لحظة وداع باهتة لا تليق برائد الشعر المغربي،، وزير الثقافة أول الغائبين

15 أغسطس 2026
لحظة وداع باهتة لا تليق برائد الشعر المغربي،، وزير الثقافة أول الغائبين


وزير الثقافة ومسؤولون وشعراء وأدباء فاتهم إلقاء النظرة على الأخيرة قبل الوداع الأخير لرموز  الجامعة من أسهموا في صناعة جيل ثقافي بأكمله

خاص لـ قريش 

عبدالعزيز الخبشي 

كاتب وناقد من المغرب 

ثمة لحظات لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لأنها تقول الحقيقة بأكثر مما تستطيع الخطب والبيانات والندوات أن تقوله. ولحظة توديع الشاعر والأديب محمد السرغيني كانت واحدة من تلك اللحظات القاسية التي وضعت الثقافة المغربية، ومؤسساتها الرسمية، ونخبها الأدبية والجامعية، أمام مرآة لا ترحم. لم تكن جنازة شاعر عابر، ولا مراسم وداع موظف غادر الحياة بعد سنوات من العمل؛ كان الأمر يتعلق برحيل واحد من الأسماء المؤسسة للحداثة الشعرية المغربية والعربية، وبقامة أدبية وفكرية كرست حياتها للشعر والنقد والتعليم الجامعي، وأسهمت في تكوين أجيال من المثقفين والنقاد والشعراء والباحثين.

ومع ذلك، كانت لحظة الوداع باهتة، فقيرة في الحضور، مؤلمة في دلالتها، وكأن الرجل الذي أعطى الثقافة المغربية عقوداً من عمره لم يكن يعني، في لحظة رحيله، الكثير لمن يفترض أنهم يحملون مسؤولية هذه الثقافة وتمثيل مؤسساتها.

إنها ليست مجرد ملاحظة عابرة حول عدد الحاضرين في جنازة. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها مسألة اعتراف، ووفاء، ومسؤولية أخلاقية وثقافية. حين يغيب المثقف في حياته، يمكن أن نجد له ألف عذر، وحين يغيب المسؤول الثقافي عن نشاط أو ندوة يمكن أن نبحث له عن مبررات. أما أن يغيب عن وداع رجل أفنى حياته في خدمة الجامعة والشعر والثقافة، فالأمر يتحول إلى سؤال أخلاقي لا يمكن تأجيله.

أين كانت الثقافة الرسمية؟

أين كانت جامعة سيدي محمد بن عبد الله التي حمل محمد السرغيني اسمها العلمي والثقافي عقوداً طويلة؟ أين كانت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز، المؤسسة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للعمل، بل كانت جزءاً من مشروع حياته، وفضاءً ساهم من خلاله في تكوين أجيال كاملة من الطلبة والباحثين والمثقفين؟

أين العميد؟ أين نائب العميد؟ أين المسؤولون الإداريون؟ أين الأساتذة الذين كان الراحل زميلاً لهم أو أستاذاً لهم أو مرجعاً من مراجعهم؟ أين المؤسسة التي يفترض أن تعرف قبل غيرها قيمة رجل من رجالها؟ وأين كانت الجامعة عندما كان ينبغي أن تقول، بصمتها وحضورها، إن أبناءها لا يموتون غرباء؟

ثم أين اتحاد كتاب المغرب؟ أين بيت الشعر؟ أين المؤسسات التي تتحدث، في المناسبات، عن تكريم الأدب والشعر والاعتراف بالرموز الثقافية؟ أين البيانات الرسمية؟ أين الحضور الرمزي؟ أين المسؤولون الذين يكثرون من الحديث عن الثقافة الوطنية حين تكون الكاميرات مفتوحة، ثم يصمتون حين تغلق الكاميرات ويأتي وقت الوفاء الحقيقي؟

لا يتعلق الأمر هنا بطلب مظاهر احتفالية أو مواكب رسمية أو استعراض بروتوكولي أمام جنازة. الموت أكبر من ذلك. لكن حضور مؤسسة ثقافية في جنازة أحد أعمدتها ليس ترفاً، ولا دعاية، ولا مجاملة. إنه الحد الأدنى من الاعتراف. إن دقيقة صمت من مؤسسة، أو حضور مسؤول يمثل جامعة أو كلية أو اتحاداً أو بيتاً أدبياً، قد تكون أبلغ من عشرات الندوات التي تقام بعد سنوات لتكريم الراحلين.

والأكثر إيلاماً أن الذين حضروا، وهم محل تقدير واحترام كبيرين، كانوا في معظمهم أفراداً جاءوا بدافع المحبة والوفاء الشخصي، لا لأن مؤسسة ثقافية حملتهم إلى هناك. كان هناك الشاعر محمد بنطلحة، وكان هناك الشاعر إدريس الملياني الذي حضر من الدار البيضاء، والأستاذة محمد إعيش، إدريس الواغيش، محمد يوب، حميد بونجمة، والأستاذ الكوزي مفتش اللغة العربية الذي ألقى كلمة تأبينية بالمناسبة وعبد السلام الزروالي، المندوب السابق لوزارة الاتصال بفاس والعيون وصديق الراحل، وإلى جانب بعض السياسيين، ومنهم المخضرم عبد الرحمان الغندور وعبد الرحيم فيلالي بابا، وبعض طلبته ومحبيه، ومنهم الدكتور مراد فراسي.

هؤلاء جميعا يستحقون التقدير لأنهم فعلوا ما كان ينبغي أن تفعله المؤسسات قبل الأفراد: حضروا لأن الإنسان الذي رحل كان يستحق الحضور.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة هو: لماذا تركتم هؤلاء وحدهم تقريباً في مواجهة واجب ثقافي وأخلاقي بهذا الحجم؟

لماذا كان ينبغي أن تكون جنازة محمد السرغيني محدودة الحضور إلى هذا الحد؟

لماذا بدا المشهد وكأن الشاعر الذي أسهم في بناء أجيال من الثقافة المغربية قد أصبح، في لحظة الرحيل، مسؤولية شخصية لبعض أصدقائه وتلامذته، لا مسؤولية جماعية لمؤسسات يفترض أنها قامت باسمه وبفضل أمثاله؟

ليس مقبولاً أن نختبئ وراء عطلة الصيف

هذه الحجة، إذا قيلت، لا تصمد أمام أبسط منطق إنساني. الموت لا يراجع أجندة الجامعات، ولا ينتظر افتتاح الموسم الثقافي، ولا ينسق موعده مع اجتماعات اتحاد كتاب المغرب، ولا يرسل إشعاراً مسبقاً إلى الإدارات حتى تستعد. الموت يأتي فجأة، ويختار لحظته بنفسه. ولذلك فإن القول إن العطلة حالت دون الحضور هو، في أحسن الأحوال، محاولة بائسة لتبرير ما لا يحتاج إلى تبرير.

نحن لا نتحدث عن ندوة علمية كان يمكن تأجيلها، ولا عن درس جامعي يمكن تعويضه، ولا عن اجتماع إداري يمكن عقده لاحقاً. نحن نتحدث عن إنسان لن يعود. عن شاعر انتهت فرصتك الأخيرة في رؤيته. عن أستاذ لن يدخل قاعة الدرس مرة أخرى. عن صوت لن تسمعه الجامعة مجدداً. عن رجل كان جزءاً من ذاكرتها، ثم غادرها إلى الأبد.

فإذا كانت العطلة قادرة على تعطيل حضور المؤسسة في جنازة أحد كبار رموزها، فمتى تستيقظ المؤسسة؟ ومتى تصبح الثقافة ثقافة بالفعل وليست مجرد جهاز إداري؟

الأمر الأكثر إيلاماً أن محمد السرغيني لم يكن مجرد شاعر كتب قصائد جميلة. لقد كان من الذين أسسوا، في وقت مبكر، لأسئلة الحداثة الشعرية في المغرب والعالم العربي. كان جزءاً من التحولات العميقة التي عرفها الشعر المغربي الحديث، وأسهم في إعادة صياغة العلاقة بين القصيدة والمعرفة، وبين الشعر والفكر، وبين الإبداع والنقد.

لقد عاش السرغيني للقصيدة، لكنه عاش أيضاً للجامعة، للطالب، للبحث، ولتكوين الإنسان. ومن خلال التدريس والتأليف والنقد والحوار، أسهم في صناعة جيل ثقافي بأكمله. كم من شاعر شاب مر من مدرجات الجامعة واستفاد من درسه؟ كم من ناقد وباحث ومدرس تشكل وعيه الأدبي في حضرة هذا الرجل؟ كم من طالب اكتشف الشعر والنقد والأسئلة الجمالية بفضل أستاذ من طراز محمد السرغيني؟

ثم يأتي يوم الرحيل، فلا نجد الجامعة التي احتضنته، ولا الكلية التي أعطاها من عمره، ولا المؤسسات الأدبية التي يفترض أنها تمثل الحقل الذي ينتمي إليه.

أي مفارقة أكثر قسوة من هذه؟

نحن بلد يحب أن يتحدث عن رموزه بعد موتهم، لكنه كثيراً ما يفشل في الاعتراف بهم وهم أحياء. نكتب عن المثقف بعد رحيله، وننشر صورته، ونضع اسمه في عناوين التأبين، ونستعيد بعض عباراته، ثم ننسى كل شيء. كأن الثقافة المغربية تحتاج دائماً إلى الموت حتى تكتشف قيمة مثقفيها.

وهنا ينبغي أن يكون النقد واضحاً وقاسياً: إن جزءاً من النخبة الثقافية المغربية يتحمل مسؤولية أخلاقية عن هذا المشهد.

لقد أصبح بعض المثقفين بارعين في الحضور حين تكون المناسبة منصة، والكاميرا مفتوحة، والميكروفون جاهزاً، والاسم اللامع يوفر فرصة للظهور. لكن حين تصبح المسألة مجرد جنازة، وحين لا يكون هناك جمهور ولا منصة ولا صورة رسمية ولا امتياز رمزي، يتراجع كثيرون إلى الخلف.

هذه ثقافة مناسبات، لا ثقافة وفاء

وما حدث في وداع محمد السرغيني ينبغي أن يحرج الجميع، لا أن يُنسى بعد أيام. ينبغي أن يسأل كل أستاذ جامعي نفسه: هل كنت هناك؟ وينبغي لكل مؤسسة أدبية أن تسأل نفسها: أين كنا؟ وينبغي لكل شاعر وناقد وكاتب عرف الرجل أو استفاد منه أو قرأ له أن يسأل: هل يكفي أن أكتب عنه بعد موته على فيسبوك؟

ليس المطلوب أن يحضر الجميع. فهذا مستحيل، وليس كل غائب مذنباً. هناك المرض، وهناك البعد الجغرافي، وهناك ظروف قاهرة لا يملك الإنسان أمامها شيئاً. ولذلك لا ينبغي أن يتحول النقد إلى محاكمة للأفراد، خصوصاً لمن حالت ظروفهم الصحية أو الموضوعية دون الحضور.

لكن ما لا يمكن قبوله هو غياب المؤسسة بوصفه غياباً جماعياً منظماً

أن يغيب عميد أو نائب عميد عن وداع أحد رموز الجامعة، وأن تغيب الكلية كمؤسسة، وأن يغيب اتحاد كتاب المغرب، وأن يغيب بيت الشعر، وأن تغيب التمثيلية الواضحة للثقافة الرسمية، فهذا ليس مجرد صدفة. إنه مؤشر على خلل في معنى الثقافة نفسها.

الثقافة ليست مهرجاناً. الثقافة ليست ميزانية. الثقافة ليست صورة جماعية. الثقافة ليست منشوراً في مواقع التواصل الاجتماعي. الثقافة، قبل كل شيء، هي ذاكرة ووفاء ومسؤولية.

ومن لا يعرف كيف يودع مثقفيه، لا يحق له أن يدعي أنه يعرف كيف يصنع مستقبل الثقافة.

محمد السرغيني لم يكن بحاجة إلى جنازة ضخمة كي يصبح كبيراً؛ لقد كان كبيراً قبل الجنازة. ولم يكن بحاجة إلى حضور مسؤول رسمي كي تثبت قيمته؛ قيمته ثابتة في شعره وفي كتبه وفي تلامذته وفي تاريخ الحداثة الشعرية المغربية. لكن المؤسسات كانت بحاجة إلى أن تحضر، لأن حضورها كان سيكشف أنها ما زالت تملك شيئاً من الوفاء.

أما الآن، فقد تركت لنا الجنازة سؤالاً موجعاً: هل مات محمد السرغيني، أم مات شيء من معنى الثقافة فينا؟

ربما يكون هذا السؤال هو الأهم

لقد رحل الشاعر، لكن ما ينبغي ألا يرحل معه هو حقه في أن تبقى سيرته حاضرة، وأن تُقرأ أعماله، وأن تفتح الجامعة أرشيفه، وأن تُنظم الندوات العلمية حول تجربته، وأن تُدرس قصيدته، وأن تُوثق شهادات تلامذته، وأن يكرم اسمه بما يليق به لا بعد سنوات من النسيان، بل الآن.

أما الذين غابوا، فليست المشكلة في أن نلومهم فرداً فرداً، بل أن نضع أمامهم مرآة هذه الجنازة الباهتة ونقول لهم: لقد كان يمكن أن تكونوا هناك. وكان ينبغي أن تكونوا هناك.

فبعض الغياب لا تعوضه الكلمات.

وبعض الجنازات لا تنتهي بانتهاء الدفن، لأنها تترك خلفها سؤالاً أخلاقياً يطارد الأحياء.

وجنازة محمد السرغيني واحدة منها.

لقد حمله إلى مثواه الأخير بعض من أحبوه، وبعض من عرفوا قيمته، وبعض من ظلوا أوفياء للإنسان حين غابت المؤسسات. أما الثقافة الرسمية، فقد بدت غائبة، باهتة، صامتة، وكأنها لم تفقد واحداً من كبار أبنائها.

وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فلنقلها بلا مواربة: نحن لا نحتاج إلى ثقافة تتذكر مثقفيها بعد موتهم فقط، بل إلى ثقافة تحترمهم وهم أحياء، وتحضر حين يرحلون، وتحفظ أثرهم حين يغيبون.

رحم الله محمد السرغيني.

أما الذين بقوا، فليتذكروا أن الموت لا يمنحنا فرصة ثانية.

وأن المثقف حين يموت، لا يحتاج إلى كثير من الرثاء بقدر ما يحتاج إلى قليل من الوفاء.

وأن الغياب، في بعض اللحظات، ليس مجرد غياب.

إنه موقف.

وإن بعض المواقف لا ينساها الموتى، لأن الأحياء هم الذين يضطرون إلى حمل عارها طويلاً.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com