعلين السياسيين، ولا سيما الأحزاب في لحظات الاختبار التي تتعرض فيها الدولة والمجتمع لضغط استثنائي.
في إسبانيا اندرجت أزمة سبتة ضمن سياق سياسي أصبحت فيه الهجرة إحدى القضايا المركزية في التنافس الحزبي، فقد سعى الحزب الاشتراكي إلى الدفاع عن مقاربة الحكومة للأزمة وإبراز قدرتها على التوفيق بين مقتضيات الأمن والاعتبارات الإنسانية، في حين جعل الحزب الشعبي من الحدث مناسبة لمساءلة الحكومة حول نجاعة سياستها في مجال الهجرة وقدرتها على حماية سبتة، بينما وظف حزب «فوكس» الأزمة لتعزيز خطاب أكثر تشدداً تجاه الهجرة والأمن، ويكشف اختلاف هذه المواقف أن الأزمة لا ت نتج استجابة سياسية واحدة، وإنما تتحول إلى مجال لإعادة بناء المواقف وفقاً لمواقع الفاعلين داخل منظومة التنافس السياسي.
غير أن الصراع حول الأزمة لم يظل محصوراً في المجال الحزبي، إذ أصبح الإعلام والفضاء الرقمي جزءاً من عملية إنتاج معناها السياسي، فلم يعد السؤال متعلقاً فقط بما وقع، وإنما بمن يملك القدرة على تفسير ما وقع، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الأولويات، واقتراح الحلول، ومن ثم أصبحت صناعة السردية السياسية إحدى أدوات الفعل الحزبي، فالحزب الذي يمتلك القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسريع وعلى التواصل الفعال مع الجمهور، يستطيع التأثير في الإطار الذي تفهم من خلاله الأزمة، بينما يؤدي غياب الأحزاب أو تأخرها إلى ترك المجال أمام سرديات أخرى قد تكون رسمية أو معارضة أو شعبوية.
إدراج الأزمات ضمن مجال التنافس السياسي يثير في الوقت ذاته سؤالاً أخلاقياً، فالمشاهد المرتبطة بالهجرة غير النظامية لا تتعلق بمجرد أرقام وتدفقات بشرية، وإنما بأفراد بينهم قاصرون معرضون لمخاطر جسيمة، ولذلك فإن تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة للمزايدة السياسية يطرح حدوداً لا ينبغي تجاوزها، فتسييس الأزمة يظل مشروعاً عندما يهدف إلى مساءلة السياسات العمومية وطرح البدائل، بينما يتحول إلى استغلال سياسي عندما تصبح المعاناة وسيلة لإنتاج الخوف أو تأجيج المشاعر أو تحقيق مكاسب انتخابية.
في المغرب تزداد حساسية هذه الدينامية بالنظر إلى الارتباط التاريخي والسياسي لقضيتي سبتة ومليلية بالسيادة الوطنية والعلاقات المغربية الإسبانية، وهو ما يفرض على الأحزاب معادلة دقيقة تقوم على الجمع بين ثوابت الموقف الوطني وبين ممارسة الاختلاف السياسي المشروع حول أسباب الأزمة وطرق تدبيرها
غير أن الاختزال الأمني للأزمة يظل عاجزاً عن استيعاب دلالاتها الاجتماعية والسياسية كاملة، فمشاهد شباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها تحدياً أمنياً أو ظاهرة للهجرة غير النظامية، وإنما باعتبارها أيضاً مؤشراً يستدعي مساءلة السياسات المرتبطة بالشباب والتنمية والإدماج والعدالة المجالية والثقة في المستقبل (لا سيما في المناطق الشمالية)، ومن هنا تبرز وظيفة الأحزاب في الانتقال من إدارة الخطاب حول الأزمة إلى مساءلة شروط إنتاجها الاجتماعية والسياسية.
وعلى هذا الأساس، يصبح التمييز ضرورياً بين التوظيف السياسي للأزمة والتنافس السياسي حولها فالتوظيف يختزل الأزمة في مناسبة لمهاجمة الخصم السياسي، بينما يفترض التنافس الديمقراطي تحويلها إلى مجال للتباين في التشخيص والسياسات والبدائل، فالأغلبية الحكومية مطالبة بالدفاع عن حصيلتها وتفسير خياراتها، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بالاعتراف بالاختلالات التي تكشفها الأزمة، أما المعارضة، فإن مشروعية مساءلتها للحكومة لا تكتمل بمجرد تحميل المسؤولية، وإنما تتعزز بقدرتها على تقديم بدائل ذات مضمون سياسي وعملي.
تكشف هذه الثنائية عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة الحضور الحزبي في المجتمع، فالأزمة لا ينبغي أن تكون اللحظة التي تكتشف فيها الأحزاب وجود المواطنين أو تشرع فيها في التواصل معهم، إذ إن التأطير السياسي وظيفة مستمرة تسبق الأزمة وتمتد إلى ما بعدها، ومن ثم فإن معيار فعالية الحزب لا يتمثل في حجم حضوره الإعلامي أثناء الأزمة، وإنما في قدرته على بناء الثقة في الظروف العادية، ثم توظيف هذه الثقة في لحظة الاستثناء لتفسير الأحداث واحتواء القلق الاجتماعي، وتحويل المطالب إلى خيارات سياسية قابلة للنقاش والمساءلة.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية تكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة، لأن أزمات من هذا النوع يمكن أن تؤثر في ترتيب الأولويات داخل المجال الانتخابي، ولا سيما ما يتعلق بالهجرة والشباب والتنمية والثقة في المؤسسات.، غير أن تحويل الأزمة إلى مكسب انتخابي ليس نتيجة آلية، إذ يتوقف أثرها على الكيفية التي ستستقر بها في الذاكرة السياسية للناخب، وعلى قدرة الأحزاب على تحويلها من حدث ظرفي إلى قضية سياسية ذات امتدادات برنامجية. ومن ثم لا ينبغي أن تقرأ فقط بوصفها اختباراً لقدرة الدولة على تدبير الهجرة أو حماية الأمن، وإنما باعتبارها اختباراً للوظيفة السياسية للأحزاب ولقدرتها على التأطير وصناعة المعنى وبناء الثقة وإنتاج البدائل.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































