فاروق الدباغ
ليست كل الكلمات التي تُقال في الندوات عابرة.
بعض الكلمات ينبغي أن تُحفظ، لا لأنها صحيحة، بل لأنها قد تتحول بعد سنوات إلى وثيقة تشرح للأجيال كيف كانت الدولة تُفكّر في لحظة من أخطر لحظات تاريخها.
ولهذا أتمنى ألا يُحذف المقطع الذي ظهر فيه الدكتور عباس العنبوري، رئيس مركز رواق بغداد للسياسات العامة، وهو يتحدث عن السياسة الخارجية العراقية قائلاً إن «الحامل» لها هو التشيع والشيعة، وإن الوعاء الذي يحمل العراق، بحسب تعبيره، هو «وعاء شيعي». فالمقطع منشور أصلًا على منصات المركز نفسه، وليس رواية من خصومه أو كلامًا منقولًا عنه.
لا ينبغي حذف مثل هذه المقاطع.
ينبغي الاحتفاظ بها.
ينبغي أن تبقى جزءًا من الذاكرة العراقية، لكي يعرف من يأتي بعدنا لماذا تعثر بناء الدولة، ولماذا بقي العراقي يبحث عن وطن فيما كانت بعض النخب تبحث له عن طائفة.
الأكثر خطورة أن هذا الكلام لم يصدر في مجلس حزبي مغلق، ولا في حسينية، ولا في اجتماع انتخابي، حيث يستطيع المرء أن يفهم ــ وإن اختلف ــ لغة التعبئة المذهبية.
الندوة عُقدت في معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية العراقية، يوم 19 يوليو/تموز 2026، وبالتعاون مع مركز رواق بغداد، تحت عنوان يتحدث عن «التحولات الإقليمية والدولية» وقواعد فهمها الجديدة.
وهنا تصبح القضية أكبر من رأي شخص.
لأننا عندما نناقش السياسة الخارجية العراقية داخل فضاء مرتبط بوزارة الخارجية، فإن السؤال يجب أن يكون: ما مصلحة العراق؟
لا: ما مصلحة الشيعة؟
ولا: ما مصلحة السنّة؟
ولا: ما مصلحة الكرد أو المسيحيين أو التركمان أو الإيزيديين؟
الدبلوماسية ليست مجلس عزاء طائفيًا، ولا منبرًا لإثبات مظلومية جماعة، ولا أداة لتعويض صراعات التاريخ.
الدبلوماسية هي إدارة مصالح دولة.
العراق حين يجلس أمام تركيا لا يجلس بصفته شيعيًا.
وحين يتفاوض مع السعودية لا يدخل الغرفة بصفته سنّيًا.
وحين يتحدث مع إيران لا ينبغي أن يكون امتدادًا لمذهب.
وحين يواجه الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين، لا يسأله العالم عن مذهبه، بل عن مصالحه وقدرته على الوفاء بالتزاماته وسيادة قراره.
هذه هي أبجدية الدولة.
الطائفة ليست «وعاء العراق»
يمكن لأي إنسان أن يعتز بمذهبه، وأن يعتز بتاريخه الديني وبانتمائه الروحي. وهذه حرية لا ينبغي لأحد انتزاعها منه.
لكن الكارثة تبدأ عندما تنتقل الهوية المذهبية من ضمير الفرد إلى عقيدة الدولة.
فالقول إن «الوعاء الذي يحمل العراق وعاء شيعي» لا يصف واقعًا اجتماعيًا فحسب؛ بل يفتح سؤالًا شديد الخطورة:
أين نضع بقية العراقيين؟
هل المسيحي العراقي ضيف في هذا الوعاء؟
هل السنّي العراقي هامش؟
هل الكردي جزء مكمل؟
هل الإيزيدي والصابئي والتركماني والشبكي مطالبون بالدخول في وعاء طائفي حتى يصبحوا عراقيين كاملين؟
العراق ليس وعاءً شيعيًا ولا سنيًا ولا كرديًا.
العراق وعاؤه الوحيد هو المواطنة.
والدستور العراقي نفسه، رغم كل ما يمكن نقده فيه، أكثر تقدمًا من هذا الخطاب. فالمادة 14 تنص على مساواة العراقيين أمام القانون من دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المعتقد.
فكيف تنتقل الدولة من دستور يقول إن المذهب لا يجوز أن يكون أساسًا للتمييز إلى خطاب يجعل مذهبًا بعينه «الحامل» لسياستها الخارجية؟
هذه ليست مشكلة لغوية.
هذه مشكلة في مفهوم الدولة نفسه.
والمرأة ليست تفصيلًا هامشيًا
وفي المقطع الآخر الذي دار حول دور المرأة، فإن أي تقليل من قيمتها السياسية أو الاجتماعية ــ بصرف النظر عن الصياغة الدقيقة التي وردت في النقاش ــ يكشف المشكلة ذاتها: النظر إلى الدولة باعتبارها ملكًا لجماعة محددة يقرر رجالها من هو أساسي ومن هو ثانوي.
والمرأة العراقية ليست ملحقًا بالمشروع الوطني.
هي نصف المجتمع، وشريكة في صناعة الحياة العامة، والدستور منح العراقيين رجالًا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والحقوق السياسية. كما أن مبدأ المساواة الدستوري ذاته يمنع التمييز بسبب الجنس.
والأغرب أن مركز رواق بغداد نفسه لديه نشاطات ومشروع معلن لتعزيز وتمكين دور المرأة. وهذا يجعل أي خطاب يقلل من قيمتها بحاجة إلى تفسير أكثر جدية، لا إلى تعديل سريع للكلمات بعد صدورها.
لأن المشكلة ليست أن المتحدث يستطيع لاحقًا أن يعيد صياغة عبارته.
المشكلة أن العبارة الأولى تكشف أحيانًا عن بنية التفكير التي أنتجتها.
من «الدولة الشيعية» إلى دولة الجميع
العراق دفع ثمن هذه اللغة طويلًا.
في مرحلة كانت الدولة تُختزل في القومية.
ثم اختُزلت في الحزب.
ثم جاء من أراد اختزالها في الطائفة.
وفي كل مرة تغيّر الشعار وبقي المرض نفسه:
جماعة تعتبر نفسها الدولة، ثم تطلب من الآخرين أن يجدوا مكانًا لأنفسهم داخلها.
بينما الدولة الحديثة تقوم على المعادلة المعاكسة تمامًا:
الدولة لا تملك مواطنيها.
المواطنون هم الذين يملكون الدولة.
وهنا لا يعود السؤال: من الأكثر عددًا؟
بل: من يحمل الجنسية العراقية؟
من يحملها يجب أن يمتلك الحقوق نفسها، وأن تترتب عليه الواجبات نفسها.
من زاخو إلى الفاو.
من النجف إلى الموصل.
من الأنبار إلى البصرة.
شيعيًا كان أم سنيًا، مسلمًا أم مسيحيًا، عربيًا أم كرديًا أم تركمانيًا، رجلًا أم امرأة.
هذه ليست رومانسية سياسية.
هذه هي الطريقة الوحيدة لبناء دولة مستقرة.
حتى الشيعة يخسرون من الدولة الطائفية
وقد يظن البعض أن الاعتراض على هذا الخطاب اعتراض على الشيعة.
والعكس هو الصحيح.
أول من يدفع ثمن تحويل التشيع إلى هوية سياسية للدولة هم الشيعة أنفسهم.
لأن المواطن الشيعي يحتاج إلى كهرباء ومدرسة ومستشفى ووظيفة وقضاء مستقل تمامًا كما يحتاج إليها المواطن السني أو المسيحي.
وعندما تتحول طائفته إلى عنوان للسلطة، تصبح إخفاقات السلطة محسوبة عليه، وتُختزل هويته الدينية في أداء حكومة أو حزب أو مسؤول لم يختره أصلًا.
والتشيع، كدين ومذهب وتاريخ وثقافة، أكبر بكثير من أن يُختصر في وزارة أو حكومة أو سياسة خارجية.
وكذلك السنّة والكرد وبقية مكونات العراق.
الأديان والمذاهب يمكن أن تسكن المجتمع.
لكن الدولة يجب أن تبقى للجميع.
احتفظوا بالفيديو
لهذا أقول: لا تحذفوا هذه الفيديوهات.
احتفظوا بها.
ليس للتشهير بأحد، ولا لتصفية حساب شخصي مع الدكتور عباس العنبوري أو مع مركز رواق.
بل لأنها وثائق سياسية.
قد يحتاج إليها العراقي بعد عشرين عامًا عندما يسأل أبناء هذا الجيل آباءهم:
كيف وصل بلد يمتلك كل هذه الثروات والتاريخ والكفاءات إلى كل هذا الانقسام؟
سيكون جزء من الجواب موجودًا في هذه المقاطع.
عندما أصبح الحديث عن تكريس الهوية المذهبية أمرًا يمكن أن يُطرح في فضاءات تناقش السياسة الخارجية للدولة، كأن وجود وطن اسمه العراق أصبح تفصيلًا يأتي بعد هوية الجماعة.
إن إنقاذ العراق لن يبدأ بتغيير اسم حزب بحزب، ولا بإزاحة طائفة لمصلحة أخرى، ولا بالانتقال من «وعاء شيعي» إلى «وعاء سني» أو قومي.
ذلك ليس إصلاحًا.
إنه مجرد تبديل لأسماء الأزمة.
الحل يبدأ من فكرة شديدة البساطة، لكنها تبدو في العراق أكثر الأفكار ثورية:
المواطن العراقي مواطن قبل أن يكون ابن طائفته.
يحمل الجنسية نفسها.
له الحقوق نفسها.
عليه الواجبات نفسها.
والدولة لا تسأله عندما يدخل مؤسساتها عن مذهبه، بل عن كفاءته.
والسياسة الخارجية لا تسأل أي مذهب نمثل، بل أي مصلحة عراقية نحمي.
عندها فقط يمكن أن يشعر الشيعي والسنّي والكردي والمسيحي والإيزيدي والتركماني والصابئي بأن العلم الذي يرفرف فوق السفارة العراقية يمثله هو أيضًا.
وعندها فقط يمكن للعراق أن يستعيد هيبته.
فالدول لا يحترمها العالم لأنها تمثل طائفة قوية.
يحترمها عندما تكون قوية بما يكفي لتمثل جميع مواطنيها.


















































